محمد النوباني: الغارة على مصياف تواطؤ روسي وموقف سوري يصعب الدفاع عنه
April 13, 2019
<!--<!--
“رأي اليوم” محمد النوباني* كاتب فلسطيني
الغارة التي شنها الطيران الحربي الإسرائيلي فجر اليوم على موقع عسكري سوري في بلدة مصياف بمحافظة حماة وأسفرت حسب وكالة سانا الرسمية عن تدمير عدة مباني وإصابة ثلاثة جنود بجراح جاءت بعد ثمانية أيام من زيارة رئيس وزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة لموسكو وبعد أربعة أيام فقط من انتخابات الكنيست الإسرائيلي التي فاز بها الليكود ب ٣٦ مقعدا مما يعطيه فرصة أفضل لرئاسة الحكومة الإسرائيلية القادمة وإذا كانت هذه الغارة و هي الخامسة منذ قيام الروس بتزويد سوريا بمنظومة صواريخ ال إس ٣٠٠ وما قيل عن تفعيلها مطلع آذار مارس الماضي قد تمت بدون ان تنطلق تلك الصواريخ تجاه الطائرات الإسرائيلية فان هنالك أربعة احتمالات لذلك :
الأول :-ان يكون قرار استخدام صواريخ تلك المنظومة بيد الروس، وهذه مصيبة.
الثاني:- ان يكون قرار استخدامها بيد الجيش العربي السوري ولكن لا يوجد بعد قرار سياسي باستخدامها( مراعاة للحليف الروسي) فعندها ستكون المصيبة أعظم.
الثالث:-ان تكون هنالك خشية من تدمير تلك المنظومة في حال تشغيلها بواسطة الطائرات الإسرائيلية من طراز إف-٣٥ التي لا يرصدها الرادار الأمر الذي يتطلب تزويد الجيش السوري بمنظومات إس-٤٠٠ التي بمقدورها إسقاط هذا النوع من الطائرات.
الرابع: ان لا تكون روسيا قد زودت سوريا بمنظومات الإس-٣٠٠ مطلقا كما يقول الصحافي الفلسطيني البارز حسين السويطي..
وإذا كان الاحتمال الأول هو الصحيح فأنني أقولها صراحة بأن هذا الموقف يؤكد بان تزويد سوريا بمنظومات ال إس-٣٠٠كان لذر الرماد في العيون وبان العلاقات الإسرائيلية -الروسية قد تجاوزت مرحلة التنسيق لمنع التصادم الجوي كما كان يقال سابقا إلى مرحلة التحالف والشراكة الإستراتيجية الأمر الذي يؤكد بان كل ما قاله نتنياهو عن توصله إلى اتفاقات مع بوتين تتيح لإسرائيل حرية العمل في سوريا وعن وجود تنسيق مشترك بين الطرفين لضرب (التموضع الإيراني)ومؤخرا ما قالته مصادر روسية عن انه سيكون لإسرائيل دور في التسوية السياسية للازمة السورية كان صحيحا.
وفي هذا الإطار يمكن القول بأن الهدية الانتخابية التي قدمها بوتين لنتنياهو قبل أربعة أيام من الانتخابات الأخيرة والتي تمثلت بتسليم رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا بلوم الذي قتل في معركة السلطان يعقوب عام ١٩٨٢ من القرن الماضي كان لها اكبر الأثر بنجاحه في تلك الانتخابات لأنها أظهرته أمام الإسرائيليين بمظهر القائد الذي لا ينسى جنوده.
أما إذا كان الاحتمال الثاني، هو الصحيح، بمعنى انه لا يوجد قرار سياسي سوري باستخدام تلك المنظومة لإسقاط الطائرات الإسرائيلية المغيرة، وان تعذر ذلك فالرد على تلك الاعتداءات باستخدام صواريخ ارض -ارض لقصف أهداف إسرائيلية كما هددت سوريا سابقا على قاعدة الرد بالمثل مطار بمطار وموقع بموقع وهكذا دواليك
أما إذا كان الاحتمال الثالث هو الصحيح أي ان التصدي للغارات الإسرائيلية بحاجة إلى تزويد سوريا بمنظومات دفاع جوي من طراز إس-٤٠٠ الأكثر تطورا فان السؤال الذي يطرح نفسه لماذا يتم تزويد دولة مثل الهند بهذه المنظومات وقريبا تركيا ويتم حجب هذه المنظومة عن دولة حليفة وعلى تماس مباشر بالأمن القومي الروسي مثل سوريا؟!
ولكي أضع النقاط على الحروف أكثر فانه لا بد لأي محلل سياسي موضوعي ساع لفهم حيثيات ما يجري ان يرى الاعتبارات الهامة التالية:-
أولا:ان روسيا تسعى لإنهاء الانفراد والتفرد الأمريكي بقيادة العالم من خلال صيغة عالم القطب الواحد وبناء عالم متعدد الأقطاب على أنقاضه ولذلك فقد تدخلت عسكريا في سوريا وأرسلت الإس-٣٠٠ إلى فنزويلا مع خبراء لتشغيلها وأحبطت مع الصين تقريبا مؤامرات واشنطن لإسقاط الثورة البوليفارية، وبالتالي فان مغازلة بوتين لنتنياهو يتنافى مع المصالح القومية الروسية ولا يمكن فهمه إلا في إطار وجود لوبي صهيوني قوي في روسيا من ناحية وفي إطار مسعى روسي لاستخدام نتنياهو بوابة عبور لتخفيف الحصار والضغوط الأمريكية على روسيا وتحديدا بسبب قضيتي القرم واكرانيا.
ثانيا: ان إسرائيل ورغم تراجع دورها الوظيفي في المنطقة بسبب تآكل قوة الردع التي كانت تتمتع بها وتراجع مقدرتها على شن الحروب الخاطفة بسبب تنامي قوة محور المقاومة إلا ان هيمنة الرأسمال الصهيوني في العالم على اقتصادات الدول الكبرى وتحديدا في أمريكا والغرب ما زال يجعلها محمية بإرادة وقوة قوى الاستكبار.
ثالثا؛ ان تكون سوريا ومعها محور المقاومة لديهم قراءة سياسية وعسكرية وربما معلومات من الروس بان أي رد عسكري على إسرائيل من قبل المحور ومها كان محدودا في الزمان والمكان يمكن ان يتدحرج إلى حرب شاملة لا ينبغي خوضها قبل القضاء على ما تبقى من مجموعات إرهابية في إدلب وريف حماة وهزيمة المشروع الانفصالي الكردي وجلاء القوات الأمريكية من شرق الفرات وقاعدة التنف
رابعا: ان تكون تعقيدات الوضع في سوريا وصعوبة التحرك الروسي لتطبيع الوضع فيها بسبب تداخل مصالح مجموعة كبيرة من الأطراف في الأزمة السورية ومن ضمنها إضافة لسوريا إيران وبقية إطراف محور المقاومة وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وأطرافا إقليمية أخرى هي التي دفعت الروس لانتهاج سياسات واتخاذ مواقف مهادنة لنتنياهو هي بالنسبة لنا مرفوضة وفيها إهانة لمشاعرنا القومية وغير مقبولة من حليف.
خامسا: عدم استيعاب بعض العرب لعدة مسائل تتعلق بروسيا وهي ان روسيا ليست الاتحاد السوفياتي السابق وبالتالي فان سياستها الخارجية لم تعد تنظمها اعتبارات مبدئية وإنما اعتبارات المصالح الخاضعة لرؤية يتعدى نطاقها الشرق الأوسط إلى العالم اجمع.
سادسا: ان التحالف بين دولتين أو مجموعة من الدول ليس بالضرورة ان يعني تطابقا كاملا وتماثلا في السياسات والتكتيكات النهائية، وهذا ينطبق على التحالف بين سوريا وروسيا
سابعا: ورغم كل ما تقدم فان لا شيء في اعتقادي يبرر تهافت بوتين على إرضاء واسترضاء نتنياهو إلى حد تحويل مهمة الجيش الروسي لنبش القبور بحثا عن أشلاء جنود إسرائيليين قتلوا وهم يعتدون على الفلسطينيين والعرب من اجل تحقيق أهداف المشروع الصهيوني الاستيطاني الكولنيالي الاحتلالي .
فمهنة حفار قبور عند نتنياهو لا تليق بزعيم دولة عظمى ولها تاريخ حافل مثل روسيا.
وفي الختام فانه ورغم ميوعة الموقف الروسي إزاء إسرائيل وما تقوم به في سوريا فان ما يجب ان ندركه نحن العرب بان أي حليف لا يمكن ان يحارب معاركنا نيابة عنا، فإذا لم نحارب نحن ونعتمد على قوتنا في الأساس فإننا لن ننتصر على عدونا. العامل الذاتي أولا.



ساحة النقاش