WWW.LAHZETNOUR.COM

من قتل سماحة الإسلام ؟

* المسلمون يرون في مشايخهم صورة من الرسول الكريم وصدمتهم تكون كبيرة عندما يكتشفون أن ذلك سراب .

* التسامح من صفات النبي .. فمن تأسى به وعفا وأصلح فأجره على الله .. وأكثر الناس تأسياً به هم الأنبياء .. والمرسلون .. والأولياء .. والعلماء .. وورثتهم .

* من حق الناس على علمائهم الرحمة والنصيحة والفتوى والسماحة والعفو عند المقدرة حتى لا يظن المسلمون أن الإسلام مات بموت رسول الله ..

لا يحتاج " رمضان " لطلقات الحبر التي نكتبها .. وإنما للحظات النور التي نتلقفها .. ونتنفسها .. ونتغذى عليها .. فأول " رمضان " رحمة .. ووسطه مغفرة .. وآخره عتقٌ من النار .. آخره مكافأة .. النجاة من جهنم .

ولو كان " رمضان " جوعاً وعطشاً لكنا مثل الذي أفلت رجليه من حافة مرتفعة دون أن يجد شُرفة بديلة يتعلق بها .. فيبقى قائماً بين السماء والأرض .. ينتظر من يرفعه .. ويمسك بيده .. وينقذه .. ولا يسقطه .. أو يُلقى به .. فتنكسر رقبته .. وينتهي أمره .

ولن ينقذنا من زلة القدم .. أو زلة القلب .. أو زلة اللسان .. سوى النبي صلى الله عليه وسلم .. فهو المرشد .. والدليل .. والمعلم .. والإمام .. والشفيع .. والبوصلة .. وخارطة الطريق .. وبوليصة التأمين .

يقول سبحانه وتعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) " سورة الإسراء .. هذا كلام الله الذي يضع شروطاً على من يريد أن يكون النبي أسوةً حسنةًً له .. فالبوابة ليست مفتوحة على مصراعيها لكل من هب ودب .. أن " يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ " .. و "  ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " .

و " يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ " ..معناها يبتغى مرضات الله فى الدنيا والآخرة .. المشي على الصراط المستقيم .. أما ذكر الله .. فيجب أن يكون كثيراً .. كي نمشي في طريق النبي .. فمن يكتفي بذكر الله " قليلاً " .. في المناسبات .. والأزمات .. فهو منافق .. فقد قال الله عن المنافقين : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) " سورة النساء .

ولو كان ذكر الله قليلاً يضعنا في خانة النفاق فإن نسيان ذكره تماماً يهددنا بالخروج من الإيمان .. الإيمان الذي يتوقف درجته على مدى تأسينا بالنبي .. والتشبه به .. وبأخلاقه .. ومنها التسامح .

على قدر ما رُزق العبد من تسامح تكون درجة تأسيه بالنبي .. فلو قل التسامح عنده قل تأسيه بالنبي .. ولو زاد تسامحه زاد تأسيه بالنبي .

في بداية الدعوة لم يتوان أهل مكة في إيذاء النبي .. ومقاطعته .. وحصاره .. ومطاردته .. والتضييق عليه .. وتعذيب أتباعه الذين هاجروا مرتين وخرج النبي منها ليلاً وقلبه يتألم وهو يقول : " الله يعلم أنك أحب بقاع ألأرض إلى قلبي .. ولولا أن أهلك أخرجوني منها ما خرجت " .

فلما مكنه الله من رءوس أعدائه الكفار عندما عاد إلى مكة فاتحاً وقوياً ومنتصراً ومسيطراً وأصبح أهلها الذين يستحقون ما هو أكثر من الهلاك بسبب ما فعلوا في قبضته فسألهم : " ما تظنون أنى فاعلٌ بكم " .. قالوا : " خيراً .. أخٌ كريم وابن أخٍ كريم " فلم يُخيِّب رجاءهم .. ولو يُضيِّع آمالهم .. ولم يخذلهم رغم أنهم كفار .. فقال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " .. هل هناك دليل على التسامح أكبر من ذلك ؟ .

وعندما أُستشهد سيدنا حمزة بن عبد المطلب وتوعد الرسول بقتل عشرة رجال أمامه فور أن علم بالتنكيل بجثته حيث بقرت هند بنت عُتبة زوج أبى سُفيان وأم معاوية بطنه وأخذت قطعة من كبده ولاكتها بفمها .. لكن .. عندما جاءته مسلمة أفسح لها صدره وقلبه وعفا عنها .. إنها أخلاق النبي .. رسول الله .

لقد توعد بقتل عشرة فقال سبحانه وتعالى له : " وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ .... ( 126 ) " سورة النحل .. فقال النبي : " إذاً فواحد " .. فقال سبحانه وتعالى : " وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) " سورة النحل .. عندها قال النبي : " أصبر .. وأحتسب الحمزة عند الله " .. نوع من السماح والعفو عند المقدرة .

ولم يتعامل أهل الطائف مع النبي بأفضل مما تعامل أهل مكة .. فقد سلطوا عليه صبيانهم حتى أن ملك الجبال جاء إليه قائلاً : " يا رسول الله لو أمرتني أن أُطبق عليهم الأخشبين لفعلت " .. فقال النبي : " اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون عسى أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله " .

قال ذلك في الوقت الذي كانت تنزف فيه قدماه دماً من شدة الإيذاء بالحجارة .. وقد آوى إلى حديقة دون أن يجد من يعطيه شربة ماء ولا كلمة طيبة إلا غلاماً كان مسيحياً تعرف عليه وسقاه وقدم إليه فاكهة وسمعه يناجى ربه قائلاً : " اللهم إني إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس إلى من تَكِلُني إلى بعيدٍ يتجهمن أم إلى عدوٍ ملكته أمري إن لم يكن بك غضبٌ علىَّ فلا أبالى ولكن عافيتك هي أوسعُ لي " .

إن التسامح من صفات النبي .. فمن تأسى به وعفا وأصلح فأجره على الله .. وأكثر الناس تأسياً به هم الأنبياء .. والمرسلون .. والأولياء .. والعلماء .. وورثتهم .. ولا نظن أن عالماً منهم لا يعلم بما ذكرناه .. ولا يحفظه .. ولا يردده .. لكن .. لا نظن أيضاً أن مهمة العالم مجرد الكلام وهو يخطب في الناس بحماس .. ويطلب منهم ما لا ينفذه .. " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) " سورة الصف .

والمعروف أن المسلمين يرون في مشايخهم صورة ولو بسيطة من رسول الله فتكون صدمتهم كبيرة عندما يكتشفون أن ذلك سراب .. ووهم .. ومجرد خُطب محفوظة مسبقاً .

لقد دخل رجل مسجد رسول الله ولم يكن مخموراً ولم يكن مجنوناً ومشى إلى القبلة ووقف قبالتها وراح يتبول فيها بينما الرسول يعطى درساً لصحابته .. فلما همَّ الصحابة من مكانهم ليؤذوا الرجل استوقفهم الرسول قائلاً برحمته وسماحته : " لا تقطعوا عليه بولته فتؤذوه " .. وعندما انتهى الرجل قال الرسول : " أريقوا عليه دلواً من الماء " .. ثم وضع يده الشريفة على كتف الرجل بحنان العالم على الجاهل وقال له : " يا هذا إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول أو القذر وإنما هي لذكر الله وقراءة القرآن  " .. فنظر إليه الرجل متعجباً .. متسائلاً ولو بينه وبين نفسه : " هل هناك مخلوق على وجه الأرض يتحمل لهذه الدرجة وأصحابه حوله قادرون على الفتك به وهو ليس على دينهم ويقوم بالنصح بكل هذا الصبر ؟ " .

بعد ثوان من الصمت المتأمل قال الرجل : " يا محمد علمت أنك بالمؤمنين رءوف رحيم فقلت هذا منطقي فلما علمت أنك رحمة للعالمين استغربت ذلك فأردت أن أتيقن من حقيقة هذا القول وأنا واحد من العالمين آذيتك في مشاعرك وفى بيت الله الذي تحترمه وتقدره وأنا على غير الدين فما هذه الرحمة .. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله " .

إن النبي هو إمام المسلمين الأكبر بقرار من الله سبحانه وتعالى تقبل أن يكشف رجل كافر عورته ويبول في مسجده وفى حضرته وفى وجود صحابته فلا يقطع عليه ما يفعل حتى لا يؤذيه .. ثم يناقشه بالحسنى .. ويسامحه فيما فعل .. فتكون النتيجة دخوله الإسلام .

ولعلنا لو ننسى أن خالد بن الوليد  حارب النبي طويلاً .. بل .. كان السبب في هزيمة المسلمين يوم أُحد .. ماذا حدث عندما أقبل على النبي ؟ .. عهد إليه بقيادة جيوش المسلمين .. فانتصر لهم .. لولا تسامح النبي معه لخسرته الأمة فارساً في الفتوحات الإسلامية .. لخسرت الأمة سيف الله المسلول .

بل إن معظم الصحابة الذين بُشروا بالجنة آذوا النبي قبل إسلامهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب .. لكن .. النبي عفا وأصلح وكان أجره على الله .. وهو ما حدث مع أهل مكة بعد عودته إليها .. عندما قالوا له : " أخٌ كريم وابن أخٍ كريم " اعتبر ذلك نوعاً من الاعتذار ولو لم يكن الاعتذار صريحاً واضحاً .. فلم يتردد في أن يقول لهم : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " .. عفا الله عما سلف .. كأن لم يكن .

هل يتأسى العلماء بحضرة النبي ؟ .. هل يجد الناس عندهم المأوى إذا خافوا .. والفتوى إذا فعلوا .. والنصيحة إذا تجاوزوا .. والعفو إذا أخطأوا حتى لا يظن المسلمون أن الإسلام انتهى بوفاة الرسول ؟ .

" وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ .... ( 7 ) " سورة الحجرات .. والمقصود .. إننا نريد أن نشعر بأن رسول الله لا يزال موجوداً بيننا .. واعلموا أن فيكم علماء كباراً يواصلون رسالتي .. يتأسون بي .. ويتصرفون مثلي .. ويحملون خلقي .. وينفذون وصيتي : " الراحمون يرحمهم الله " .. وإلا لا أحد يتحدث منهم في شئون الدين إلا على قدر ما يستطيع أن ينفذ ويشيل .. و " من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه يوم القيامة ولن يلج الجنة  " .

من حق المسلمين جميعاً أن يظنوا في علمائهم خيراًَ وأن ينزلوهم منازلهم وأن يحترموهم احتراماً شديداً .. ومن حق الناس على علمائهم الرحمة والنصيحة والفتوى والسماحة والعفو عند المقدرة حتى لا يظن المسلمون أن الإسلام مات بموت رسول الله ..

ولا حول ولا قوة إلا بالله

                 

 

 

 

  • Currently 120/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
40 تصويتات / 396 مشاهدة
نشرت فى 8 أكتوبر 2008 بواسطة A6algindy

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

39,070