www.lahzetnour.com
إبليس طاووس الملائكه !
عظمة القرآن تقاس بقدرته على الدهشه . . والدهشه لا تكون بالإستسلام للتفسير السائد . . المتوارث . . أحياناً . . وهو تفسير يكتسب مع الوقت والتكرار صفة القانون السرمدى . . ولكن . . بتخطيه . . والتمرد عليه . . بتفسير لا يكون إنتظار ما هو منتظر . . وإنما إنتظار ما لا يُنتظر .
وربما كانت قصة آدم والملائكه وإبليس من القصص التى تحتاج لتلك الدهشه فى تفسيرها . . دهشه تتجاوز ما نعرف . . وما نردد . . وما نكرر .
لقد أمر الله الملائكه أن يسجدوا لآدم فى أكثر من سوره فى القرآن . . فى سـوره طه : " وإذ قلنا للملائكه إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى " . . وفى ســورة البقره نقرأ : " وإذ قلنا للملائكه إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى وإستكبر وكان من الكافرين " . . وفى سورة الإسراء نقرأ أيضاً : " وإذ قلنا للملائكه إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طيناً " . . وفى سورة الكـهف نقرأ كذلك : " وإذ قلنا للملائكه إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه "
يتكرر الأمر الإلهى للملائكه بالسجود لآدم . . وتتكرر جملة إلا إبليس " . . ثم تكون إضافه هنا أوهناك . . فهو مره يأبى . . ومره يستكبر . . ومره يفسق عن أمر ربه . . وهو مره يعترض على السجود لمخلوق من طين . . فمن هو إبليس ؟ . . ولماذا لم يسمع كلام ربه ؟ . . وهل خلقه الله بشفره تجعله يقبل ويعترض ؟ .
إن إبليس ليس ملاكاً . . خلقه الله من نار . . مثل الجن . . لكنه من كثرة العباده أصبح ملاكاً . . بل طاووس الملائكه . . وقد كان بين الملائكه وهم يتلقون أمر السجود لآدم . . وهو ليس منهم . . فلماذا تمرد على أمر لم يصدره الله إليه فضاع بين الأقدام ؟ .
لو عرفنا كيف سجد الملائكه لعرفنا لماذا لم يسجد إبليس . . إن سجود الملائكه تلقائى مثل إنجذاب زهرة عباد الشمس للشمس . . فلو كان من بين سيقان عباد الشمس عود ذره فلا يتحرك فى إتجاه الشمس . . ولولم يتحرك فى إتجاه الشمس فهو لم يخطىء . . إن إبليس كان وسط الملائكه مثل عود الذره وسط حقل من عباد الشمس وهو فى حالتنا الملائكه .
الملائكه مثل محطات الإذاعه . . كل محطه تستقبل تردداً واحداً . . فلو إستقبلت ذلك التردد نسمع صوتها . . تعمل . . تبث . . كل ملاك مثل محطة إذاعه له موجه مبرمج عليها وهى أسم معين من أسماء الله الحسنى . . لو سمعه إنتبه . . وإستجاب . . كل ملاك له إسم إلهى لو سمعه تجلى به . . فقد خلق من نور هذا الإسم . . وهو لا يعرف غيره . . هناك ملاك للرحمن . . وملاك للرحيم . . وملاك للحى . . وملاك للقدوس . . لو سمع كل منهم الإسم الذى خلق منه سجد .
وعلّم الله آدم أسماء الملائكه . . أسماؤها الإلهيه . . أوالأسماء التى خرجت منها الملائكه . . يقول سبحانه وتعالى فى سورة البقره : " وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكه فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " . . فكـان ردهم : " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " . . فكل واحد منهم لا يعلم من أمر نفسه سوى إسمه النورانى الذى خلق منه . . فطلب من آدم بعد أن علمه هذه الأسماء أن ينبئهم بها . . أن يخبرهم بالأسماء التى يتعرفون بها على أنفسهم ليسجدوا إلى الله . . فكان كلما نطق بإسم سجد الملك المخلوق منه . . وهكذا حتى سجدوا جميعاً . . والحقيقة أنهم لم يسجدوا لآدم وإنما سجدوا لله فى إتجاه آدم . . فآدم كان مجرد جهه جغرافيه . . آدم قبله وليس معبوداً .
لكن . . إبليس لم يسجد . . وعندما سأله الله عن ما منعه من السجود بعد أن تلقى أمره . . كان جوابه : " أنا خير منه . . خلقتنى من نار وخلقته من طين " . . وهنا نلاحظ أن الملائكه سجدوا بالتجلى الإلهى . . أما إبليس وهو ليس منهم فكان عليه أن يسجد بالأمر الإلهى . . ونحن البشر سجدنا أيضاً بالأمر الإلهى وليس بالتجلى . . وهذا ما يعنى أن الإنسان أفضل من الملائكه . . فسجود الملائكه لا إجتهاد فيه ولا طاعه فيه . . سجود مثل إنجذاب الحديد للمغناطيس . . لا مفر منه . . الإنسان أفضل من الملائكه لأنه إستجاب للأمر الإلهى . . دون أن يكون مبرمجاً على تنفيذه مثل الملائكه . . فكل من الملائكه مبرمج على وظيفه محدده . . السجود . . التعذيب . . أوغيرهما .
لكن . . لو كان الملائكه مبرمجين على وظيفه واحده لا يعرفون غيرها فكيف قالوا لله سبحانه وتعالى تعليقاً على خلق آدم : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " . . كيف عرفت الملائكه أن ذرية آدم سوف تفسد فيها وتسفك الدماء ؟ . . بعض العلماء قالوا إن الملائكه رأوا فى أنفسهم الأفضليه فعرضوا على الله أن يكون خليفته منهم . . وحيث الإختيار هنا " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " . . لكنهم عندما عرفوا أفضلية آدم عليهم بالعلم الذى علمه الله له سجدوا وإعترفوا قائلين : " لا علم لنا إلا ما علمتنا " .
والحقيقه أن الملائكه سألوا سؤالاً إستفهامياً . . وليس سؤالاً إستنكارياً . . سألوا : " أتجعل فيها " . . ولم يقولوا " لا تجعل فيها " . . فمن أين عرفوا بفساد ذرية آدم وسفكهم للدماء ؟ . . قال بعض العلماء : إن الملائكه تحدثوا عن سابق خبره . . تحدثوا عن بشر خُلِقوا قبل آدم وأفسدوا وسفكوا الدماء فمحاهم الله .
لم يكن هناك خلق قبل آدم وذريته . . والملائكه عرفت بما سيحدث بالغيب . . والغيب أنواع كما نعلم . . غيب الشهاده وهو غيب يعرفه العامه .. وغيب الإراده ويعرفه الملائكه باسم الله . . وغيب الإيمان ويعلمه الصالحون من البشر . . والغيب المحمدى وهو قدر رسول الله . . والغيب المطلق وهو ما يتعلق بالله . . فكأن الملائكه عرفوا بما فى الغيب من الله .
أما إبليس فكان عنده علم يقينى فحجبه الله عنه فعماه . . يقول شاعر صوفى :
لو رأى الحق ما أبى من سجود . . عنه عين اليقين أخفت سناها ( نورها )
وقالوا إن الله قذف فى قلب إبليس أن واحداً من المأمورين بالسجود لم يسجد فأصبح عند إبليس علم أكبر بهذا الأمر . . واحد لم يسجد . . فأراد أن يراه . . فإذا به فى النهايه هو هذا الواحد الذى لم يسجد . . ولا حول ولا قوة إلا بالله .


ساحة النقاش