الحلفُ الروسي الإيراني ضرورة لطرفيه
سبتمبر 14،
<!--<!--
البناء = د. وفيق إبراهيم
التحالفات حاجاتٌ لأصحابها، بالأسباب المباشرة حيناً وبغير المباشرة في مرات أخرى.
لكن ما ينطبق على العلاقات الروسية الإيرانية أنها تتدحرج نحو تفاهمات عميقة، لا تنتمي إلى فئة عرض قوة بوجه المنافسين فقط، بل لبناء قوة مشتركة تجعل من المحاولات الأميركية لترميم نفوذ بلادها هباء منثوراً.
بداية فإن روسيا وإيران مستهدفتان بدقة من الأميركيين. والدليل أنّ الأميركيين نجحوا في دفع روسيا إلى داخل حدودها منذ عقدين ونيّف، سالبين منها محيطها في أوروبا الشرقية والقوقاز والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فلم يتبق لها مدى إلا قاعدة بحرية صغيرة في سورية تطل على المتوسط وتنتمي إلى مرحلة الراحل الاتحاد السوفياتي فورثتها موسكو بالنسب المشترك إلى جانب علاقة حنين تاريخية مع كوبا والصين.
بدورها إيران وجدت نفسها بعد 39 سنة على ثورتها الإسلامية أنها محاصرة إلى حدود الاختناق من حرب أميركية اقتصادية تمنع العالم من بناء علاقات اقتصادية معها لا شراء ولا بيعاً وتهددها عسكرياً من قواعدها في الخليج وتحالفاتها مع دوله العربية بالإضافة إلى «إسرائيل» التي تعتبر طهران العدو الأساسي لها في منطقة الشرق الأوسط.
هذا الجانب المشترك بين البلدين، يدفعهما إلى استراتيجية تحالفية في وجه قوة عظمى فعلية تجمع كل مقومات الأحادية والنفوذ بالاقتصاد المرعب ومركزية السياسة العالمية و800 قاعدة عسكرية تنتشر في مئات البلدان وجيوش جرارة تملأ البر والبحر والفضاء والانتشار الثقافي والسيطرة على الذوق العالمي في المأكل والملبس وآليات اللهو والتسلية.
بيد أن هذا السبب الاستراتيجي موجود أيضاً مع عشرات البلدان الأخرى ولا يدفعها إلى تقاربات سياسية عميقة، بما يؤكد وجود أسباب عديدة لموضوعية التحالف الروسي الإيراني الذي يتكئ على عشرات المواضيع والأبعاد الدافعة إلى الإسراع في بنائه.
فإذا كانت العدوانية الأميركية العالمية سبباً استراتيجياً لتقاربهما، فهناك عناصر أخرى لا تقل أهمية وأولها أن بحر قزوين المشترك بين البلدين مع دول أخرى من آسيا الوسطى هو معبر روسي بديل بإمكانه تأمين عبور سريع لها نحو إيران والخليج والعراق وسورية وبسرعة سياسية لافتة، ما يسمح لموسكو بالاستغناء النسبي عن خط البحر الأسود والمضايق التركية في مرمره وإيجه نحو البحر المتوسط أو يصبح لديها على الأقل خطان مفتوحان يضعفان تأثير السياسة التركية على حرية الحركة الروسية.
أن هذا الخط القزويني يضع منطقتين شديدتي الأهمية أمام الحركة الروسية الإيرانية المشتركة، وهما الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
لذلك ظهرت أهمية سورية للشريكين معاً، كبلد محوري له تأثير في المنطقة العربية عموماً والدول المجاورة له خصوصاً.
بما يفسر أسباب تركيز اعنف هجوم أميركي عليه، لا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية.
مستجلباً بالمقابل دعماً إيرانياً كبيراً أدرك أنّ إسقاط سورية هو إسقاط لكل الشرق العربي وإضعاف حظوظ إيران بالصمود، كذلك فإن الروس استوعبوا بسرعة أن هزيمة نظام الرئيس بشار الأسد تسمح للأميركيين بالإمساك بكامل الشرق الأوسط وهذا يعني العودة الأميركية السريعة للإمساك بنظام احتكار القوة، والهيمنة على العالم مجدداً.
لذلك ظهر وبشكل واضح حجم الداعمين الروسي والإيراني لسورية التي لم تبخل بدورها عبر جيشها وشعبها بكل إمكاناتها للدفاع عن دولتها والمنطقة بأسرها.
قد تبرز تباينات في الأولويات بين روسيا وإيران لكنها لا تدعو إلى القلق، لأن مرتكزات التقارب أوسع، وتدفع إلى حلول وليس صراعات.
فالعمل في الشرق الأوسط يتطلّب تنسيقاً بين البلدين في اليمن والعراق وسورية ولبنان وفلسطين.
وأمكنة أخرى قابلة للانجذاب إلى هذا المحور بفعل التراجعات الأميركية الواضحة، وخصوصاً في آسيا الوسطى، الأمر الذي يضع الحلف الروسي الإيراني – الفنزويلي ولاحقاً السوري أقوى معادلة في أسواق النفط والغاز، وهذه بمفردها من الأسباب العميقة للتقارب السياسي الروسي الإيراني الذي يستطيع بالتعاون مع الصين والهند تشكيل أقوى قوة اقتصادية في العالم.
فمقابل أميركا والسعودية وقطر، تبدو المعادلة الروسية السورية الإيرانية أقوى لأنها تمتلك البلد الذي لديه اكبر احتياطات نفط وهو فنزويلا بالمركز الأول عالمياً وروسيا وإيران بالمركزين الثالث والخامس.
أما الغاز فروسيا وهي الأولى عالمياً وإيران الثانية إلى جانب إمكانات هائلة في سورية، ما يضع هذه المعادلة على رأس الانجذابات العالمية إليها وخصوصاً أوروبا التي تجد نفسها مضطرة للتقارب مع قوى الطاقة المقبلة أي الغاز.
ألا تفسر هذه الأسباب مدى حاجة البلدين لبعضهما بعضاً وخصوصاً في هذه المرحلة من الصراع العنيف مع الأميركيين الذين لا يوفرون استخدام أي وسيلة تدميرية أو إرهابية للمحافظة على سيطرتهم الأحادية.
للإشارة فقط أيضاً فإنّ واشنطن تعكف حالياً على ابتكار آليات صراع جديدة مع الروس والإيرانيين والسوريين بالإضافة إلى سياسات تتعمد تعميق التباينات الروسية الإيرانية وتحويلها تناقضات عميقة، فتزعم أنها موافقة على نفوذ روسي في سورية إنما على أساس انسحاب الإيرانيين منها. ومثل هذه الترهات لا تنطلي على موسكو التي تعرف أيضاً أنّ الدور الإيراني في سورية مرسوم من قبل دولتها صاحبة القرار النهائي بتحالفاتها، كما هو مرتبط بانسحاب الأميركيين من شرقي الفرات وشمالي سورية مع أعوانهم من الأوروبيين والدانمركيين والإرهاب فضلاً عن الاحتلال التركي لإدلب وعفرين وأجزاء من الحدود الشمالية.
لذلك فإن الرهان على انفجار التقارب الروسي الإيراني عبثيٌ لان مصالح البلدين تبتدئ انطلاقاً من هذه المرحلة لكنها غير قابلة للتوقف حتى بعد تشكل عالم متعدد القطب، لا تقف إيران بعيداً عن حدوده لقوتها المتصاعدة وتلعب روسيا دوراً محورياً في صناعته وتطوره.



ساحة النقاش