حول الفرق بين وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل والإعلان الصريح عن إلغائها!!
<!--<!--
“رأي اليوم”محمد النوباني* كاتب فلسطيني
أثار قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في جلسته المنعقدة أمس في مدينة رام المحتلة بوقف العمل بكافة الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وتكليف لجنة من أعضائه بمتابعة تنفيذ قرار سابق اتخذه المجلس بهذا الخصوص ردود فعل متباينة في الشارع. الفلسطيني تراوحت بين التشكيك والترحيب، والترحيب الجذ.
فقد اعتبر المشككون أن القرار ليس الأول من نوعه حيث سبق للمجلس اتخاذ قرارات شبيهة ردا على إجراءات إسرائيلية خطيرة اتخذت بحق الفلسطينيين ومنها قرار واضح وصريح بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وتكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بمتابعة التنفيذ إلاّ أنها لم تنفذ ووضعت في الثلاجة. فيما رحب البعض بالقرار واعتبروه خطوة جريئة في حين ذهبت فئة ثالثة إلى الترحيب الحذر به انتظارا للنتائج.
وكانت السلطة الفلسطينية قد أعلنت في وقت سابق وعلى لسان أكثر من مسئول بأن المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية سوف يتخذ في اجتماع الخميس قرارات غير مسبوقة وعلى جانب كبير من الأهمية ردا على قيام إسرائيل بهدم عمارات تحتوي على مئة شقة سكنية تعود ملكيتها لمواطنين فلسطينيين وتشريد المئات من سكانها في قرية صور باهر، احد أحياء القدس بذريعة وقوعها بالقرب من جدار الفصل العنصري.
وقبل أن أتحدث عن رأيي الشخصي بهذا الخصوص لا بدّ لي من التذكير بحقيقة مهمة وهي أنّ التيار السياسي الإسرائيلي الذي وقع على اتفاق أوسلو ممثلا بحزب العمل بزعامة اسحق رابين وشمعون بيريس لم يكن ينوي بأي حال من الأحوال إعطاء دولة كاملة السيادة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعاصمتها القدس ولا حتى أي شكل من أشكال الكيانية السيادية ناهيك عن تنفيذ قرار الأمم المتحدة ١٩٤ الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي طردوا منها عام ١٩٤٨بقدر ما كان يناور لإطالة أمد الحكم الذاتي المحدود لأطول فترة ممكنة وصولا إلى حل نهائي بنفس مواصفات صفقة القرن التصفوية الحالية.
ومن عاش لك الفترة المظلمة من تاريخ الشعب الفلسطيني يذكر كيف كان كل من رابين وبيرس يتنصلون من تنفيذ الاتفاقات والبروتوكولات الموقعة بحجة أنّه لا يوجد مواعيد مقدسة تارة وتارة أخرى بذرائع أمنية واهية الأمر الذي جمد ما يسمى بالعملية السياسية في حدود الحل الانتقالي إلى أن تم اغتيال اسحق رابين وبقية القصة المعروفة.
وباختصار فإنّه سواء أكان في سدة الحكم في الكيان الإسرائيلي زعيما مثل رابين أو زعيما مثل بنيامين نتن ياهو فإن هنالك قاسما مشتركا عظيما بينهما لا يمكن أن يحيدا عنه، وإن اختلفت تكتيكاتهما السياسية، وهو رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على أي شبر من أراضي فلسطين التاريخية ورفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ورفض تفكيك منظومة الاستيطان بوصفها إحدى أهم ركائز المشروع الصهيوني .
لقد استندت اتفاقات أوسلو من وجهة نظر إسرائيلية إلى رؤية توراتية تلمودية مفادها أنّ على الفلسطيني أن يختار بين مقاومة الاحتلال أو التعايش معه، فإن اختار المقاومة فإنّ مصيره هو فقدان الحياة عقابا له على “جريمته” وإن اختار التعايش مع الصهاينة حطابا وسقاء ماء، وحسب التعبير المعاصر وكيلا أمنيا، مقابل البقاء في “أرض إسرائيل”
وباختصار فقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك للشعب الفلسطيني أنّ أوسلو لم تقرب الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة بقدر ما أبعدته عن تلك الحقوق ومكنت عدوه من تحويل الأرض الخصبة ومساقط المياه في الضفة الغربية وتحويلها إلى مستوطنات وتهويد القدس ورفعت طوق العزلة الدولية من حول إسرائيل ومكنت عرب الردة والخيانة من الانتقال بعلاقتهم مع إسرائيل من السر إلى العلن، ولذلك فان مطلب إلغائها بات مصلحة وطنية عليا.
من هذا المنطلق فإن هنالك فرقا شاسعا بين الإعلان عن وقف العمل بتلك الاتفاقات وتشكيل لجنة لمتابعة ذلك وبين الإعلان عن إلغائها رسميا لأن وقف العمل قد يكون مرتبطا بظرف معين وقد ينتهي بزوال الظرف لتعود الأمور إلى سابق عهدها. لو تعود معها المفاوضات العبثية التي أذلتنا طيلة أكثر من ربع قرن.
وأخيرا فإنني لا أريد أن استبق الأحداث ولكنني أقول من التجربة بأن النصوص الغامضة وحمالة الأوجه لا يمكن الحكم عليها إلى أن يثبت عكس ذلك. مع العلم أنّ الركائز الأربعة التي استند إليها أوسلو فلسطينيا وهي وجود شريك إسرائيلي للسلام وشعار دولتين لشعبين وحق العودة للفلسطينيين ووجود وسيط أمريكي نزيه قد سقطت كلها إلى غير رجعة منذ أن وقع ترامب على مرسوم الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل وقرر نقل السفارة الأمريكية إليها.



ساحة النقاش