الإنسان فُطرَ على حُبِّ الذات، والحفاظ على النفس وعلى كل أعضائه، جرّب أن تحاول أن تضع قطرة عيون لنفسك، بشكل غير إراديّ ستجد أن رموشك قد أطبقت الأحكام على عيونك، برغم إدراكك تمام الإدراك أنها دواء، ولن تلحق بك أي ضرر، جرّب أن تطفئ شمعة بإصبعك أو أن تمرر يدك من فوق شعلة نار حتى وإن كانت ضعيفة، ستجد أنك متردد، وستمررها بسرعة وعلى مسافة عالية، ربما لن تلمسها أساسًا.وهنا نتساءل: لماذا سيطرت فكرة الانتحار على عقول بعض الشباب؟!فهذه الظاهرة لم تكن موجودة في مجتمعاتنا العربية،كيف لهؤلاء الذين سولت لهم أنفسهم أن ينهوا حياتهم بأيديهم؟ كيف هانت عليهم أرواحهم؟!كيف لم يترددوا أو لم يتراجعوا عن قرارهم؟إذن هم خالفوا الفطرة والطبيعة، وهذا يرجع إلى أنهم وقعوا تحت وطأة ضغط نفسي شديد، مع قلة الوازع الديني، وشخصية تتعرض لجلد الذات دائمًا، بسبب شعورهم الدائم بالتقصير الذي أصابهم به المحيطون، سواء الأسرة أو الزملاء والأصدقاء وغيرهم الذين تعاملوا معهم.جميعنا متفق على أن كل من أقبل على الانتحار إنسان غير سويّ، ولكن هذه العلة لها أسباب:أولها: عدم التنشئة النفسية السليمة، فهو لا يدرك أن بعد كل فشل نجاح باهر.ولم يتعلم كيف يواجه ضغوط الحياة، ويحولها لتحدٍ من خلال استنهاض كل قدراته.ثانيها: عدم التنشئة الدينية الصحيحة: فهو لم يتعلم معنى الثقة بالله، وأن الله لا يضيع أجر العاملين.ثالثها: مقابلة تلك الشخصية الضعيفة الخاوية الداخل مع بشر لا يدركون معنى الرأفة، فهم عبيد غلظتهم، يتحكمون في العالم من مناصب وُكِلت لهم، وما أدراكم ما النتيجة حين يصبح مريضًا نفسيًا في منصب يتعامل فيه مع جمهور كبير من البشر!يسكب كل ما به من عُقد نفسية على كل من يقابله بلا أدنى رحمة. بل ويخيل له أنه هو واهب النعم، فيمنح هذا؛ لأنه أعجبه، ويحرم هذا؛ لأنه لم يرق له.وبالأخير لا يسعنا إلا القول أن ذلك الطالب الذي أنهى حياته، وتلك الفتاة التي ألقت بنفسها في التهلكة وغيرهما، دماؤهم في رقابنا جميعًا، في رقبة أساتذة الجامعة الذين لم يرأفوا بوهنهم، والذين تعمدوا استفزاز ضعفهم، وفي عنق أسرتهم التي لم تنتبه لمعاناتهم، وبرقبة المجتمع الذي لم يجد فيه قلبًا واحدًا يشاركهم إحساسهم، فيبثوه ألمهم.كلنا مذنب، لأننا رأينا المنكر فسكتنا عنه، ولأننا لسنا رحماء بما يكفي لنطوق انهيار دواخلهم بحضن صادق.فكم من مسؤول أدرك معاناة الطلاب من أستاذ بعينه، ولم يتخذ ضده أي إجراء!وكم من طالب انقطع عن الدراسة بسبب عدم قدرته على مواجهة ضغوط الجامعة التي لم يكن يتخيلها!فإن لم يتم إصلاح المجتمع بإخضاع- كل من يرتقي لمنصب قيادي وتحديدًا في مجال التعليم والتعامل مع عدد كبير من الطلاب - لاختبارات نفسية؛ كي ننقذ ما يمكن إنقاذه، سيستمر وباء فقدان الرغبة بالحياة، من قِبل أناس ظنوا أنهم فشلوا في التكيف مع الواقع، وأن رحيلهم راحة للجميع.عذرًا على تلك الكلمات اللاذعة- فقد آلامنا رحيل بعض الشباب بهذه الطريقة المهينة لإنسانيتهم ونحن مكتوفي الحيلة- مع احترامي الشديد للأساتذة النزهاء الذين عاملونا كأبنائهم، وكانت ابتسامة روحهم تعطينا دافعية كي نتخطى كل المصاعب، فأثروا أنفسنا بزخم علمهم، وتعلمنا منهم أمور الدين، والرقي الخلقي قبل العلم الدنيوي، فمازالت دعواتنا ترافقهم أينما حلوا مهما تجاوزنا السنين.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 48 مشاهدة
نشرت فى 22 ديسمبر 2022 بواسطة yasminmoghieb

عدد زيارات الموقع

10,645