جبال الألب هي أعظم سلسلة جبال وأكثرها أهمية في القارة الأوروبية. كانت تعتبر في يوم من الأيام الحد الشمالي الفاصل بين العالم الغربي وباقي بلدان العالم الأخرى. لكن الرومان تمكنوا من اختراق هذه السلسلة عبر عدة معابر أو ممرات حتى قبل السيد المسيح. إذ من خلال هذه الممرات تدفق الرومان إلى منطقة الغال (فرنسا حالياً) التي أصبحت فيما بعد ولاية رومانية ذات شأن.

ومن هذه الممرات بالذات عبَرَ الغزاة من أمثال هانيبال والقوط وجيوش شارلمان وأباطرة الرومان وأخيراً نابليون الذي اختط لجيشه الغازي طريقاً فيه ما فيه من روعة الهندسة والتصميم، يصل فرنسا بإيطاليا.
وباستثناء بعض الممرات التي كانت معروفة للرومان آنذاك لم تحدث استكشافات كثيرة للجبال حتى وقت قريب نسبياً.

وسط هذه الجبال ازدهرت أمة مستقلة هي الكونفيدرالية السويسرية.

لا توجد جبال أخرى في العالم تم استكشافها حتى أعلى قممها كجبال الألب. ولم يقم الإنسان بتمهيد طرق له وسط هذه الجبال وحسب بل تمكن أيضاً من شق طرق رائعة لوصل المدن السويسرية ببعضها.

فالسويسريون مدّوا خطوط سكك حديدية بحيث يتردد صدى القطارات الآن في نفس الممرات التي كانت تتجاوب فيها صرخات الجنود الرومان في الماضي البعيد.

وفي الألب أيضاً أنفاق تخترق الجبال. بل وهناك سكة حديد تمر عبر جبل جنغفراو الكبير وصولاً إلى القمة تقريباً. ولا توجد في الألب بقعة ذات أهمية طبيعية أو تاريخية إلا وفيها فنادق ومَرافق. كما توجد معابر للمشاة وشاليهات متناثرة على امتداد البصر.

جبال الألب هي متنزه فسيح ومفتوح على مدار السنة. فالطبيعة قامت بدورها لتوفير الخلفية الطبيعية اللازمة. والسويسريون أيضاً عملوا ما بوسعهم لتوفير وسائل الراحة للزائرين. وباستثناء الهند وما تمثله الهملايا من روعة وجلال وعظمة، قلما يوجد مكان آخر في العالم فيه ما فيه من الفوارق الطبيعية من حيث الأجواء النقية والمناظر الخلابة.

وإذ يجلس السياح والزائرون على ضفة إحدى البحيرات الصغيرة يمكنهم تمتيع أبصارهم بمنظر قمة مونت بلانك الفائقة الجمال. ومن هذه القمة أو من مرتفعات أقل علواً تبدو مناظر تلوها المناظر لجبال تليها جبال وهضاب وتلال تناثرت بينها القرى والحقول الخضراء، وأناس يبدون كنقاط صغيرة ملتصقة بمنحدرات صخرية بما يبعث على الدهشة والإعجاب!

في المرتفعات العسيرة المرتقى يتواجد ماعز الجبل الذي لا نظير لمهارته في تسلق الصخور والتنقل ما بينها بخفة ورشاقة كبيرين. كما توجد زهور وورود يندر وجودها خارج نطاق الألب. ومن هذه الزهور زهرة صفراء تدعى (آرنكا) محمية من القوانين السويسرية التي تحظر قطفها. وفي زيارة لجبال الألب استهوتني واحدة من تلك الزهور فقطفتها، لكن قيل لي "نحن لا نقطف هذه الزهور لأنها ذات صلة برمز البلاد ولأن القانون يحميها"

وليس من النادر أن تتواجد بقع من زهور الألب ذات الألوان الزاهية محاطة بأطر بديعة من الثلج الناصع. وبما أن المياه متوفرة بغزارة في تلك الجبال، وكون مساحات الرعي محدودة نسبياً، ونظراً لعبقرية السويسريين المشهود لها في الاستفادة من مواردهم الطبيعية فقد ابتكروا أساليب هندسية فذة لإيصال المياه إلى كل بقعة رعيّ – تقريباً – في الألب.

هذه الأساليب تتمثل في حفر قنوات طبيعية مفتوحة لري مساحات الرعي وسقي الأبقار القادرة على تسلق الجبال إلى ما فوق خط الأشجار! وإن أصيبت إحدى تلك الأبقار وعجزت عن المشي فلكم أن تتصوروا بقرة مدلاة من طائرة هليكوبتر منقولة إلى أحد مراكز الطب البيطري قصد العلاج.

يبلغ طول سلسلة جبال الألب حوالي السبعمائة ميل شرقاً وغرباً، بعرض مائة إلى مائة وثمانين ميلا. كما يبلغ معدل ارتفاع السلسلة من 6000 إلى 8000 قدماً فوق سطح البحر.

هناك أربع قمم بارزة هي مونت بلانك ومونتا روزا وماترهورن ويونغفراو. وهذه الشوامخ مكللة بعمائم طبيعية بيضاء زاهية على مدار العام.

وهناك عدة أنهار أوروبية تنبثق من قلب الألب بما في ذلك نهر الراين ونهر الرون الشهيران.

بالقرب من قرية سورنبرغ Sorenberg يوجد منتزه صغير مكرّس للسلام العالمي فيه آيات من الكتب السماوية من ضمنها آية من القرآن الكريم بالألمانية.

طلبت من أحدهم ترجمتها لي فقال، إن لم تخني الذاكرة: هذه العبارة تشير إلى ضرورة التقارب بين الناس لأن من يفعل الخير هو الأقرب إلى الله.

كان العلامة سليمان البستاني، مترجم الإلياذة شعراً إلى العربية، قد زار سويسرا سنة 1919 طلباً للاسترواح والإستشفاء ونظم فيها موشح "الشفاء" نقتطف منه الفقرات التالية:

هذي بلادٌ، يا لها من بلادّ
زيّنها معبودُها، والعبادْ!
من الجبال الشمِّ حتى الوهادْ،
ومن مجاري النهر إلى القفارْ
ومن عواري الصخور إلى الديارْ

أيدٍ تسابقنَ بسُبلْ العمارْ
وليس مَن مِنهنَّ ضلّ السبيلْ
معاهدٌ للعلمِ في كل نادْ
يؤمها الطلابُ من كلّ وادْ

مصانعٌ قد شيّدت باجتهادْ
ملاجئٌ لليتيمْ، وللفقيرْ
من وطنيٍّ مقيمْ، أو مستجيرْ
مستشفياتٌ بالعديد الوفيرْ
هيهاتِ في الدنيا لها من مثيلْ

والسلام عليكم

المصدر: موسوعات وموشحات أندلسية
  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 207 مشاهدة
نشرت فى 14 يونيو 2010 بواسطة wwwalzra3acom

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

532,279