ترامب يجنّب المنطقة حربًا مدمّرة
-“رأي اليوم”- فوزي بن يونس بن حديد* كاتب تونسي
كلاهما يقول لا نريد حربا، هما الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فبعد إسقاط طائرة التجسّس الأمريكية في المياه الإقليمية الإيرانية تبين أن أمريكا كانت مخطئة في إرسال هذه الطائرة إلى النقطة الساخنة حيث لا مجال أمام إيران إلا إسقاطها لبيان قوّتها وفرض هيمنتها في أماكن تواجدها ولا تسمح بأي اختراق أمريكي مهما كان، فهل كانت الطائرة التجسّسية اختبارا أمريكيا حقيقيا لإيران لبيان مدى قدرتها على المواجهة واستعدادها لفرض وجودها، وهل كان الرد الإيراني كافيا وشافيا يجعل أمريكا تفكّر ألف مرة قبل أي محاولة لقصف منشآت إيرانية.
نحن أمام مشهد دراماتيكي إن صح التعبير، حيث أرسلت أمريكا كما يبدو طائرتين إلى المنطقة حسب الرواية الإيرانية، واحدة للتجسس وهذه تم إسقاطها، وأخرى كانت تحمل 35 جنديا أمريكيا وهذه لم يتم إسقاطها، فأمريكا أخطأت عندما حاولت انتهاك المجال الجوي الإيراني والتجسس على دولة لها سيادتها وجازفت بجنودها نحو حرب لا يعلم مداها ولا نتائجها، وإيران تكون مخطئة إذا أسقطت الطائرة التي تقل الجنود الأمريكيين لأن ذلك سيكون مبررا كافيا أمام المجتمع الدولي لإدانتها وضربها، فكل منهما كان يعرف خطورة ما يجري في المنطقة ومن هنا نفهم معنى تصريح كل منهما “لا نريد حربا مع الطرف الآخر”.
في هذا الوقت وبعد إسقاط الطائرة الأمريكية التجسسية، وبينما أعطى ترامب الأوامر لقصف إيران، تراجع عن قراره قبل 10 دقائق من التنفيذ بعد أن رأى خطورة ما يجري ما بعد القصف، لقد جاء رد الفعل الأمريكي عنيفا على المستوى القولي لكنه كان هادئا جدا على المستوى الفعلي، حيث اهتدى ترامب في اللحظات الأخيرة إلى التريث وعدم المجازفة للدخول في حرب قد تدمر المنطقة برمتها وتقضي على المصالح الأمريكية إلى النهاية، في حين أعلنت إيران أن هناك طائرة أخرى تنقل 35 جنديا أمريكيا في المنطقة نفسها ولكنها لم تستهدفها حماية لها من أي تصعيد قد يحدث فيما لو استهدفت الطائرة مباشرة.
وهذا يفسر مدى احتياط كل منهما من الوقوع في خطأ جسيم، قد يكون لو حدث هو المبادر إلى الدخول في حرب كبيرة، وأعتقد أن هناك مجالا يمكن أن تعمل فيه كل من أمريكا وإيران لتهدئة الأوضاع في المنطقة وعدم زجها إلى أسوأ الاحتمالات أن كل أجنحة ترامب من بومبيو إلى وزير الدفاع الأمريكي، إلى جون بولتون إلى إسرائيل والسعودية يدفعون البيت الأبيض إلى خوض حرب مع إيران وإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة غير أن ترامب نفسه بدا لي حكيما هذه المرة لأنه استمع لصوت العقل والمنطق، وآثر التريث على العجلة في القرار وتطبيقه، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
وأعتقد أيضا أن أكبر خطأ وقع فيه ترامب قبل ذلك وهو الذي أوقعه في هذه الورطة أو المشكلة هو انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، فقد أحس بذنبه اليوم حيث بقي مترددا في المواجهة لعلمه أن إيران ليست لقمة سائغة قد ترضخ للتهديدات والعقوبات بسرعة كما كان يظن، وأنها لن تستطيع ان تصمد، ولمّا ظهر له الواقع خلاف ذلك بدا مرنا في قراراته وأكثر هدوءً حتى قال لست متسرّعا في التعامل مع إيران رغم أن جيشنا مستعدّ ومتأهّب، بل إنه عرض عليها الحوار من غير شروط مسبقة، وفي الوقت نفسه تعمل أطراف عدة في العالم على تهدئة الأوضاع ومحاولة إيجاد طريقة للتفاهم بين الطرفين وتجنيب المنطقة حربا ضروسا قد تأكل الأخضر واليابس، تمثل هذه الأطراف صوت العقل في وقت لا تدرك فيه أطراف المواجهة خطر ما يحدث فعلا على كل المستويات، وقد تبنى هذه الفكرة بعض دول الاتحاد الأوروبي وبعض دول المنطقة، إلى جانب أصوات عدة من داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
ولا يمكن أن نتصور حجم الدمار الهائل الذي يمكن أن تحدثه أي حرب، لأنها ستكون حامية وساخنة على جميع الجبهات، وقد تؤدي إلى حرب عالمية تجرّ أطرافا أخرى في المعركة التي يمكن تجنبها بصوت العقل والحكمة والنظر في الموضوع بروية كاملة.



ساحة النقاش