البغضاء
( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر ). .
بفرحة المحب باللقاء وفرحة المحبوب بالعطاء وفرحه المدين بالوفاء التقيت بسماحة الإمام وكان في جمع من الشيوخ الكرام وبعد تبادلنا لتحية الإسلام سألت الإمام أن يفسح لنا من الوقت شيئا فأجاب سماحته قائلاً : هذا هو حق القراء الأعزاء .
قلت : يا مولانا أراني في حيره من أمري وأمر هؤلاء وأشرت إلى بعيد .
قال السيد : من هم هؤلاء ؟
قلت: المتطاولون السفهاء.
قال السيد : الأجدر أن تقول : أولئك .
قلت: لا أعرف الفرق بين أولئك وهؤلاء.
قال السيد : يعذر الجاهل بجهله .
قلت: هل الأصح أن أقول إني من الجاهلين أم من الجهلاء ؟
قال الإمام في الحالتين الجهل هو الوباء.
ثم رفع السيد يديه إلى السماء وقال: اللهم أحفظ بلادنا من الوباء والغلاء والغباء والفتن ما ظهر منها وما بطن, قلنا جميعاً مؤمنين: اللهم آمين.
قال الشيخ: إن المتطاولين كثيرون فأي نوع منهم تقصد ؟ ثم أستطرد يقول: هل تقصد المتطاولين على الأولياء أم على الأنبياء أم على القرآن أم على السنة المطهرة أم على المحترمين الشرفاء ؟
قلت : ألا ترى سماحتكم أن الجميع يلتقون فى صف واحد ؟
قال السيد : أولئك هم السفهاء .
قلت : ولكن لا يشعرون .
قال السيد : إن السفهاء هم الذين لا يحترمون النصوص ولا يقدرونها حق قدرها كما حدث يوم أن أمر الله رسوله أن يولى وجهه شطر المسجد الحرام أخبر أن للسفهاء رد فعل غير حميد فقال : ( سيقول السفهاء ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) .
وعلى هذا المنوال تٌنسج المعاني فكل من يسفه نصاً أو يحقر رأياً لرسول الله أو يعترض عليه أو حتى يستدرك عليه هو من هؤلاء . . أقصد من أولئك السفهاء .
يا بني كلنا نعيش واقعاً واحداً ناشئاً عن ظروف واحده ونعلم جميعاً أن هناك من يسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم من غير المسلمين وإني لأعجب أشد العجب عندما أرى أو أسمع أن رجلاً ما يدعى أنه تابع لرسول من الرسل ثم بعد ذلك نراه يتطاول بالكلمة أو بالصورة على رسول آخر من الرسل هل يظن ذلك السفيه أن هذا التصرف لو عرض على الرسول الذي يؤمن به هل يرضيه ذلك ؟
أعتقد لا لأن الرسل إنا هم أخوه من أمهات شتى كما أخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلّم وعلى ذلك فإني أرى أن من يتجاوز حدود الأدب والاحترام والتوقير والتعظيم في حق أي من الأنبياء والمرسلين – ناهيك عن التطاول – أعتقد أن ذلك الرجل لا دين له وإن أدعى أنه من تابعي أي رسول فهؤلاء اللادينيون الكفرة الفجرة أرى أن كل الأنبياء والمرسلين براء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام ونحن كمسلمين لا يكمل إيماننا إلا إذا آمنا بكل الرسل والكتب وهذا الإيمان هو البرهان على تبعيتنا وإتباعنا لسيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلّم ولا نستطيع أن نكيل بنفس المكيال أوننسج على نفس المنوال لأننا تربينا في المدرسة المحمدية التي علمتنا أن نقول ما نفعل وأن نفعل ما نقول ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ) وعلى ذلك فإن إيماننا بسيدنا رسول الله لا يكون صحيحاً إلا إذا كان مقروناً بالإيمان بكل الأنبياء والرسل وأقل الإيمان هو الاحترام لهم والسلام عليهم عند ذكرهم إرضاء لرسولنا سيدهم أجمعين .
قلت : يا مولانا إن بعض الناس يستغل أدب المسلمين ثم يؤذى مشاعرهم بتطاوله على رمز من رموز الدنيا والآخرة فما العمل ؟
قال السيد : أولاً لا يمكن أن نتطاول على أنبيائهم ورسلهم لأنهم كما قلت لك لا دين لهم وبالتالي فلا نبى لهم ولا رسول يتبعونه فنحن في دين وهم خارج الدين فإما أن يدخلوا ديناً ونلتقي أو أن نخرج نحن من الدين فلا هذا ولا ذاك يفيد وإذا وصفناهم بالسفهاء كما وصفهم الله تعالى فهل نكون مثلهم ؟ طبعاً لا . وفى المقابل هل نسكت على ذلك ؟ طبعاً لا إذن فما العمل ؟
أقول قول الله تعالى ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنه لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) .
بمعنى نتخلق بأخلاق صحابة رسول الله الذين سمعوا في زمنه صلى الله عليه وسلّم أكثر من ذلك ولا أريد أن أعيده أو أذكره فهو معروف فما زادهم ذلك إلا إيماناً وتمسكهم بدينهم وطاعة لنبيهم الذي قال له الله تعالى ( إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إله آخر فسوف يعلمون ) .
وهؤلاء هم أهل البغضاء يضاف إليهم هذا المنهج بخصوص الأولياء الصالحين الذين قال الله تعالى فى حقهم ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) فكيف يدّعى أحد أنه مسلم ثم يتجرأ على الأولياء الصالحين مخالفاً بذلك النص الحكيم ؟ أقول في الوقت الذي يتسفه فيه السفهاء على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم نجد طائفة من
( المسلمين ) يساعدونهم وذلك بصرف الأنظار عنهم وعن سفاهتهم بتسليط الضوء
( ولا ضوء للضلالة ) على الأولياء ويتناول هؤلاء الأمر بالسخرية والتعرض للأولياء مساعده لقرنائهم الذين يتطاولون على سيد العالمين فهؤلاء وهؤلاء بعضه من بعض
( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر ) صدق الله العظيم . ثم نظر الحاضرون إلى الشيخ نظرة إشفاق فوجدنا في عيني الشيخ حسرة وغضباً وحزنا وحيرة ثم تنفس الشيخ نفساً عميقاً وقال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم صمت الشيخ . . وصمت الجميع وإنتهى اللقاء وإلى لقاء .
والسلام عليكم
وعليكم السلام
مريد


ساحة النقاش