فوضى الفتوى !
هناك فوضى في الفتوى .. كل من يؤلمه ضرسه يسارع إلى المشايخ ليسألهم : خلع الضرس حلال أم حرام ؟ .. كل من لا يعجبه رصف الشوارع يهرع إليهم سائلا : حلال أم حرام ؟ .. كل من لا يفهم حقيقة مجلس الحكم المؤقت في العراق يجري مصابا بالهلع إليهم قائلا : أفتونا .. حلال هذا المجلس أم حرام ؟ لا شيئ في حياتنا أصبح يمر بدون العبور على دار الافتاء .. الأحزاب السياسية .. المناهج المدرسية .. الرعاية الصحية .. الشئون العائلية .. الإشارات المرورية .. العلاقات الدولية .. كل شيئ صغر أم كبر.. قرب أم بعد !! . ومن حق رجال الدين أن يفتوا في كل شيئ .. يقول سبحانه وتعالى : " ما فرطنا بالكتاب من شيء ".. والتفسير : إن كل شيئ يمكن فهمه في إطار القرآن .. ولكن .. لا تجوز الفتوى إلا من أهل الإختصاص .. لابد من] الرجوع إلى أهل الإختصاص .. فلو انهارت عمارة لا يجوز لشيخ من شيوخ الفتوى أن يقر بالغش فيها إلا بعد أن يرجع تقرير ذلك لجنة من أساتذة كلية الهندسة .. ساعتها يقول الشيخ : إنها عمارة مغشوشة .. ولو كان هناك دواء ما لم يختبر بعد. لا يجوز أن يبيحه أو يمنعه شيخ من شيوخ الفتوى إلا بعد أن تفحصه لجنة متخصصة من أساتذة الصيدلة .. باختصار لا يجوز أن يفتى أحد في أمور الدنيا إلا بعد الرجوع إلى جهات الإختصاص . ولا أمان من الفتاوي الخطأ إلا بالثقافة الدينية .. ولا أمان منها إلا إذا عرف رجل الدين أن الدين منزه عن صراعات الدنيا وحسابات السياسة .. وعليه ألا يحشره في أي شيئ .. وقد كان مشاهير العلماء يتجنبون الفتوى بقدر ما يستطيعون .. كان يحيى بن معين من كبار العلماء في عصره .. وكان إذا سئل عن فتوى يقول شعرا : " أيعبد رب العالمين على رأي يحيى بن معين " .. وأفضل من يفتي هو من يقول " لا أدري " .. فمن قال لا أدري فقد أفتى واستبرأ لدينه وعرضه . ومصدر الفتوى الوحيد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .. غير أنه أمر بأشياء ونهي عن أشياء وسكت عن أشياء .. فما سكت عنه رسول الله ليس جهلا ولا نسيانا وإنما توسعة على الأمة وعملا برأي الله سبحانه وتعالى " وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" . ولكن .. حتى نعرف ذلك يجب أن نكون قادرين على فهم الدين فهما عميقا ولا نأخذه بظواهر النص .. لقد أفتى شيخ جليل بأن الاسلام يبيح الارهاب وهو يفسر قوله سبحانه وتعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " .. لقد فسر كلمة " ترهبون به عدو الله وعدوكم " بإباحة الإرهاب .. لكنه لم يقل لنا ما هي الشروط التي نحدد بها عدو الله وعدونا ؟ .. هل هو ا لذي يحددها ويختارها ؟ ويشترط فيمن يفتي أن تكون كلمة لا أدري أقرب إلى لسانه من كلمة أدري .. وإن قال أدري أعقب فتواه بعبارة " والله أعلم " .. فلهذا مؤشر على سعة العلم والحلم والتواضع .. أما إذا ساد بين الناس أو بين العلماء الشح المطاع والهوى المتبع وأعجاب كل ذي رأي برأيه فهذه هي الكارثة .. يقول صلى الله عليه وسلم " إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فليسعك بيتك " .. أي الأفضل أن تلزم بيتك .. خليك بالبيت .. خليك في حالك .. ضع لسانك في حلقك . ويجب ألا يكون رجل الدين في أوقات الفتنة ظهرا يركب أو لحما يؤكل أو ضرعا يحلب .. لا يجوز أن نستخدمه على هوانا وهوى الأحداث .. بل عليه في أوقات الفتنة أن يطفئ الحرائق .. لا يضاعفها .. فما أسهل إشعال الحرائق .. وما أصعب إطفاءها .. لقد أفتى علماء الأزهر بالجهاد في سبيل الله في حروبنا مع إسرائيل وأفتوا بالصلح معها .. وعندما احتل العراق الكويت انقسم علماء الأمة بين مؤيد للاحتلال ورافض له .. بين مؤيد لتحرير الكويت بقوات أجنبية وتحريم وجود هذه القوات في السعودية .. وسبق أن أفتى العلماء بشرعية قانون الاصلاح الزراعي. وفيما بعد أفتوا بشرعية الرجوع فيه . إن الفتوى يجب أن تكون من أهل الإختصاص ولصالح المسلمين وبشرط ألا تضر مصالح الآخرين . وقد سمح الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالاجتهاد حتى في قراراته .. فقبل موقعة بدر طلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون عين بدر بين المسلمين والمشركين .. فقال له أحد الصحابة : أهو منزل أنزلك الله فيه أم هي الحرب والمكر والخديعة ؟ .. قال الرسول صلى الله عليه وسلم : بل هي الحرب والمكر والخديعة .. فطلب الصحابي أن تكون عين بدر خلف المسلمين .. يشربون منها ولا يشرب المشركون .. هو نوع من استغلال الميزة النسبية.. فوافق الرسول .إن القاعدة هنا هي مصلحة المسلمين .. وعدم الاضرار بهم .. حتى لو أجبرتنا الظروف على الانسحاب من المعركة .. بشرط أن نعد العدة ونستعد للعودة إليها .. يقول سبحانه وتعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله " . يا أيها العلماء الأفاضل ويا شيوخنا الكبار من قال لا أعرف فقد أفتى .. ومن رجع إلى أهل الإختصاص سلمت فتواه .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .


ساحة النقاش