المشروع الأميركي التركي لا يعني سورية ولا حلفاءها
يوليو 25، 2019
<!--<!--
البناء = د. وفيق إبراهيم
تستمر المفاوضات بين عسكريين أتراك وأميركيين في العاصمة التركية أنقرة لتحديد المدى الذي يجب أن تشمله المنطقة الأمنية السورية المحاذية للحدود لينتشر فيها الجيش التركي.
الملاحظ أنّ استمرار هذه المباحثات يجري على وقع رحيل المبعوث الأميركي الخاص لشؤون سورية جيمس جيفري الذي التقى منذ يومين بوزير الدفاع التركي خلوصي أكار مع تقنيين من الجانبين وعاد إلى بلاده.
تتواكب أيضاً مع استعدادات فرنسية وبريطانية لنشر وحدات عسكرية جنوبي هذه المنطقة الأمنية المزعومة.
هذا إلى جانب رعاية أميركية وسعودية وأردنية دقيقة لمحاولات دمج «مجلس دير الزور» العسكري الذي يقوده أحمد الخبيل مع شخصيات عشائرية أخرى وقوات النخبة في تيار الغد الذي يترأسه أحمد الجربا.
يتولى تجميع هذه العشائر كل من الأردن والسعودية بإيعاز أميركي واضح، لكنه يصطدم بتردّد من كرد منظمة «قسد»، لأنه يطالبها بالانسحاب من المناطق ذات الغالبية العربية في دير الزور وأنحائها؟
يجمع هذا المشروع بالإضافة إلى المايسترو الأميركي تركيا وفرنسا وبريطانيا والأكراد والسعودية والأردن وبعض المنتفعين من شيوخ عشائر المنطقة المثقلين بالأموال السعودية والإماراتية وبركات عاهل الأردن، وقد يضم تمثيلاً رمزياً عسكرياً من بعض دول حلف الناتو في أوروبا وكندا وأستراليا.
الأمر الذي يؤكد على أن الأميركيين يستعجلون تنفيذ مشروعهم القديم بالسيطرة على شرق الفرات والشمال بآليات غير أميركية يشرف عليها «البنتاغون» عبر قواته الموجودة في المنطقة السورية وبعض القواعد الأساسية في العراق.
أما العقوبات التي لا تزال تحول دون تنفيذه فأولها الإصرار التركي على الإمساك بمفردهم بالمنطقة الآمنة المزعومة بطول 600 كيلومتر وعرض لا يقلّ عن أربعين كيلومتر، وهو إصرار قابل للمساومة إنما على قاعدة الانسحاب الكردي الكامل منها، مقابل «السماح التركي» لقوات ترابط معهم فيها من فرنسا وبريطانيا بشكل ركزي فقط لا يرقى إلى حدود قوات مقاتلة.
أهذا هو الحل الذي توصلت إليه محادثات جيفري أكار ويعكف عسكريو الطرفين على وضع التفاصيل الأخيرة المرتبطة بها؟
فهل هذا ممكن؟ هناك مؤشرات توحي بالاستعداد التركي للتنفيذ بسرعة وتظهر على شكل حشود عسكرية تدفع بها تركيا إلى الحدود لمقاتلة الأكراد في تل رفعت ومنبج وتل أبيض كما تزعم البيانات العسكرية التركية، فهل أحدٌ يصدق أن تركيا تهاجم أهدافاً أميركية أو محمية منهم؟
ما يكشف أنّ هذه القوات التركية هي للزوم الانتشار التركي في المنطقة الآمنة المزعومة، بموافقة أميركية، لكن دون الموافقة الأميركية الكاملة، لا تزال هناك طلبات أميركية.
منها تقليص عمق المنطقة الآمنة إلى 16 كيلومتراً والمشاركة الأوروبية العسكرية الوازنة فيها وضرورة قبول الأتراك بحلف مع قوات «قسد» الكردية يصل إلى حدود التنسيق بين الطرفين.
ويطلب الأميركيون من الأتراك التمسك بمنطقة إدلب حتى لو تعرّضت لهجوم من الدولة السورية وروسيا.
يتبين بالاستنتاج أنّ الأميركيين على عجلة من أمرهم لتفتيت سورية «ومشاغلة» دولتها وحليفتها روسيا في إدلب لمنعها من الانتقال إلى شرقي الفرات.
تركيا من جهتها تجد أن بوسعها الاستفادة من الصراع السوري الروسي مع الأميركيين لابتزاز الروس والأميركيين على السواء.
فالروس يسعون لاستمالة تركيا استراتيجياً وليس فقط على مستوى سورية، لذلك فهم مهتمون لجذبها بالإغراءات الاقتصادية وإرجاء محاسبتها على ما ترتكبه في سورية، مقابل فك علاقتها بالناتو أو الاكتفاء بعلاقات هامشية به مقابل تحسين علاقاتها «العامة» بموسكو المنطلقة نحو دور دولي.
الأميركيون بدورهم لا يريدون خسارة تركيا، لكنهم يريدون دوراً كبيراً للكرد المنتشرين في أربع دول متجاورة ومتواصلة.
هذا بالإضافة إلى أنّ الأكراد موجودون في شرقي الفرات حيث يتدبّر الأميركيون مشروعهم التفتيتي.
لجهة السعودية والأردن فإن تدخلاتهما في شرقي الفرات آلية أميركية كاملة لا ترتقي إلى حدود المطامع الخاصة، وهما دولتان وظيفيتان أنشأهما المستعمر البريطاني في مطلع القرن العشرين.
أما إيران فمنهمكة بمجابهة الأميركيين في الخليج وتتعرّض لحصار غير مسبوق يستهدف الدولة شعباً ومؤسسات، لذلك فهي تراقب ما يجري في الداخل السوري وتعتبره امتداداً للحصار المضروب عليها، لكنها تمنح الصراع في الخليج أولوية ترى أن صمودها فيه يزوّد سورية إمكانية النجاح أيضاً.
ماذا الآن عن صاحبة الديار سورية التي تجاهد منذ عقد تقريباً في وجه أكبر تآمر كوني في التاريخ؟
لم تبخل الدولة السورية بأي من إمكاناتها العسكرية في الميادين، بدعم من جيش شجاع وشعب باسل معتاد على مجابهة المستعمرين على مدار التاريخ.
لكن هذه الدولة تعرف أيضاً أن الحرب معارك وسياسة، خصوصاً إذا كانت بمستوى التآمر الدولي والإقليمي والعربي والإرهابي المتحرك في ميادينها، بكل الآليات الممكنة. لذلك فهي تهاجم في جهة وتهادن في جهات أخرى، وتترك لحلفائها التفاوض في أنحاء ثالثة وذلك تبعاً لتطورات الميدان.
ضمن هذه المعطيات يمكن الجزم بأن الحرب لتحرير إدلب بدأت تلوح بقوة، ولم تعد بعيدة، لأن الروس أصيبوا بخيبات أمل من التلاعب التركي الذي لا يحترم اتفاقاً.
لذلك فإن الجيش السوري مدعوماً من حلفائه الروس وحزب الله مقبلون على معركة ضخمة في إدلب تماثل معركة تحرير حلب، وبنتائجها نفسها فتؤدي أغراضها عسكرياً وتذهب نحو محاصرة ما تبقى من الاحتلالين التركي والأميركي وتمنع أيضاً تحقيق المشروع الأميركي بتفتيت شرقي الفرات والعبث بالإقليم.



ساحة النقاش