authentication required

الصهيونية وثلاثية الأعداء والخائنين والعاجزين

د. عصام عبد الشافي

في طبيعة العلاقة بين النظم السياسية والكيان الصهيوني، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات أساسية، من وجهة نظر شخصية (طبعاً هذا التقسيم ليس جامعاً مانعاً ولا يدعي الشمول أو الكلية، ولكنها رؤية تحليلية لطبيعة هذه العلاقة في يوليو 2016):

المستوي الأول: الأعداء:

وهي النظم السياسية التي شاركت في دعم تاسيس هذا الكيان ابتداء ورسخت وجوده في المنطقة ككيان استعماري استيطاني على حساب الأرض العربية وعلى حساب الدماء الفلسطينية، ويضم هذا المستوى كل من بريطانيا (التي منحته الوعد ورسخت الوجود حتى عام 1947)، والولايات المتحدة التي حملت الراية بعد بريطانيا ووفرت كل صور الدعم والتأييد والتمكين منذ 1947 وحتى الآن.

المستوى الثاني: الخائنون:

وهي النظم السياسية التي تواطأت مع الكيان الصهيوني على حساب المصالح والحقوق والدماء العربية والفسلطينية، ويضم هذا المستوي:

1ـ نظام السيسي: الذي يتعاون مع هذا الكيان على حساب أهلنا في سيناء وأهلنا في حماس، بل وعلى حساب الأمن المائي في النيل، وعلى حساب ثوراتنا في شرق المتوسط، كما يتعاون معه في شرق المتوسط ضد تركيا، وفي شمال سوريا والعراق ضد تركيا.

2ـ النظام الأردني: الذي يتعاون معه على حساب أهلنا في فلسطين، وفي لبنان وفي شرق المتوسط، وشمال سوريا والعراق.

3ـ النظام السعودي: الذي تعاون معه ضد لبنان عام 2006، وتعاون معه ضد حماس في الحروب الثلاثة الأخيرة وفي مرحلة ما بعد الثورات العربية والآن يتعاون معه بدعوى مواجهة إيران.

4ـ النظام السياسي الإماراتي: الذي يتعاون مع الكيان الصهيوني ضد حماس في فلسطين، وضد تركيا في صربيا وشرق المتوسط، وضد تركيا في العراق وسوريا، وضد مصر والسودان في إثيوبيا وحوض النيل.

5ـ السلطة الفلسطينية بقيادة عباس: التي تتعاون مع الكيان الصهيوني ضد حركات المقاومة الفلسطينية، وضد كل من يقف خلف أى عمل يهدد أمنها واستقرارها أو يهدد مصالحها الاقتصادية مع الكيان الصهيوني.

المستوى الثالث: العاجزون:

ويضم هذا المستوى النظم السياسية العاجزة عن مواجهة الضغوط الدولية، وتحديداً الأمريكية، وأحياناً الداخلية من بعض الأطراف المصلحية، في وجود علاقات بينها وبين الكيان الصهيوني، ويضم هذا المستوي كل من:

1ـ النظام السياسي التركي: والذي فرضت عليه أطراف داخلية، وقعت اتفاق استراتيجي مع الكيان عام 1996، الاستمرار في العلاقات، وفرضت عليه الولايات المتحدة وتحولات الإقليم أن يعيد النظر في علاقاته مع الكيان عام 2016.

2ـ النظام السياسي القطري: الذي تعرض لضغوط أمريكية حقيقية، في ظل الحروب التي شهدها الخليج 1991 ثم 2003، وما بعدها، لإقامة علاقات مع الكيان بدعوى الوساطة بينه وبين الأطراف العربية في قضايا المنطقة.

3ـ النظام السياسي المغربي: الذي لا يملك من أمره شيئا، في ظل تحالفه الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وفي ظل وجود أقلية عددية يهودية في المجتمع المغربي يخشي من تحريكها ضد أمنه واستقراره.

4ـ النظام السياسي الموريتاني: الذي لا يملك من أمره شيئاً، واضطرته الانقلابات العسكرية الدائمة، التي تحركها القوى الغربية، وكذلك ظروفه الاقتصادية السيئة إلى الخضوع للمطالب الغربية بإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني.

ولكن ...... في إطار هذا التقسيم يجب التأكيد على:

(أ) كل هذه الأطراف، أخطأت في الارتباط بأي شكل من الأشكال مع هذا الكيان، ولكنهم في الأخطاء والخطايا درجات.

(ب) لا فرق عندي بين العدو والخائن، بل العكس الخائن عندى أخطر، فالعدو واضح وصريح، له أهدافه، له مصالحه، له أيديولوجيته وعقيدته المختلفة، أما الخائن فهو للأسف، يُفترض أنه يشترك معنا في الأهداف والمصالح والعقيدة، ويتغني ليل نهار بالحفاظ عليها، في الوقت الذي يتآمر مع الكيان الاستيطاني الاستعماري على قضايا الأمة ودماء أبنائها.

(ج) من الغباء أن يتم تبرير الارتباط والتعاون مع الكيان الصهيوني بالقول أن هناك آخرين يرتبطون به، بمعني تتحدث عن ارتباط السعودية بالكيان يرد عليك: مصر مُرتبطة .. تركيا مُرتبطة وإيران مُرتبطة .... وغيرهم. فهذا منطق غبي: فليس معني أن هناك منبطحين، أن ينبطح الجميع (اذا لم يكونوا فعلا منبطحين)، وليس معني أن هناك فساد في سياسات البعض أن نرضي بفساد آخرين (إذا لم يكونوا بالأساس فاسدين).

(د) سيسأل الكثيرون: أين إيران؟ والإجابة هي النموذج الفريد الذي جمع منذ انقلاب مصدق (1953) وحتى الآن بين الثلاثية (العداء، الخيانة، العجز)، ولكل مستوي مراحل، ولكل مرحلة رجال وسياسات وأدوات.

ملاحظة:

هذا التقسيم بناء على الوضع السياسي الحالي (يوليو 2016)، لأن هناك أطرافاً قبل ذلك يمكن أن تأتي في خانة الأعداء (مثل تركيا 1948) أو في خانة الخائنين (مثل إيران الشاه حتى 1979)، أو من يتأرجحون بين العداء والخيانة والعجز، ولكن في النهاية الجميع في الهم سواء.

أفيقوا إن كان ما زال فيكم عقلاء .. فهذا الكيان هو البلاء الذي يُدمر وسيدمر الجميع

فلا تكونوا عملاء، حفاظاً على عروش زائلة أو على كروش سيأكلها الدود ..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 222 مشاهدة

حتمية التغيير داخل الإخوان المسلمين

د. عصام عبد الشافي

 ترددت كثيرا في الكتابة عن حتمية التغيير داخل جماعة الإخوان المسلمين، أو حتى الانخراط في الجدل الدائر حالياً بين عدد من قياداتها، بصورة أصبحت أقرب لصراعات الأجنحة، في وقت من المفروض أن الجميع من رافضي ومقاومي الحكم العسكري في مصر، يحشدون كل الجهود والطاقات، استعداداً لإحياء الذكري الخامسة لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011.

سبب التردد، ليس كما يتصور البعض، الخوف من الاتهام بالتحيز لطرف دون آخر، لأن هذا لا يعنيني من قريب أو بعيد، لأن انحيازي دائما لصالح قضايا وليس لصالح جماعات أو أحزاب أو تيارات أو أشخاص، ولكن سبب التردد الرئيس هو محاولة بذل كل الجهود الممكنة لاحتواء أية صراعات أو خلافات من شأن تسليط الضوء عليها أن تتفاقم، في ظل ترقب وتحفز من جانب معسكر الثورة المضاد والانقلاب العسكري للنيل من كل القوى الثورية، وبذل كل الجهود لتفكيكها وتدميرها. وتصورت أن هذا الصمت يمكن أن يكون مقبولاً في كثير من الحالات، إذا كان هناك همُ أكبر تتراجع في مواجهته كل الهموم الأخري.

أما وقد حدث ما كنت أتوقعه من سنوات، وما حذرت منه سراً وعلناً منذ سنوات أيضاً، للدرجة التي دفعتني في وقت من الأوقات لنشر مقالة بعنوان "حل جماعة الإخوان المسلمين"، وهل هذا الحل يمكن أن يشكل خياراً محتملاً في ظل التحولات التي تشهدها ليس فقط الجماعة، ولكن المنطقة بأسرها.

وخلال العامين الماضيين أُتيحت لي الفرصة عشرات المرات للقاء العديد من المحسوبين على الجماعة عن قرب، في العديد من المناسبات العامة، وأحياناً الخاصة، وفي كل مرة تتأكد لدى فرضية التغيير، ليس باب من باب احتمالية الحدوث ولكن من باب حتمية الوقوع.

فقد كشفت هذه اللقاءات عن فجوة جيلية من الصعب أن تصمد أمامها أية شخصيات أو قيادات أو كيانات، فجوة رسختها ممارسات هذه القيادات سواء في إدارتها للمشهد السياسي قبل الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، أو بعده، فجوة رسختها هوة سحيقة بين تطلعات وتوقعات في مقابل مظلوميات وانكسارات، ففي الوقت الذي تصاعدت فيه التوقعات بين شباب الجماعة بأن الدرس الدامي الذي تعرضت له بعد الانقلاب كان كفيلاً بحدوث تغيير جذري في المرجعيات والهيكليات والقيادات والممارسات، وجدوا أن ما يعايشونه بعد الإنقلاب أسوأ من الوضع قبله.

ومن هنا أجد أن حتمية التغيير داخل جماعة الإخوان المسملين، مردها العديد من العوامل والاعتبارات، لعل في مقدمتتها:

أولاً: السنة الكونية:

فالتغيير هو أحد السنن الكونية، في التجربة البشرية، التي لم تقف خلال عشرات العقود على دين واحد أو نبي واحد أو كتاب مقدس واحد أو إمبراطورية واحدة أو كيان واحد أو تنظيم واحد أو قائد واحد، مهما كان حجم أو وزن كل هؤلاء، ومن هنا تقتضي المنطقية والعقلانية والرشادة الأخذ بأسباب التغيير وليس قمع التغيير والتصدي له والوقوف أمام دعاته وكأنهم مارقين كافرين فاسدين.

ثانياً: الظرفية التاريخية:

فما تشهده المنطقة العربية، بل والعالم الإسلامي من أدناه إلى أقصاه، يتجاوز الجميع، دولاً وشعوباً، جماعات ومنظمات، فما بالنا بالزعامات والقيادات، أيضاً مهما كان حجمها ووزنها، دون نيل أو تقليل أو تشويه أو تحقير من أى دولة أو شعب أو جماعة أو تنظيم أو شخصية، ولكنها الظرفية التي تتطلب أيضاً الرشادة والعقلانية في التعاطي معها بدلاً من السحق تحت أقدام من يحركونها.

ثالثاً: الثورة التقنية:

فارق كبير بل هائل في الأدوات والتقنيات، لن أقول بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، بل بين العام الماضي والعام الحالي، وهذه الثورة التقنية، ليست الكيانات والشخصيات على نفس القدر من القدرة على التعاطي معها وإدارتها بما يضمن حسن الاستفادة منها، ولذا يكون منطقياً أن من نشأ وتربي في إطار هذه الثورة هو الأكثر قدرة على التعاطي معها وإدارتها بما يضمن تحقيق الأهداف الكبرى منها.

رابعاً: الممارسة السياسية:

لقد كشفت السنوات الخمس الماضية منذ 25 يناير 2011 وحتى الآن عن "كوارث حقيقية"، في الممارسة السياسية لجماعة الإخوان سواء في ظل مرحلة المجلس العسكري الأولي (بين 11 فبراير 2011 و30 يونيو 2012)، أو خلال العام الأول حكم رئيسنا الشرعي الدكتور محمد مرسي (30 يونيو 2012 و3 يوليو 2013) أو بعد انقلاب 3 يوليو 2013. ولم تقف هذه الكوارث عند الممارسة السياسية، بل امتدت للممارسة الإعلامية والميدانية والحقوقية، وبالمجمل الثورية للتحولات التاريخية ليس فقط للدولة المصرية ولكن للعالمين العربي والإسلامي.

خامساً: جوهر النهضة:

إن مجرد الحديث عن النهضة ووضع برنامج للنهضة، في مجمله اعتراف صريح بأن ما قبل البرنامج كان به العديد من الاختلالات، وهناك عشرات الشهادات التاريخية، من قيادات الجماعة أنفسهم، وعشرات الممارسات الفعلية التي رسختها الوقائع أن حديث النهضة لم يكن يستهدف فقط الدولة المصرية بعدما تولي الإخوان قيادتها، وإنما يستهدف بالأساس الجماعة وقيادتها، وإلا كيف لمن لا يؤمنون بفكر النهضة وجوهر التغيير أن يحققوا نهضة أو يقودوا تغييراً.

لذلك لم أقف كثيراً أمام عشرات النداءات التي طالبت الجماعة ب"العودة إلى الخلف" تارة أو التنحي جانباً تارة ثانية، أو تجنب المشهد، تارة ثالثة، أو الفصل بين مقوماتها، تارة رابعة، لأن النهضة الحقيقية تتطلب التقدم للأمام، تتطلب تولي زمام القيادة، تتطلب الإقدام والمبادرة، تتطلب التكاملية والشمولية بين الفكر والحركة، بين الدعوة والسياسة، بين الماضي والحاضر، في إطار من رؤية واضحة للمستقبل.

سادساً: الفجوات الميدانية:

لقد أكدت السنوات الخمس الماضية أن هناك فجوات ميدانية حقيقية داخل الجماعة، وبين مكوناتها المختلفة، فشبابها كانوا في مقدمة الصفوف في 25 يناير، في وقت كان التردد ما زال حاضراً بين بعض قادتها ورموزها، وشبابها كانوا في مقدمة الصفوف في محمد محمود الأولي والثانية، في وقت كان التردد بل والتخاذل أيضاً قائماً بين بعض قادتها ورموزها، وبعد الانقلاب كان الإقدام وإعلام التحدي وإبداع المقاومة حاضرا مزدهراً في نفوس كثير من شبابها، في وقت كان فكر المظلومية وفقه الصبر على المحن هو الحاكم لبعض رموزها وقياداته، لا يعني هذا تجاهل كم المظالم التي تعرضت له الجماعة وأبنائها، قيادات وغير قيادات، أو التشويه من قيمة وعظمة الصبر، ولكن كما نقول لكل حدث حديث، وحديث الثورة جوهره الإقدام والإبداع، ورد الصاع بالصاع، وصون الحقوق والحريات والكرامات، ودفع الأذي عن المقدسات، والقصاص لحقوق الشهداء والمعتقلين والمشردين في مواجهة نظام فاشي، تدعمه منظومة فاسدة داخلياً وخارجياً.

سابعاً: فجوة التوقعات:

إذا كانت الثورات الشعبية تصاحبها ثورتان، ثورة مضادة تحاول النيل منها والقضاء عليها، وثورة توقعات تفجرها الآمال والطموحات، فإن ما شهدته الجماعة خلال السنوات الخمس الماضية كشف عن فجوة كبيرة في التوقعات، فهناك ثورة حقيقية في الآمال والطموحات والرهانات بين شباب الجماعة، في مقابل هرمية وتقليدية وروتينية وتراتبية كبيرة بين الكثيرين من قادتها وشخصياتها، وكانت الغلبة ميدانياً للشباب وللقواعد الذين أصبحوا أقرب للسيوف المسلطة على رقاب الكثيرين إذا وجدوا فيهم تخاذلاً أو تقاعساً أو تراجعاً عن المسار الذي رسمه الشباب لأنفسهم، في ظل ثورة توقعاتهم من جماعتهم وتنظيمهم.

ثامناً: رهانات المستقبل:

لقد عشت طوال حياتي أراهن على المستقبل دائماً، مع تقدير كامل للماضي لأنه يشكل الأسس والجذور والأعمدة التي نرتكز عليها في حركتنا، ومع إدراك كامل للحاضر بكل مصادر قوته وضعفه، بكل فرصه وتحدياته، والرهان على المستقبل لن يكون إلا بإعداد حقيقي وتأهيل متميز للشباب، الرهان على المستقبل هو رهان على الشباب، على قدراتهم، على طموحاتهم، على إبداعاتهم، وإذا لم يُحسن شيوخ الماضي وقادة الحاضر، إعداد وتربية وتأهيل قادة المستقبل، فيقيناً سيكون الانهيار والاندثار حتمياً.

وبعد ..

قبل ثورة يناير 2011، كانت رهاناتي كبيرة على جماعة الإخوان المسلمين، لما تملكه من مصادر كبيرة للقوة، أن تقود عملية التغيير ليس فقط في مصر، ولكن في العالمين العربي والإسلامي، وتعززت هذه الرهانات بعد ثورة يناير، ولكن في قلب هذه الرهانات يبقي الرهان الأكبر، بعد توفيق الله سبحانه وتعالي، على شباب الجماعة، لأنهم روحها النابض، لأنهم مفجرو ثورتها الحقيقية، لأنهم حقاً وصدقاً، نواتها الصلبة فكرا وحركة، إدارة وتنظيماً، ساحة وميداناً. وهنا يكون النداء لهؤلاء الشباب أن يكونوا أهلا للتحدي، أهلا للرهان عليهم، أهلًا للثقة فيهم، أهلاً للمنشود منهم.

وفي مقابل الرهان على الشباب يبقي الرهان على القادة والرموز، على الكيانات والتنظيمات، أن تعي وتدرك هذه الحتمية وأبعادها، وإلا فلا يلومون إلا أنفسهم، لأن الزمان سيتجاوز جميع من يقف ضد سننه، ضد كل من لا يتسلح بجوهر التغيير الحقيقي في زمن الثورات، نعم في زمن الثورات، وضع تحت هذه الكلمة عشرات بل مئات الخطوط الحمراء.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 1429 مشاهدة
نشرت فى 22 ديسمبر 2015 بواسطة ForeignPolicy

الطائرة الروسية والمؤامرة الكونية

د. عصام عبد الشافي

في 31 أكتوبر 2015 تحطمت طائرة "متروجيت" روسية تحمل رقم 9268 على ارتفاع 9500 متر (31 ألف قدم) فوق سطح البحر. مما أسفر عن مقتل جميع الركاب وعددهم 224 على متنها وكذا جميع أفراد طاقمها، وعلى الرغم من اتجاه البعض في بداية الأحداث التي تلت عملية الانفجار إلى عدم استبعاد احتمالية حدوث فشل هيكلي نتيجة للإجهاد التي تتعرض له خلال عمليات الإقلاع والهبوط، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية عدم ترجيح إسقاط الطائرة عبر استخدام أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف (مان باد). على الرغم من عدد من مسلحي سيناء قد تمكنوا من قبل من استخدام أنظمة (مان باد) لإسقاط طائرة هليوكوبتر مصرية، كما قاموا بإطلاق الصواريخ على طائرات إسرائيلية؛ إلا أن الطائرة الروسية، كانت تحلق خارج نطاق هذه الأسلحة، كما أنه لاستعراض أولي لمسجل بيانات الرحلة؛ فإنه لا شيء يثبت أن الطائرة قد تم استهدافها (ضربها) بواسطة كائن خارجي.

أولاً: تفجير الطائرة ـ البدائل والاحتمالات:

مع الإعلان عن تشكيل لجان دولية للتحقيق في الحادث، برز التفسير الأكثر احتمالا لسقوط الطائرة هو وجود عبوة ناسفة على متن الطائرة، واتجه كثير من المحللين للقول بأن هذه الاحتمال تتجاوز نسبته الـ 90% على الأقل، وبافتراض صحة هذا الاحتمال يبقي السؤال عمن يقف وراء هذا التفجير.

هنا تبرز عدة احتمالات، ومعها تتعدد المؤشرات:

الاحتمال الأول: التنظيمات المسلحة:

في إشارة إلى تنظيم ولاية سيناء الذي أصدر عدة بيانات تبني فيها عملية التفجير، يدعم هذا الاحتمال كذلك أن أنصار هذا التنظي وغيره من تنظيمات مسلحة تعمل في شبه جزيرة سيناء، استخدموا عددًا من العبوات الناسفة المتطورة في الأشهر الأخيرة، لذلك فإن إنشاء ونشر عبوة ناسفة صغيرة لكنها فعالة يقع ضمن قدرات هذه التنظيمات، يساعدهم على ذلك أن مطار شرم الشيخ كغيره من مطارات مصر، لا يمتع بالقدر الكافي من التأمين، وانتشار الفساد وتأكيد عدد من الركاب أن العاملين بالأمن في المطار يمكنهم قبول رشاوى في مقابل السماح للركاب بتجاوز نقاط التفتيش والفحص الأمني. ومع سهولة تهريب المتفجرات إلى متن الطائرة، فإن فساد الأمن يزيد من احتمال أن الجهاز الذي تم استخدامه في التفجير يمكن أن يكون قد تم حمله على متن الطائرة أو تم تحميله في عنبر الشحن.

الاحتمال الثاني: أجهزة أمنية مصرية:

ويقوم هذا الاحتمال على قيام فصائل أو أجهزة أمنية مصرية بتدبير هذا التفجير بهدف التخلص من رأس النظام ومنظومته العسكرية بعد أن أصبح وجوده عبئاً عليهم، في ظل تصاعد معدلات الانهيار في كل القطاعات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وتفشي الفساد بمعدلات غير مسبوقة.

الاحتمال الثالث: أجهزة أمنية غربية:

ويقوم على أن هناك عدة أجهزة أمنية غربية تعبث في سيناء في ظل انهيار القبضة الأمنية والعسكرية للنظام، وأن هذه الأجهزة هي التي تقف وراء الحادث، وذلك لتحقيق العديد من الأهداف التي قد تبدو متناقضة، ولكن تحقيق أى منها من شأنه تعظيم مكاسبها في المنطقة، ومن بين هذه الأهداف: ضرب علاقات بوتين ـ السيسي، التي تنامت في العامين الأخيرين منذ انقلاب 3 يوليو 2013، والتنسيق المتنامي بينهم في سوريا وليبيا واليمن وشرق المتوسط، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية، التخلص من قائد الانقلاب وتعريته أمام الجميع في الداخل والخارج في ظل سياساته المتعارضة والمتناقضة، وممارساته الابتزازية، ومن ناحية ثالثة، إجباره على تقديم المزيد من التنازلات في ملف سيناء وغيره من ملفات، وضمان استمرار استخدام الجيش في إدارة الصراعات الخارجية.

الاحتمال الرابع: بقايا نظام مبارك:

فقد كشفت ما يسمي بـ "الانتخابات البرلمانية" التي جرت جولتها الأولي في مصر الشهر الماضي عن انحسار الصراع سياسياً واقتصادياً بين أنصار نظام مبارك من جانب ومن يسعون لتشكيل أنصار لنظام جديد بقيادة قائد الانقلاب العسكري، ومع التضييق على أنصار مبارك فإن هذا قد يدفعهم للانتقام من النظام الانقلابي القائم، وخاصة أن منطقة سيناء كانت المقر الدائم لمبارك وحاشيته، وهذا الاحتمال قد يجد سنده في عمليات الاعتقال والتحفظ على أموال عدد من أهم رموز عصر مبارك ورجال أعماله.

الاحتمال الخامس: النظام القائم نفسه:

ويقوم هذا الاحتمال على أن عناصر محسوبة على النظام الانقلابي القائم هي من دبرت هذه العملية، كوسيلة من وسائل ترسيخ فزاعة الإرهاب التي تتاجر بها منذ 3 يوليو 2013 وحتى الآن، وقامت بذلك كوسيلة من وسائل ضمان استمرار البقاء واستمرار الدعم.

ومع تعدد هذه الاحتمالات، تأتي أهمية التأكيد على أن هذا مجرد رصد لأهم الأطراف التي يمكن أن تستفيد من هذا التفجير، وبطبيعة الحال يبقي الباب مفتوحاً لدخول أطراف أخري بمصالح أخري.

ثانياً: مصر والمؤامرة الكونية ـ البدائل والاحتمالات:

مع تفجير الطائرة وثبوت انهيار المنظومة الأمنية والعسكرية المصرية في ظل حكم الانقلاب العسكري، كان منطقياً أن تسارع دول العالم إلى ترحيل مواطنيها من مصر، والتحذير من السفر إلى مصر، وكذلك قيام عدد من شركات الطيران الكبري بتعليق أو وقف رحلاتها عبر شبه جزيرة سيناء، وهنا تبارى قطاع محدد وثابت فيما يسمي "الإعلام المصري" بالحديث عن "مؤامرة كونية تستهدف مصر"، وأن "المسؤولين في بريطانيا والولايات المتحدة هم من قيادات الإخوان"، وأنهم "يعملون على تدمير مصر وتفتيتها وتقسيمها"، وأنهم "يسعون لوقف المسيرة المباركة لهذا النبي المرسل الذي بعثه الله للقضاء على طواغيت الأرض وإعادة هيكلة النظام الدولي".

وهذه العبارات منطقية في هذه المرحلة وتجد منطقيتها في تحليل هيكل من يقومون ويتحكمون ويوجهون هذا "الإعلام".

فهذا الهيكل محكوم بعدد من الاعتبارات التي تؤثر فيه وفي مخرجاته، ومن بين هذه الاعتبارات:

1ـ غياب الشفافية بشكل مطلق: أمام هيمنة جهة واحدة على كل المعلومات ووجود مصدر وحيد للتوجيه هو الشؤون المعنوية بالمؤسسة العسكرية المصرية، التي تحرك كل هذه الأجهزة والوسائل والقنوات "الإعلامية" بمجرد اتصالات هاتفية.

2ـ الخوف والجبن من بطش النظام الانقلابي القائم وممارساته، التي لم تعد تستثني أحداً، ولم تعد تقف عند مناهضي ومقاومي هذا النظام ولكنها بدأت تنال مِن كُل مَن أيده وسانده.

3ـ هيمنة الفساد والتضليل والتزور والغش والتدليس على "رموز العمل الإعلامي" في هذه المرحلة في "الإعلام المصري" سعياً نحو حماية مصالحهم، وضماناً لاستمرار النظام الحالي، لأن استمرارهم أصبح رهناً باستمراره، ويخوضون الآن معركة صراع وجود مع هذا النظام ضد كل القوي الثورية الرافضة والمناهضة والمقاومة لحكم العسكر وهيمنة مؤسساتها أجهزته على مقدرات الدولة.

وبين الحقائق التي كشفتها أزمة الطائرة الروسية وبين أوهام المؤامرة الكونية التي يتحدث عنها أبواق النظام الانقلابي العسكري، تتضخم معدلات انهيار مصر، دولة ومجتمعاً على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ومع استمرار هذا الانهيار وتفاقمه فإن التداعيات والأضرار ستنال الجميع ولن تقف عند الدولة المصرية بحدودها الراهنة، إذا ظلت هذه الحدود ثابتة في المرحلة القادمة.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 806 مشاهدة

تأليف د. عصام عبد الشافي

في أبريل 2014، صدر كتاب بعنوان "السياسة الأمريكية والثورة المصرية"، للدكتور عصام عبد الشافي، أستاذ العلوم السياسية الزائر في عدد من الجامعات المصرية، وفي مقدمة الكتاب ذكر المؤلف أنه خلال العقد الأخير من القرن العشرين، والسنوات القليلة الماضية من القرن الحادي والعشرين، حاولت الولايات المتحدة، ممارسة الضغط على البلدان الأخرى لتتبني وتطبق القيم والإجراءات الأمريكية، فيما يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية؛ ومنع البلدان الأخرى من الحصول على قدرات عسكرية تمكنها من مواجهة التفوق الأمريكي؛ وتطبيق القانون الأمريكي في المجتمعات الأخرى؛ وتصنيف الدول وفقاً لالتزامها بالمعايير الأمريكية بخصوص حقوق الإنسان، والمخدرات، والإرهاب، وانتشار الأسلحة النووية والصواريخ والحرية الدينية؛ وفرض عقوبات على البلدان التي لا تطبق المعايير الأمريكية بخصوص هذه المسائل، ورفع شعارات حرية التجارة والأسواق المفتوحة؛ وتوجيه سياسة البنك الدولي وصندوق النقد العالمي بحيث ترسخ هذه الشعارات؛ والتدخل في النزاعات المحلية التي لها فيها مصالح مباشرة محدودة نسبياً؛ وإكراه دول أخرى على إتباع سياسات اقتصادية وسياسات اجتماعية تخدم المصالح الاقتصادية الأمريكية.

إلا أن هذه التوجهات وتلك السياسات اصطدمت بالعديد من التحديات خلال السنوات القليلة الماضية من القرن الحادي والعشرين، كان من بينها أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ثم التورط في حربي أفغانستان (2001) والعراق (2003) ثم الأزمة الاقتصادية العالمية (2008) وأخيراً وليس آخراً التحولات السياسية التي شهدتها الدول العربية مع نهاية العام 2010 وحتى الآن والتي أطلق عليها "الربيع العربي" أو الثورات العربية".

ومع أهمية هذه التحولات بصفة عامة، تأتي خصوصية التحولات التي شهدتها مصر منذ 25 يناير 2011 وحتى الآن، أمام طبيعة العلاقات المصرية الأمريكية، وأهمية مصر في الإستراتيجية الأمريكية، واصبح السؤال الكبير الذي يسعي هذا الكتاب للإجابة عليه هو: ما طبيعة وأبعاد السياسة الأمريكية تجاه الثورة المصرية تأثيراً وتأثراً، بين يناير 2011 وحتي يناير 2014؟

وسعياً نحو الإجابة على هذا التساؤل تم تقسيم هذا الكتاب إلى بابين رئيسيين، الأول يتناول خصوصية النظام السياسي الأمريكي، والمؤسسات الفاعلة في عملية صنع السياسة الأمريكية، والثاني يتناول تطور وأبعاد السياسة الأمريكية تجاه الثورة المصرية، وبيان جدلية الفعل والفاعل والمفعول في هذه الثورة وتحولاتها بين الثورة الشعبية والثورة المضادة والانقلاب العسكري.

أولاً: محددات الموقف الأمريكي من الثورة المصرية

ارتبط الموقف الأمريكي تجاه الثورة المصرية وخاصة في مرحلتها الأولي بالعديد من العوامل والاعتبارات، من بينها:

العامل الأول: المفاجأة:

فالإدارة الأمريكية لم تكن تتوقع هذه المظاهرات بهذا الحجم، وبهذه التداعيات، كما لم تتوقع مثل هذا الانهيار السريع للقدرات الأمنية المصرية، فى ظل معرفتها بالطابع الأمني والاستبدادي للنظام المصري، وفي ظل التعاون الدائم والمستمر بين الأجهزة الأمنية والمخابراتية المصرية ونظيرتها فى الولايات المتحدة.

العامل الثاني: التحالف الإستراتيجي:

ويتمثل فى العلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة ونظام مبارك، والذى شكل تابعاً حقيقياً وليس حليفاً إستراتيجياً فى كل القضايا التي تهم الولايات المتحدة فى المنطقة، فى ضرب إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 1988)، وفي ضرب العراق بعد الغزو العراقي للكويت (19901991)، وفي حصار العراق (بين عامي 1991ـ2002)، وفيما أطلقت عليه الولايات المتحدة "الحرب الدولية على الإرهاب" بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي تعرضت لها الولايات المتحدة، وفي إطارها قامت بشن حربين عسكريتين الأولي على أفغانستان (في أكتوبر 2001)، والثانية ضد العراق فى مارس 2003، وفي تنفيذ الأجندة الأمريكية فيما يتعلق بتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وفي الضغط على إيران فى الملف النووي، وغيرها الكثير.

العامل الثالث: الخوف من البديل:

عدم الثقة الأمريكية فى الأطراف البديلة التى يمكن أن تحل محل مبارك، لأنها على قناعة تامة بأنه لو أجريت انتخابات حرة ونزيهة، فلن يكون للحزب الوطني ولكل الأحزاب الرسمية القائمة الآن، الدور الفاعل، ولكنه سيكون للإخوان المسلمين.

العامل الرابع: جدوي الشعارات:

ويتمثل هذا العامل فى عدم جدية الولايات المتحدة فى تطبيق ما ترفعه من شعارات حول نشر الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان، فى أية دولة أو أية منطقة فى العالم إلا بما يتفق ومصالحها، فهذه الشعارات ما هي إلا أداة من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية.

العامل الخامس: متغير القيادة:

فمن واقع تعاطي الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع تطورات الثورة المصرية، يمكن القول أن قرارات أوباما كان يدفعها شعور بأن هذه التحولات نتاج تراكمات سلبية عبر عدة سنوات، وأنه لا يمكن إيقافها أو إعادة الأمور فى مصر إلى الوراء، كما يعتقد أن الولايات المتحدة  كراعية للديمقراطية كما يراها  لا يمكن أن تكون استجابتها كغيرها من الدول، ويدرك أوباما من تجاربه أن التغيير فى البلدان النامية لا يمكن مواجهته  أثناء اشتعاله  بالقوة، وأنه ليس من الضرورى أن تتحول كل حركة شعبية إلى كارثة، فهناك نماذج إيجابية، تخلصت من نظم فاسدة وجاءت بنظم كان لها دور بارز فى التنمية والإصلاح.

ومن ناحية أخري، فإن خبرة أوباما الشخصية وتجربته فى الانتخابات الرئاسية التى فاز بها تتيح له فرصة متميزة للاتصال بجيل الشباب الذى يصنع الثورة المصرية، وأصبح التحدى الذي يواجهه هو كيفية استخدام خبرته الحياتية وقدرته الكبيرة على التواصل لدعم عملية التغيير، والموازنة بين التعاطف مع الثوار فى الشوارع، من ناحية وطمأنة العالم إلى أن القوة الأمريكية مستقرة فى مواجهة التحولات التي يشهدها العالم، من ناحية ثانية. وبين هذا وذاك جاء تعاطيه مع تداعيات الثورة وتحولاتها.

ثانياً: تحولات السياسة الامريكية تجاه الثورة في مصر

بعد استعراض للمواقف الأمريكية من الثورة المصرية، وفق المراحل الأربعة التي تناولها المؤلف (الأولي من 25 يناير إلى 11 فبراير 2011، والثانية من 12 فبراير 2011 إلي 30 يونيو 2012، والثالثة من 30 يونيو 2012 إلى 30 يونيو 2013، والرابعة من 3 يوليو 2013 إلى 25 يناير 2014) خلص المؤلف إلى عدة ملاحظات حول السياسة الأمريكية، منها:

1ـ أن الهدف الأول للولايات المتحدة هو البحث عن أدوات لممارسة النفوذ من أجل تشكيل مصر الثورة والضغط عليها، أدوات تسمح للولايات المتحدة بتشكيل حاضر مصر ومستقبلها محوراً للتحركات الأمريكية بعد الثورة المصرية.

2ـ إن الولايات المتحدة، من وجهة نظر البعض، لا يعنيها أيديولوجية النظام السياسى فى مصر بعد الثورة، ولا طبيعته، ولكن الأهم هو ألا يقاوم ذلك النظام المشروع الأمريكى ولا يتحدى المصالح الأمريكية، وهنا برز فى دوائر الحكم الأمريكية تياران: الأول، يميل لقبول نظام حكم ديمقراطى مدنى فى مصر بشرط امتلاك أدوات ضغط سياسية واقتصادية لتقويم الأداء المصرى إذا ما تعارض مع مصالح الولايات المتحدة. والثانى يفضل فى مصر نظاماً سياسياً لا ينسحب فيه العسكر من السياسة، وإنما يشتركون مع الإسلاميين فى الحكم، على غرار تركيا ما قبل انطلاقها الديمقراطى، أو حتى على غرار باكستان اليوم.

3ـ  أن الإستراتيجية الأميركية فى التعامل مع الثورات العربية، قد حكمتها عدة مبادئ، أولها: مبدأ الترقب والانتظار ، وثانيها: مبدأ الفصل بين الثورات، وثالثها: مبدأ تغير الأساليب مع ثبات الأهداف الإستراتيجية.

ثالثاً: السياسة الأمريكية ومستقبل الثورة المصرية

في إطار رصده للسياسة الأمريكية ومستقبل الثورة المصرية، قام المؤلف بالتمييز بين عدة سيناريوهات:

الأول: تحفيز الصراع:

إن سيناريو إثارة الصراع مع النظام الجديد في مصر بعد الثورة ، قابل للتحقيق في حالة توفر عدة شروط منها:

1ـ قيام إسرائيل  كطرف فاعل في المنطقة  بممارسة دورها في الضغط على السياسة الغربية، وتوجيهها بما يتفق ومصالحها، والتي تتعارض في كثير من الحالات مع المصالح المصرية.

2ـ تبني مصر  بعد الثورة  سياسة خارجية تتعارض مع توجهات ومصالح الولايات المتحدة الغربية، وخاصة في القضايا ذات الاهتمام الغربي الرئيسي في المنطقة.

3ـ نزوع مصر بعد الثورة  لتبني دور إقليمي نشط، يتعارض والتوجهات الأمريكية، التي لا تريد أن تبرز قوى تنافسها السيادة والهيمنة على مقدرات القوى والثروة والنفوذ في المناطق ذات الأهمية المحورية في السياسة الأمريكية.

4ـ الضغوط التي ستمارسها بعض القوي الإقليمية، على الولايات المتحدة الأمريكية، لتحجيم نفوذ مصر، واحتواء ثورتها، وتقييد حرية حركتها، في ظل المواقف الواضحة  المضادة  للثورة المصرية، وما حققته من نجاحات، وفي مقدمة هذه القوى المملكة العربية السعودية.

السيناريو الثاني: تحفيز التعاون:

يري المؤلف أن سيناريو تحفيز التعاون مع النظام المصري بعد الثورة، قابل للتحقيق في حالة توفر عدة شروط منها:

1ـ وجود الولايات المتحدة كطرف فاعل في مشروعات التعاون التي تتبناها أو تعلن عن تبنيها، سواء فنياً أو اقتصادياً أو إستراتيجياً، أو إشرافياً، وفتح المجال في هذه المشروعات أمام القوى الإقليمية، للدخول فيها مستقبلاً.

2ـ وصول بعض النخب أو التيارات السياسية، ذات الارتباط بالتوجهات والقيم الأمريكية إلى قمة النظام السياسي في مصر، وسعي الولايات المتحدة لدعمها، داخلياً وخارجياً.

3ـ وجود بعض الملفات الأكثر إلحاحا لدى الولايات المتحدة، والتي تسعي لقيام مصر بدور مهم فيها، فتتراجع في ضغوطها في ملفات أخرى أقل أهمية لصالح هذه الملفات، ولو بشكل جزئي أو مؤقت.

السيناريو الثالث: تجميد الوضع:

سيناريو تجميد الوضع الراهن، قابل للتحقيق حال توفر عدة شروط منها:

1ـ التحكم ببعض أوراق المساومة فى مواجهة كل الأطراف، وتحريكها في الوقت المناسب بما يتفق وتطورات الأوضاع في المنطقة، التي تمر بمرحلة حاسمة، قد تقود لتحولات ضخمة، تعجز الولايات المتحدة عن إدارتها بما يتفق ومصالحها.

2ـ الرغبة في تجاوز مرحلة الثورات الشعبية التي تجتاح المنطقة العربية، والتي يمكن أن تنال من كل النظم السياسية، المعروفة بولائها وتبعيتها للسياسة الأمريكية، ويدفع بالإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في كل توجهاتها وسياساتها الخارجية.

5ـ استهلاك الوقت في قضايا هامشية، وفرعية، حتى تكتمل بعض الملفات التي تتبناها الولايات المتحدة في المنطقة.

 

ومن خلال التمييز بين هذه السيناريوهات، تأني أهمية التأكيد على أن الولايات المتحدة، لا تتبني سيناريوهات أحادية، أو بدائل محددة، ولكنها تجمع بين العديد من السيناريوهات والبدائل، الجاهزة والقابلة للتنفيذ والتعديل وفقاً لمصالحها وأولويات اهتماماتها، ووفقاً لتحولات الأوضاع في المناطق محل الاهتمام، وفي القضايا ذات المحورية الرئيسية لها.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 283 مشاهدة
نشرت فى 19 أكتوبر 2014 بواسطة ForeignPolicy

د. عصام عبد الشافي

في الرابع والعشرين من يونيو 2014، أصدر قائد الانقلاب العسكري في مصر، قرارًا بقانون بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم الجامعات. ونص التعديل الجديد في مادته الأولى على: "يستبدل بنصي المادتين (25) و(43) من قانون تنظيم الجامعات (1972)، النصان الآتيان: 

المادة 25: "يعين رئيس الجامعة بقرار من رئيس الجمهورية، ... كما يجوز إقالة رئيس الجامعة من منصبه قبل نهاية مدة تعيينه بقرار من رئيس الجمهورية بناء على طلب المجلس الأعلى للجامعات". 

المادة 43: "يعين عميد الكلية أو المعهد بقرار من رئيس الجمهورية بناء على عرض وزير التعليم العالي ..." 

ومن واقع هذا القرار وما تضمنه من نصوص تبرز عدة أبعاد أساسية، يمكن تناولها على النحو التالي:

أولاً: أن هذا القرار في أحد أبعاده، ووفق عدد من التيارات الإعلامية المحسوبة على سلطة الانقلاب العسكري في مصر جاء لتجنب وصول أساتذة محسوبين على جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الجامعات أو الكليات المختلفة، ممن لم يتم التخلص منهم، أو من يتم التعامل معهم باعتبارهم خلايا نائمة،  خاصة وأن العديد من الانتخابات إذا توفرت فيها معايير النزاهة يمكن أن تقودهم إلى هذه المناصب الأكاديمية.

ثانياً: إشكالية كسر الإرادة: لأن من يصل لمثل هذه المناصب عبر انتخابات حرة نزيهة، انتخابات تعددية تنافسية، سيكون قد وصل بإرادة ناخبيه، وهذا من شأنه أن يوفر له قدرة وقوة في مواجهة الدولة ومؤسساتها، وبالتالي العمل بالدرجة الأولي على ما يراعي حقوق ومصالح وواجبات من انتخبوه وليس من عينوه، وهذا بطبيعة الحال لن يتحقق حال الاختيار بالتعيين.

ثالثاً: ترسيخ سياسة المنح والمنع: فمن يملك حق التعيين يملك في المقابل حق العزل، والاقصاء، وبالتالي يستطيع فرض سيطرته وتمرير القوانين والتشريعات والإجراءات التي تتسق وسياساته وتوجهاته.

رابعاً: التأميم: بعد قيام سلطة الانقلاب بفرض سيطرتها وهيمنتها على مختلف مؤسسات الدولة، وعلى مختلف سلطاتها وكذلك قيامها بتأميم العديد من مؤسسات المجتمع الأهلي، وكذلك تأميم المؤسسات الدينية، وخاصة الإسلامية عبر سلسلة من الإجراءات والقوانين ذات الصلة بالرموز الدينية وخطب الجمعة، وأماكن الصلاة، والزكاوات والصدقات، يأتي الدور على المؤسسات الجامعية، ليتم تأميمها بحيث تصبح أحد آليات الانقلاب العسكري لفرض هيمنته وسلطته على مختلف مقدرات الدولة والمجتمع.

خامساً: الاستهزاء والتحقير: إذا كان أعضاء هيئات التدريس في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، يشكلون أكثر الفئات الاجتماعية من حيث الحصول على المؤهلات العلمية والشهادات العليا، ومن أكثر الفئات قدرة على الوعي بالأخطار والتحديات، وكذلك نشر الوعي والتوجيه، هذه الفئة بهذه القدرات ليس من حقها انتخاب من يمثلها، ويقوم على إدارة مصالحها وتنظيم واجباتها والنهوض بمؤسساتها، فالنتيجة المنطقة المترتبة على ذلك أن ليس من حق أية فئة أخرى دون هذه الفئة التفكير ولو من بعيد في مثل هذا الحق، حق الترشح والانتخاب، ولما لا ومن يُفترض أنهم أكثر فكراً ووعياً لا يتمتعون بهذا الحق.

سادساً: أن الجامعات كانت وستظل دائما قبلة التغيير والنهوض بالمجتمع، وسيظل علماؤها وطلابها قادة وجنود هذا التغيير، ومن هنا ولكسر هذا الدور كان قرار تعيين رؤساء الجامعات وعمداء الكليات بل ورؤساء الأقسام العلمية داخل الكليات والمعاهد المختلفة، حيث تتوهم سلطة الانقلاب أن من شأن التحكم في قرارات وسياسات التعيين يمكنها أن تقتل روح التغيير في نفوس الأساتذة والطلاب.

 

سابعاً: أنه إذا كان قرار تأميم الجامعات (عبر التحكم في تعيين رؤسائها وعمداء كلياتها) قراراً سيئاً، فإن الأسوأ منه هو خروج عدد من أساتذة الجامعات المصرية يدافعون عن هذا القرار، لاعتبارات مصلحية ذاتية، لا تتسق وما يجب أن تكون عليه مصلحة الوطن حاضره ومستقبله، فهل يفيقون قبل أن تدور الدوائر، ويعصف بهم من يبررون له قراراته وسياساته .. لا أعتقد.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 138 مشاهدة
نشرت فى 19 أكتوبر 2014 بواسطة ForeignPolicy
ForeignPolicy
موقع بحثي فكري، يعني بالعلوم السياسية بصفة عامة، والعلاقات الدولية، بصفة خاصة، وفي القلب منها قضايا العالمين العربي والإسلامي، سعياً نحو مزيد من التواصل الفعال، وبناء رؤي فكرية جادة وموضوعية، حول هذه القضايا، وبما يفيد الباحثين والمعنيين بالأمن والسلام والاستقرار العالمي. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

118,831

المواقع المفضلة

ترحيب

يرحب الموقع بنشر المساهمات الجادة، التى من شأنها النهوض بالفكر السياسي، وتطوير الوعي بقضايانا الفكرية والإستراتيجية، وخاصة في  العلوم السياسية والعلاقات الدولية