إسرائيل تحضّر “شيوخها” كبديل للمنظمة.. ولماذا حلال على وزراء السلطة وحرام على الجعبري؟
“رأي اليوم” نادية عصام حرحش* كاتبة فلسطينية من القدس
الورشة الاقتصادية المنعقدة بالمنامة بمملكة البحرين، أثارت زوبعة، قد يكون المقصود منها لهونا في ما يخرج من اثر بذلك الفنجان، بينما هناك وعاء يغلي في مكان آخر لطبخة كبيرة.
من الصعب ان نفكر بمنطقية بينما نهرب جميعا من الموجة المثارة على أنها تسونامي قادم. حالة الهلع والفزع من صفقة قرن لم نقرأ من مكوناتها صفحة، ولم يتم إعلان كلمة باستثناء بعض العبارات عنها منذ أعلنها ترامب عندما أعلن عن افتتاح سفارة دولته بالقدس. عبارات كثيرة سمعناها وترددت خلال ما يقرب السنتين الآن: تصفية القضية الفلسطينية، سلام اقتصادي واستثمارات، تسهيلات، تصفية موضوع اللاجئين، التنازل عن القدس، وتوسيع غزة على حساب أراضي من سيناء.
وجاءت ورشة المنامة لتثير زوبعة، وكأن كل الأمور ستنتهي فيها، بينما كان موضوع الورشة والمدعوين إليها من طرفي النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي محدودين: رجال أعمال أو تجار من كلا الطرفين،(باستثناء خروج الوفد الفلسطيني كالابن الضال مقابل خروج الوفد الإسرائيلي بوفاق من حكومته) مقابل تمثيل رسمي من قبل الدول المضيفة، بما فيها الدول صاحبة الشأن في الصراع ، مصرـ الأردن ـ لبنان.
لا يمكن اخذ الورشة الاقتصادية على محمل البساطة، بأنها مجرد ورشة يراد منها إنعاش الاقتصاد الفلسطيني. فهناك ما لا يمكن تجاهله:استضافة دولة خليجية لمؤتمر إسرائيلي التواجد، بهذه العلنية وبهكذا دعوة، لا يمكن إلاّ رؤيته من خلال صورة تكبر يوميا على مدار السنوات الأخيرة، من تطبيع عربي قادم مع إسرائيل. فالمضيفون أعجبوا بفكرة الأمريكي كوشنير في خطته لما تم تسميته أولا بصفقة القرن (ليرجع عن التسمية لفرصة القرن)، لتتاح لهم الفرصة للتطبيع المنتظر مع إسرائيل. كان سيكون من العيب الفاضح ان تستضيف البحرين ورشة لرجال أعمال إسرائيليين في مملكتها العتيدة. فمهما اتفقنا على هزلية المشهد العربي العام، فلا زالت هذه الحكومات تستمد نبض وجودها على حساب إرهاب عقول رعاياها من العدو الصهيوني بينما يستبدل هذا العدو نهائيا بالإيراني. وقد نعرف كذلك ان الترهيب من العدو الإيراني ليس بسهولة في خليج يمثل الشيعة أعدادا هائلة مقارنة بنسب السكان من رعاياه. والبحرين قد تكون احد هذه الأمثلة الواضحة.
ولا يمكن فهم المشاركة الأردنية – المصرية ـ اللبنانية بلا التفكير بصفقة يراد منها الكلام عن موضوع اللاجئين الفلسطينيين بهذه الدول، بالإضافة إلى حدود هذه الدول التي نرى بأم أعيننا ما يجري من شق طرقات تجارية على حدودها، وتلك التي تم تفريغ السكان من مناطقها القريبة من الحدود. لا يمكن عدم رؤية ما يجري من أعمال واضحة جلية. لا يمكن تبرير كيف تقصف إسرائيل بهمجيتها الفادحة على غزة كل ما تطاله صواريخها من مواقع، بينما تترك ما يبدو مشروعا لميناء أو مطار قادم. لا يمكن عدم رؤية ما يجري على مسار الطريق في غور الأردن عبورا في بيسان من طرقات وأبنية تتوقف عند أللاّ معلوم من الحدود المشتركة. لا يمكن عدم فهم التسليم بضم الجولان وكأن المالك لهذه الأراضي هو ترامب، في سكوت مبهم للجيران على نفس الحدود.
في المقابل، دور السلطة الفلسطينية الذي قفز أربابها عن بكرة أبيهم اعتراضا على الورشة الاقتصادية، وكأنها ستكون تتويج صفقة القرن.
بلا شك، وكما تم الإعلان سابقا من قبل عرابي الصفقة، أن ورشة المنامة ستكون بمثابة الافتتاح الخفيف لصفقة القرن.سيبدءون من خلال توزيع بعض الأوراق ومن ثم نشر معلومات عن الشق الاقتصادي بها. وللحق ـ فلقد صدقوا الوعد ـ ما سمعناه على مدار السنوات الاثنتين الأخيرتين، وما رأيناه واقعا متغيرا جديدا أمامنا خلال العشرين عاما السابقة يبدو متناغما للغاية. لقد انتهت اتفاقية أوسلو بفترتها المحددة منذ زمن، وكان هناك من يخططون للمرحلة القادمة، بينما شغلتنا السلطة الفلسطينية بتلويحاتها بإلغاء اتفاقية انتهت بالفعل ولا تزال. أينما تنظر العين من القدس إلى بئر السبع جنوبا، والى الجليل شمالا، نرى نماذج كررت نفسها من تكريس للاحتلال على كل المستويات: الديموغرافية، الثقافية، الاقتصادية. وفي المقابل نرى نسيجا اجتماعيا يتمزق ويتآكل من كل الاتجاهات. اعتماد مطلق على إسرائيل من اجل الوجود. فلا يمكن المرور من شارع ولا يمكن شراء سلعة ومن المرجح ان لا مناهج تعليمية سلمت من الأسرلة، ولا مدرسة في مناطق إسرائيل المعلنة لسيطرتها لم تدخل في إطار الأسرلة المباشرة.المستعمرات صارت بالنسبة لنا مستوطنات، وبالنسبة لهم أحياء سكنية. من الناصرة حتى بئر السبع، فإن المواطنين الفلسطينيين يتهافتون أو يترددون أو يتشاورون بشأن السكن بتلك “الأحياء” التي بنيت بقلب مدنهم وقراهم.
المدعو “أشرف الجعبري” بطل ورشة المنامة، الذي تم اتهامه بكل ما يمكن إدراجه لصفات العمالة، والتي لم ينكرها بتكراره للتأكيد انه رجل أعمال مصر على تحسين ظروف مجتمعه اقتصاديا. يشاع أن هذا الإنسان يعيش في مستعمرة كريات أربع وأنه يتباهى بعمالته وعلاقته مع مسئولي الجيش الإسرائيلي المحتل في منطقته، وشاهدناه على وليمة إفطار مع مستعمرين بلباس مدني وعسكري. وفي حواره مع عرابي المنامة أكد مرارا وتكرارا، أنه جاء بدعوة شخصية كرجل أعمال من قبل جاريد كوشنير من أجل نقاش اقتصادي، ولا تعنيه السياسة لأنه ليس سياسيا. وفي سياق أخذ رأيه عما إذا أخطأت السلطة في عدم مشاركتها أكد مرارا كذلك، ان السلطة لم تكن مدعوة أصلا لهذه الورشة الاقتصادية، وأن الدعوات كانت شخصية بأسماء رجال أعمال محددين.
هناك شرك وقع فيه “رجل الأعمال” الفلسطيني ورفاقه من “رجال الأعمال”، الذي حوله الإعلام الراعي للورشة ل“شيخ”. في إشارة واضحة لعرابي هذه الصفقات، تذكرني للورنس العرب واتفاقاته مع “شيوخ” العرب في مطلع القرن العشرين، لنشهد ما نعيشه اليوم من “عالم عربي” قيل لنا أنه جاء من خلال “الثورة العربية الكبرى” لنعرف مرة أخرى ونتأكد، أن ما كان ثورة عربية كبرى لم يكن إلا نتيجة طبيعية ضمن خطة سايكس بيكو التي تلت وعد بلفور.
ما نعيشه اليوم مطابق لما جرى قبل مئة عام. ترك النخبة التي أنتجها الأتراك في حينها بعد أن اهترأت من الفساد، وتوجه “الحكام الجدد”ـ ممن انتصروا على الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ـ إلى “شيوخ” و”أمراء” تم اختراعهم وتشكيل ألقابهم في تلك اللحظات ليسودوا ويحكموا فيما بعد.
اليوم وبعد مئة عام من سايكس بيكو، وبعد ثلاثة عقود من أوسلو التي أنتجت نخبا سياسية بمقاسات صممتها إسرائيل ونفذتها دول الغرب مجتمعة، انتهت صلاحيتهم واهترؤوا من الفساد، وها هم ينتجون نخبا جديدة من “الشيوخ” المركبة على حسب مقاسات تطلبها مئة عام جديدة.
أعترف أنني “تعاطفت” مع المدعو اشرف الجعبري، الذي من المرجح أنه لا يرى نفسه أكثر من تاجر تحول إلى رجل أعمال، وهو يجلس أمام المتحدث الغربي الأشقر، وهو يقحمه في حوار سياسي لم يأت من أجله. أصرّ الرجل مرارا وتكرار أنه لا يتكلم بالسياسة وأن للسياسة أربابها.
لم أستطع إلاّ أن أسأل نفسي بينما كنت أستمع إلى الحديث المتلفز، من منا لم يطبع مثله ؟ من منا ليس مثله؟ كم من عائلة فلسطينية قررت طوعا السكن في المستعمرات؟ في القدس، في أبي غنيم، في الناصرة، في المثلث وفي الخليل وفي بئر السبع؟ أستطيع ان أجزم بأن من سكن من سكان القدس في المستعمرات فكروا مثله تماما، والكثيرين فكروا ـربماـ من منطلق وطني!! بالنسبة لهم، كما فكر الكثيرين من منطلق تسيير وتسهيل وتجميل الحياة والخدمات ـ مثله.
هل هناك تاجر في كل فلسطين لا يتعامل مع تاجر إسرائيلي؟ هل هناك تاجر أو صاحب عمل يتعامل مع التاجر أو صاحب العمل الإسرائيلي بلا علاقة تودد تنتج ؟ كمدمن رجل أعمال مثل الحعبري، يمثل بكل أحواله الطبقة المتوسطة من نخب الأعمال، إلى صاحب محل تجاري عادي. هل هناك من لا يتعامل “بود” قد تصل إلى تبادل الدعوات؟
بينما تحاول السلطة الفلسطينية بكل قوتها حشد المجتمع الفلسطيني بكافة فئاته ضد ورشة المنامة، كان وزير المالية الفلسطيني ـ بشارةـ ووزير التنسيق ـ حسين الشيخ ـ باجتماع مع وزير المالية الإسرائيلي ـ كحلون ـ في القدس. فما الذي يتوقعه أرباب السلطة من المواطنين؟
عندما تقوم السلطة بالخفاء ـ عن الشعب-(بمبدأ التغييب والتهميش التوعوي) بحضور اجتماع مع الاحتلال ـ في نفس السياق ـ في وقت تحشد ضد هذا الاحتلال وضد أي صفقة اقتصادية ممكنة؟
هل لنا ان نفهم ان “هيجان” السلطة ضد مؤتمر المنامة كان سببها عدم إشراكها به؟
كيف كنا سننظر إلى هذه الورشة لو افتتحها وزير مالية السلطة؟
يريدون منا ان نخضع تماما للواقع الجديد المفروض علينا، بحل تكون فلسطين به ما نعيش عليه الآن، مع بعض التسهيلات لتصبح الحياة ممكنة في بعض الأماكن ـ كما في غزة ـ وأكثر رفاهية واستهلاكية في الضفة. هل هذا الذي يريدونه يختلف عما أوصلونا إليه اليوم؟.
ما يجري أكبر من ورشة اقتصادية، يتم تسليط الضوء على بعض “الشيوخ” الذين من الممكن تقديمهم لمرحلة قادمة. ما يجري بالتحديد في هذه الورشة هو فتح باب التطبيع العلني مع إسرائيل. وكما الساذج الطامع بتسهيلات من الفلسطينيين، لا يختلف الخليجي والعربي، الذي ينتظر اخذ سيلفي من تل أبيب. ولكن شتان بين السلفي الذي أخذه الإسرائيلي من البحرين، وذلك الذي سيأخذه العربي من تل أبيب من حيث التبعات. فإسرائيل حلم وجودها مطبوع على اصغر عملاتها ـ كيان يمتد إلى النيل والفرات ـ وتابعيات هكذا تطبيع نشاهده بصمت مكبوت أو خانع في العراق، بينما يتوافد الاسرائيليين من اجل تحديد ممتلكاتهم قبل احتلالهم لفلسطين، وما نراه يجري في تونس والمغرب ومصر تباعا. نراه بينما يتم التحضير له باليمن، ولقد تمت المساومة عليه في سورية ب”إهداء الجولان”. سنشهد حروبا تعلن إسرائيل فيها انتصاراتها بينما تطالب دول العربان المختلفة بأملاك فائتة، يسترجعونها ضمن محاور السلام التي ستتيح لهم بالمطالبة والتعويض. سنشهد كيف تسحب إسرائيل المليارات من الجيوب العربية، والعربي لا يزال ينتشي سلفي على شاطئ بتل أبيب وهو يضخ الأموال في الجيوب الإسرائيلية. سنشهد كيف ستغرق البضائع الإسرائيلية الأسواق العربية وتجفف الناتج القومي لتلك البلاد، ويستمر العربي بالانتشاء بمشروب “غير كحولي” من الخمور التي ستصنع خصيصا لهم من عنب المستعمرات المقامة على الأراضي المسروقة للفلسطينيين.
سنشاهد مباشرة بلا حاجة لتسريبات ولا كواليس.



ساحة النقاش