في أحد المساجد كان هناك طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، اشتُهر بالشغب و(الفهلوة) و(الشيطنة)، وسمِّ ما شئت من ألقاب الفوضى وأوصاف اللعب.

فإذا أثير لغط أثناء الصلاة، فاعلم أن وراءه هذا الطفل، وإذا نشبت معركة بين الأطفال، فثِقْ أن من أشعلها هو صاحبنا؛ فهو - بالرغم من قصر قامته ونحافة جسده - زعيم العصابة، وقائد الشلة، والآمر الناهي في الأطفال!

وتوالت المشكلات التي سببها ذلك الطفل في المسجد، حتى صار مصدر إزعاج لكثير من المصلين الذين تباينت ردود أفعالهم.

فمن شاتم له، ومن منتقد لتربية والديه له، ومن طارد له خارج المسجد، ومن ضارب له؛ حتى وصل الأمر بأحد المصلين أن منع أبناءه من الحضور إلى المسجد، بحجة حمايتهم من التأثر بأخلاق وسلوكيات ذلك الطفل المشاغب!

ولكن الطفل لم يترك المسجد، بالرغم من موجات التعنيف والتوبيخ والتضييق التي لحقت به من المصلين، بل ظل ملازماً له؛ فقد كان المسجد متنفسه ومصدر سعادته ومتعته!

كان معظم المصلين قد اتخذوا موقفاً سلبياً تجاه ذلك الطفل إلا القلة القليلة، ومن هذه القلة شاب بدأ يتقرب إلى الطفل، ويتعرف عليه عن قرب، ويثني عليه أمامه، ويحاول امتصاص شحنات غضبه المنصبة على المصلين الذين يعنفونه والأطفال الذين يتشاجر معهم، ويحاول في الوقت نفسه توجيه حماسه وطاقاته المتقدة نحو العمل النافع.

وكان أن اقترح الشاب على الطفل أن يجمع له مجموعة من الأطفال في مثل عمره ليكوِّنوا حلقة لتحفيظ القرآن الكريم، فجمع له ذلك الطفل بعلاقاته ونفوذه وسط الأطفال مجموعة من الأطفال شكلوا لبنة تلك الحلقة.

وهكذا بدأت الحلقة، فانعقدت مرة واحدة في الأسبوع، وأبدى ذلك الطفل من خلالها نشاطاً عجيباً في حفظ القرآن الكريم، والتزاماً مدهشاً في الحضور!

وأثناء الحلقة، كان الشاب ينتهز الفرصة لتقويم سلوك الطفل الذي كان دائم الحديث عن مغامراته وانتقاداته للآخرين، سواء كانوا كباراً أو صغاراً.

فكان الشاب يستمع إليه بصبر وابتسام، ويحاول من خلال حواره مع الطفل أن يوجهه التوجيه الصحيح، بتسريب بعض القيم إليه، وتصحيح بعض المفاهيم، فهو يعلم أن الطفل المشاغب في العادة يحتاج إلى من يستمع إليه، ويحاول أن يعبر بشغبه وكثرة تحركاته عما يعجز عن التعبير عنه بلسانه؛ لذلك يحتاج إلى من يُشعره بأهميته، ويعزز ثقته بنفسه من خلال مدحه والثناء عليه، والتأكيد على أنه ليس طفلاً سيئاً، بل يمكن أن يفعل ما هو أفضل فينال تقدير الناس.

واستمرت تلك الحلقة ما شاء الله لها أن تستمر، وحفظ الطفل ورفقاؤه قرابة جزئين من القرآن الكريم، مصحوبين بجرعات مبسطة من الآداب والأخلاق.

ثم مرت السنوات، فانتقل ذلك الشاب إلى حي آخر، وعاد الطفل مع أبيه وأسرته ليستقر في مسقط رأسه في إحدى الولايات.

وفي أحد الأيام زار ذلك الشاب ذات المسجد الذي كان يرتاده قبل سنوات قبل أن ينتقل إلى حي آخر.

وبعد الفراغ من الصلاة جاءه فتى في مقتبل العمر فسلَّم عليه باسمه، فتطلع إلى وجهه وقد دهش لهذا الفتى الذي يسلم عليه باسمه دون أن يتعرف عليه، كانت قامته تميل إلى الطول، وعلى وجهه الصبوح وهيئته سمات الالتزام وعلامات الصلاح، إنه يشعر أنه يعرف هذا الفتى، ولكن للوهلة الأولى لم تسعفه الذاكرة.

ثم فجأة قفز اسمه إلى ذاكرته فسأله:

- فلان؟

- نعم

فعانقه في حرارة ثم قال:

- أتذكرني؟!

فقال الفتى مبتسماً:

- وكيف أنساكم؟!

فترقرقت الدموع في عيني الشاب، فقد كان الفتى الذي يقف أمامه هو ذات الطفل المشاغب الذي ملأ المسجد ضجيجاً وجلبة من قبل، وسأله وهو يحاول أن يتمالك نفسه حتى لا يبكي من الفرح:

- وأين تدرس؟

- أدرس في السنة الأولى في كلية الطب.    

- اللهم بارك 

حينها ازداد ذلك الشاب يقيناً بأن البذور التي تُدفن في باطن الأرض لا بد أن تينع وتثمر يوماً، وأن التربية والتقويم يحتاجان إلى صبر وحكمة، وليس إلى فظاظة وقمع، لا كما فعل ذلك الرجل الذي منع أبناءه من المسجد، فلم يبلغوا بذلك المنع ما بلغه ذلك الطفل المشاغب الذي لازم المسجد، فوجد من يوجهه الوجهة الصحيحة، فانتفع بحضوره، ليجمع بين خيري الدنيا والآخرة:

الالتزام الديني والأخلاقي، والمركز الاجتماعي المرموق حين أصبح طالباً في كلية الطب؛ ففي حضور الطفل إلى المسجد خير في كل الأحوال، ومهما كان مشاغباً أو مزعجاً، فسيجد من يأخذ بيده يرشده إلى طريق الخير.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 35 مشاهدة
نشرت فى 21 إبريل 2019 بواسطة wshatnawi

ساحة النقاش

Wael Shatnawi

wshatnawi
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

43,374