خواطـر مسافر
=======
كانت السيارة تنهب الطريق نهباً متوجهة إلى القاهرة ولأننى لست من ذوى القدرة على النوم فى السفر لم يكن هناك بدٌ من قضاء الست ساعات الفاصلة بينى وبين مأربى فى تأمل ما أراه فى طريقى ...
كل ما أراه الآن سكون فى سكون فى سكون لا يقطعه سوى صوت السيارة التى تبدو وكأنها تسابق الزمن للوصول إلى القاهرة حتى تستريح لساعات ثم تعاود نفس الرحلة عائدة مرة أخرى من حيث بدأت دون كلل أو ملل .
على جانبى الطريق اختلفت البيوت والمنازل فى الشكل والمساحة والتصميم ، فترى بناية شاهقة ، او منزل ريفى بسيط ،أو منزل قيد الانشاء ، أو فيلا فخمة ، او ...او ...الخ .
كل الأبواب مغلقة ...وكل من خلف الأبواب يغطون فى سبات عميق ...بعد انتهاء يوم طويل مع اختلاف التفاصيل فخلف هذا الباب يرقد ( عبد العظيم ) وقد أنهكه التعب بعد يوم شاق فى مكتبه متفانياً فى عمله محارباً للفساد المستشرى من حوله ، محتملاً لنقد زملائه الذين اعتادوا الصمت فى كل الأحوال ..معتبرين أن عبدالعظيم هو الحالة الشاذة – رغم أنهم جميعاً خطأ وهو وحده على صواب –
-(نهى ) التى طال يومها وهى تتنقل مع زوجها من طبيب إلى طبيب ومن بلد إلى بلد بحثاً عن علاج للعقم بعد أن أخبرها معظم الأطباء أن الأمل ضعيف جداً ..وها هى تضع رأسها على وسادتها تغالب دموعها بين الأمل والرجاء تدعو الله بألا يكتب عليها الوحدة الأبدية وقد اشتاقت لصوت طفل فى منزلها الموحش....!!!
- ( زينب ) : تلك الأم الثكلى التى توفى ابنها وزوجته فى حادث سيارة ...وتركا لها خمسة من الأطفال فى مراحل عمرية مختلفة ...فقلبها يعتصر لفراق ولدها وعقلها يعتصر فى البحث عن موارد تكفى لسد حاجات الأحفاد ....
- ( كريم ) الشاب الذى بات يحلم بأن يكون لاعب كرة مشهور ..وامتلأت جدران غرفته بملصقات وصور لأبوتريكة وجدو ...
- (حنان) الزوجة المطحونة التى تنتظر المساء بفارغ الصبر لترتاح من كم المعاناه الغير عادى مع أطفالها طوال يوم عصيب فى تجاهل تام من زوجها الذى لا يعبأ بأسرته ، كل ما يفعله جلسات الفرفشة مع أصدقائه بالمقهى المجاور لمنزله ...
-( قرنى) : اللص التائب الذى يبحث طول اليوم عن عمل يقتات منه ولكن تلك السابقة التى أودت به للسجن 5 سنوات تلاحقه فى كل مكان يذهب إليه ...كما لو كان المجتمع يرفض توبته بشدة رغم أن الله غفور رحيم ...
- ( ليلى ) تلك الفتاه الرومانسية التى غلبها النوم بعد ليلٍ طويل وهى تفكر فى اليوم الذى سوف يجمعها القدر مع حبيبها ، ليجتمعا معاً دون خوف من لوم زملاءهما فى الجامعة ..
- (فارس ) الطفل ذى التسع سنوات نام مبكراً ليحلم باللعبة التى وعده بها والده ...
- (رمزى ): الذى يحاول بنومه الهروب من جحيم الخلافات مع زوجته التى تطالبه ليل نهار بما يفوق امكاناته المادية ...فزميلاتها فى العمل يمتلكن سيارات فارهة ومجوهرات ويذهبن للمصيف فى مكان مختلف كل عام ..وهى ليست أقل منهن فى شيء ...ولكن من أين يا زوجتى العزيزة ...سأنام أفضل.
أسماءٌ وأسماء ...أشياء ٌوأشياء ...قصصٌ وقصص ...تتوارى خلف تلك الأبواب المغلقة ...أناس يبدأون أولى أيام حياتهم ...وآخرون يلملمون شتاتهم استعداداً للرحيل ..تاركين من خلفهم من سيكمل المسيرة ...أمام المنازل بقايا أفراح انتهت منذ قليل وذهب كل إلى حاله ....وهناك سرادق عزاء نصب لآخرين ...وتلك خطوط طباشيرية رسمها أطفال فى مرح ولهو دون أن يعلموا ماذا تخبيء لهم الحياة غداً ...
بدأت الشمس فى الظهور ..وبدأت الحياة تدب ..وتحرك الجميع لممارسة طقوس يومهم المعتادة لينقضى عليهم يوم جديد قد يحمل مفاجئات جديدة ...وقد يسير على نفس منوال اليوم السابق لينتهى اليوم بهذا الصمت المطبق ..وبالموت الأصغر ...
ولا زالت السيارة تسير فى طريقها ...ولازالت الحياة تستمر بين ابتسامة ..وألم.. وحنين.. وضجر..وانتظار ...وخوف ....و... و...و حتى النهاية .

