قاتلت في اليمن.. وحاربت في الجزائر.. وتزوجت في بيروت.. لكن تظل للقدس وكعكتها نكهة خاصة.. وسامحوني
<!--<!--
- “رأي اليوم”- بسام أبو شريف* كاتب وسياسي فلسطيني
عشقت القدس …منذ القدم
عشقت القدس داخل أسوارها
وخارج الأسوار
عشقتها محاطة بتلال …
هي الأخرى كانت تعشقها
ولدت فيها و …. ما ولدت
فلم تكن هنالك حدود للقدس
يوم ولدت .
ولم تكن هنالك بلدان أو ممالك أو دول
كان كل شيء يسير … من باب ” المؤقت “
فولدت تحت باب : المؤقت .
كان والدي يعمل بتأسيس البنك العربي في الأردن منذ 1943، وعليه فقد ولدت نظريا في اربد شمال الأردن، حيث يعمل والدي في العام 1946 – قبل قيام إسرائيل … وقبل قيام المملكة الأردنية الهاشمية ، كانت إمارة الأردن، وكان الانجليز يهيئون لما بعد خروجهم حسب قرارات ما بعد الحرب العالمية الثانية .
استقلال الدول … رحيل الاستعمار … قيام الدول
كانت بريطانيا منهمكة لرسم أي دول، ومن يحكم ومن يرتبط بها بعد خروج قواتها، والأهم كانت تحضر لقيام دولة الصهاينة على أرض فلسطين، وفي العام 1947 أجبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تأخذ قرار التقسيم ( دولتان على أرض فلسطين ).
فأنا عربي ولدت في الأردن وترعرعت فيها ودرست وتخرجت فيها لكنني ككل أبناء العشائر لم يكن لدي حدود ، فالأردن بضفتيه هو نهر العرب.
لم أفرق يوما بين أردن وفلسطين، تماما كما لم أشعر في أي بلد عربي أنني لا أنتمي إليه فأنا عربي وهذه بلاد العرب.
أقول هذا من شعور أصيل نبع من تعامل واتصال بأبناء أمتنا، قاتلت في اليمن وإذا أنا يمني … قاتلت في الجزائر وكم أحببت كوني جزائريا وفي سوريا كنت أحس ومازلت أنها بلدي، والعراق وشعبه العظيم الذي لا يعترف باللون الرمادي: إما أسود أو أبيض.
وأستطيع أن أسمي كل البلدان العربية، وأصف شعوري بأنني ابن البلد، لم أتحدث عن لبنان لأنني قضيت عشرين عاما من عمري بلبنان الذي أعرفه شبرا شبرا، وأعرف أبناء الجنوب والشمال وأعرف أبناء البقاع وبعلبك والهرمل وأعرفه كله، لكن للقدس مذاق خاص لأروقتها موقع خاص لدرجها المتعرج الملاصق للأسوار صوت خاص.
”كعك وبيض”، ”كعك وبيض”، راح بائع الكعك القدسي يصرخ بأعلى صوته وهو يقف مع بسطته على مدخل باب العامود…الكعك القدسي يتميز عن أي كعك بسمسم آخر له طعم خاص وله رائحة خاصة وله مكانة خاصة، رائحة صنعتها أفراح مدينة لم تنحن رغم المحن عبر التاريخ .
ربما حنطتها … فأرض فلسطين مباركة وهكذا قمحها، ويتراكض الأولاد وكنت واحدا منهم لنشتري كعكة وزعترا مالحا وبيضة مشوية، وعلى بعد أمتار فستق سخن … فستق.
ويصرخ البائع، وهو أسمر اللون طويل القامة يقف أمام إناء مليء بالفستق ويعلو موقدا فيها بعض”الرحى”أحمر اللون ويرتفع من الإناء أنبوب يرتفع إلى أعلى يخرج منه دخان النار الهادئة المتقدة تحت إناء الفستق.
كم هي زكية رائحة الفستق الذي يتقلب على جمر باب العامود،ونركض نحوه و”نناوله تعريفة ” فيملآ لنا قرطاسا من ورق يلفه بيده أمامنا…فستقا ساخنا مملحا شهيا، ونركض عبر البوابة الحديدية الكبيرة نحو شوارع القدس العتيقة…المزروعة حجارة حكها التاريخ حتى أصبحت ملساء ومسطحة ومتراصة.
مع كل خطوة للأمام روائح الدكاكين الصغيرة المنتشرة على يسار ويمين الزقاق، وترتفع فوق ”الحواصل” أي الدكانة مبنى خاص من حجر قده التاريخ من ما دمره الغزاة ورحلوا بعد أن دمرهم شعب فلسطين.
غرف متداخلة بغرف ويصل بين الغرفة والأخرى صعودا غرفة حمام بين الغرفتين، ويرتفع البناء غرفتين…غرفتين حتى تصل إلى سور المدينة ومواقع الدفاع عنها.
لم يكن الدرج يتعبنا، كنا نصعده ونهبط ونلعب ونضحك تحيط بنا روائح البخور وكبش القرنفل والهال ورائحة زيت السيرج، ويقترح أحدنا…تعالوا…نروح عند خالي”رحمه الله”من بيت جدي كنا نهبط الدرج سريعا ثم نزلف نحو بوابة باب العامود ونصعد إلى الشارع العام ونركض نحو سوق الخضار (مكان البريد الحالي)، كان خالي يوسف مديرا”للحسبة”والحسبة هي سوق الخضار يجلبون المحاصيل إليها ويأتي المشترون ليأخذوها من ذلك المكان.
دقائق … ثم نمل ونركض نحو”الاميرلين”وكان مقهى ومطعم ساندويتش في شارع صلاح الدين يملكه خالي إسماعيل”رحمه الله”أبو منذر وهناك كنا نتناول”البوظة العربية”ونتوجه إلى وادي الجوز حيث كان المنزل.
هذا ما كان عندما كان لي من العمر خمس سنوات، وعندما عدت للقدس وزرتها توجهت إلى باب العامود … وفيما أنا أسير برفقة إخوة لي أوقفتني امرأة قائلة يا أخي …. يا أخي توقفت وقلت لها: نعم يا أختي…قالت: ألست ابن فاطمة؟، قلت: بلى أنا ابن فاطمة ومن تكونين أنت؟، قالت: أنا ابنة خالة أمك وأعيش في نفس”الحوش”القديم، أتريدني أن أساعدك لتتعرف على العائلة، شكرتها موافقا.
وقضيت اليوم أتعرف على الأقارب من مختلف الأجيال.
يظن المستوطنون أن تجمعهم في يوم احتلال القدس وضمها لتصبح القدس موحدة، أي في يوم مسيرة الأعلام كما يسمونها … سوف تجعل القدس مدينة يهودية، وهم في هذا خاسرون فهذه المدينة حجارتها تنطق بالعربية ونقوشها عربية، وأربعة عقود من التفتيت والحفريات لم تعطهم حجرا واحدا لا ينطق بالعربية.
كنعان … كان
وعندما جاء موعد الصلاة سيدنا أبى عمر أن يصلي في كنيسة القيامة، فعاتب المطران عمر وقال:أليست طاهرة بما يكفي فهذه أرض مقدسة أجاب عمر:بلى إنها مقدسة لكنني لو صليت هنا لطالب الذين من بعدي بأن تصبح جامعا لأنني صليت على أرضها.
ان مسجدنا في الطرف الأقصى…وصلى خارج الكنيسة حيث الآن جامع عمر الشاهد على ذلك، والفلسطينيون يصلون في الحرم ”الأقصى” وتحت قبة الصخرة التي باركها الرسول عند صعوده…إنها القدس تعني أكثر مما تعنيه أي مدينة في العالم…إنها فلسطين…إنها الأمة.



ساحة النقاش