النظام السياسي الفرنسي
النظام السياسي الفرنسي
من الثورة الى الجمهورية الخامسة
(1789- 2007)
يوسف العاصي الطويل
مقدمه
يعتبر النظام السياسي الفرنسي من النظم العريقة في العالم بسبب التجارب الغنية التي مر بها هذا النظام عبر تاريخه الطويل، والاثر الذي تركه على كثير من النظم السياسية لدول اخرى حيث استفادت دول كثيره من هذه التجربة الغنية في رسم معالم نظامها السياسي وبالذات في عالمنا العربي، وحتى التجربة الفلسطينية الوليدة استفادت من هذه التجربة.
وفي دراستنا للنظام السياسي الفرنسي الحديث والمعاصر سنتناول نشأته وتطوره اعتباراً من الثورة الفرنسية عام 1789 وحتى الآن، اى من الجمهورية الاولى حتى الجمهورية الخامسة، محاولين ابراز تطور هذا النظام دستورياً وسياسياً، وكيف تقلب هذا النظام بين انظمة حكم ودساتير متعددة، فانتقل من الحكم الملكي الاستبدادي المطلق الى الجمهورية ثم الحكم الامبراطوري الديكتاتوري، وعاد مره اخرى الى الحكم الملكي المستنير فالى الجمهورية والامبراطورية مره اخرى، واستقر في النهاية على الحكم الجمهوري.
وشهد خلال فترة تطوره عدة ثورات رئيسية 1789- 1814- 1830-1848، وصراع مرير بين انصار الملكية والجمهورية والامبراطورية، نتج عنها صراع داخلي بين طبقات المجتمع وتدخل خارجي واحتلال لفرنسا من الدول المجاورة التي سعت لنصرة طرف على اخر حماية لمصالحها او خوف من امتداد الثورة اليها.
وخلال تطور هذا النظام حقق الشعب الفرنسي كثير من المنجزات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ورسخ مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة وحقوق الانسان والتي دونتها في دساتيره المختلفة، حتى اصبح اعلان حقوق الانسان والمواطن يحتل بداية دستور الجمهورية الخامسة.
وفي تناولنا لتطور النظام السياسي الفرنسي لم ننسى الاشارة الى دور الافكار والفلسفات في تطور هذا النظام والتي كان لرواد فلسفة التنوير (فولتير، منتسكو، روسو) الدور الاكبر في وضع الاسس وتحريض المواطنين للحصول على حقوقهم وحرياتهم، حيث امتد تإثير هذه الافكار الى خارج فرنسا والهمت شعوب كثيره للتحرر من الطغيان .
والمنهج الذ سنتبعه في هذه الدراسة هو المنهج التاريخي، والذي يعني استخدام المنهج الوصفي التحليلي على اعتبار اننا ازاء ظاهره تاريخية ممتدة لفترة ثلاث قرون تحتاج الى رصد الحدث ووصفه ثم تحليل الحدث ونتائجه على تطور النظام السياسي الفرنسي.
والدراسة مقسمه الى مبحثين رئيسيين :
المبحث الاول : من الثورة وحتى الجمهورية الخامسة (1789-1946) حيث عرضنا الى الثورة الفرنسية (اسبابها- نتائجها) ثم تتبعنا تطور النظام السياسي الفرنسي خلال الجمهوريات الاربعة التي تبعت الثورة، محاولين توضيح الانجازات التي تحققت
المبحث الثاني : الجمهورية الخامسة: ان الهدف من افراد مبحث خاص للجمهورية الخامسة كان بسبب الرغبه في عرض موسع لتفاصيل النظام السياسي الفرنسي الحالي (ظروف النشأة – السلطات العامه"تنفيذية- تشريعية-قضائية"- النظام الحزبي والاحزاب الرئيسية)
وفي النهاية لم ننسى ان نختم بخلاصه لهذه الدراسه موضحين دور الافكار والزعماء في تطور هذا النظام والتحديات الجديدة التي تواجهه وبالذات الدعوات العنصرية وميل جزء من الشعب الفرنسي الى الانغلاق والانكفاء على نفسه بما يخالف المبادئ التي قام عليها النظام. كما ان الازمة الاقصادية والظلم الاجتماعي الذين كانا من العوامل الرئيسية لقيام الثورة الفرنسية والتي عملت الدساتير المختلفه على وضع علاج لهما، نجد انهما لازالا حاضرين في الجمهورية الخامسة وبحاجه الى نظره جديدة من المفكرين والسياسيين لوضع الحلول الناجعه لها تماشياً مع المبادئ الذي ارساها النظام السياسي الفرنسي عبر تاريخه .
المبحث الاول
من الثورة حتى الجمهورية الخامسة (1789-1946)
تمهيد
فرنسا هي بلاد واقعة في أوروبا الغربية، وتتكون من مجموعة جزر وأراضٍ وراء البحار، وتمتد فرنسا من البحر الأبيض المتوسط إلى القناة الإنجليزية وبحر الشمال، ومن نهر الراين إلى المحيط الأطلسي، وبسبب شكلها تعرف فرنسا من قبل الفرنسيين "بالسداسي". وهي مجاورة للمملكة المتحدة، بلجيكا، لوكسمبورغ، ألمانيا، سويسرا، إيطاليا، موناكو، أندورا، وإسبانيا. وتشترك الجمهورية الفرنسية في حدود الأرض أيضاً في الخارج مع البرازيل، سورينام، وجزر الأنتيل الهولندية. وفرنسا هي إحدى الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوربي، وهي الأكبر مساحة من بينهم وعضو مؤسس للأمم المتحدة وإحدى الأعضاء الدائمين الخمسة لمجلس الأمن، وهي أيضاً إحدى البلدان الثمانية المقرة بالقوة النووية.
وقد جاء الاسم فرنسا من إمبراطورية الفرنجة، القبيلة الجرمانية التي احتلت المنطقة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، وبالتحديد المنطقة حول باريس التي كانت مركز السيادة الملكية الفرنسية. وغالبية السكان من الفرنسيين ويعتنقون الديانة المسيحية الكاثوليكية. وتحتل فرنسا الحالية أغلب المساحة التي قامت عليها بلاد غالة التي أصبحت مقاطعة رومانية ثم جاءت القبائل الجرمانية إلى المنطقة حوالي القرن الرابع للميلاد واستقرت فيها احدى هذه القبائل والمعروفة باسم الفرنجة، ومع زوال الإمبراطورية الرومانية أعطت هذه القبيلة اسمها للبلاد (فرنسا) فيما بعد.
توحدت المنطقة التي تشملها فرنسا اليوم لأول مرة سنة 486 م عندما قام الملك كلوفيس الأول بلم شمل القبائل الجرمانية تحت لواء قبيلة الفرنجة وضمت المملكة الجديدة قبائل عدة، وبعد الوحدة انشطرت المملكة (والتي كانت تسمى بلاد غالة) إلى ممالك، حكم كل منها أحد أبناء عائلة الميروفنجيين، ثم حلت سلالة الكارولنجيين محل الميروفنجيين منتصف القرن الـ8 للميلاد وقامت بتوسعة أراض المملكة، ثم أصبحت إمبراطورية عندما قام البابا ليو الثالث بتتويج شارلمان امبراطوراً عظيماً على الرومان في عام 800م . وبعد موت الأخير قسمت مملكته من جديد ولكن في عام 842 م قام أحفاد شارلمان بالتوقيع على وثيقة حلف ( شتراسبورغ)، حيث يعتبر بعض المؤرخين في فرنسا هذه الوثيقة عقد الميلاد الرسمي لبلاد فرنسا (و ألمانيا كذلك). وقد حكم أبناء شارلمان أو الكارولنجيون مملكة الفرنجة حتى سنة 987 م. وفي هذه السنة تم تتويج الدوق هوغ كابيت ملك للبلاد وحلت بذلك سلالة جديدة هي سلالة الكبيسيون، حيث قام أحفاد الأخير بتوسيع رقعة الأراضي الملكية وأحكموا دعائم الدولة الجديدة ومنذ القرن الـ12 م. حكمت السلالة الكبيسية فرنسا بطريقة مباشرة أو عن طريق فروع أخرى حتى قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 م.
عصر التنوير
لا يمكن الحديث عن الثورة الفرنسية وبداية نشؤء النظام السياسي الفرنسي الحديث بدون الحديث عن عصر النهضة وحركة الاصلاح الديني بشقيه (الكاثوليكي والبروتستانتي) وما احدثته من تغيير جوهري في التكوين الاوروبي على كافة الصعد بعد فترة حروب دينية دامية ادت الى تقلص نفوذ الكنيسة الكاثوليكية والدعوة الى التسامح الديني وظهور النزعات القومية التى سعت للتحررمن قبضة روما، نتيجة لظهور كثير من المفكرين والفلاسفه الذين بدؤوا يخوضون في موضوعات فكرية وعلمية كانت ممنوعه من قبل الكنيسة. والواقع ان حركة التنوير لم تكن مرتبطة ارتباطاً دائماً بأية مدرسة فلسفية معينة، وانما كانت نتيجة الصراعات الدينية الدموية غير الحاسمة التي شهدها القرنان السادس عشر والسابع عشر، مما دفع كثير من الفلاسفة والمفكرين الى الدعوة الىالتسامح الديني، حيث كان هذا المبدأ مستحباً عند لوك وسبينوزا, وفي الوقت ذاته كان لهذا الموقف الجديد في مسائل الايمان نتائج سياسية بعيدة المدى. ذلك لانه كان لابد من ان يقف في وجه السلطة الجامحة في اى ميدان. فحقوق الملوك الالهية لا تتمشى مع التعبير الحر عن الآراء حول الدين .
وفلسفة الأنوار هي حركة فكرية ظهرت في النصف الأول من القرن 18 وأعادت الاعتبار للعقل، وجعلت منه الموجه الأساسي للفكر منتقدة هيمنة الكنيسة والاستبداد ونادت بالحرية والمساواة، واعتمدت فكرة فصل السلطات (تشريعية، تنفيذية، وقضائية). ومن بين أهم ملامح هذا الفكر ما خلفه مونتسكيو في (روح القوانين) سنة 1748، وفولتير في (القاموس الفلسفي) سنة 1771، وجان جاك روسو في (العقد الاجتماعي) سنة 1762، حيث رفع هؤلاء جميعاً شعارات عن المساواة والاخوة والحرية، وكان لهم أثر كبير في توجيه الأنظار بقوة الى ان النظام الملكي وتحكم الارستقراطية في ثروة البلاد أصبح نظاماً قديماً لا يليق بفرنسا .
ففولتير - الذي كان مزاجه فلسفياً- جاءت اغلب كتاباته الادبية فلسفية المنحى والتناول، واوقعته في صدام مع الملكية والاقطاع والكنيسة واعتقل بسببها مرتين وامضى من حياته خمسة عشر عاماً منفياً من باريس، وثلاثين سنه منفياً من فرنسا ، وعمل خلال كتاباته على توجيه انتقادات لاذعه لنظام الحكم في فرنسا ولطبقة الاكليروس (رجال الدين)، وطالب بتوحيد القوانين ومساواة الناس جميعهم ازائها، وبازالة كافة القيود المفروضة على حركة التجارة الداخلية وغيرها من القضايا التي عمل من خلالها على تقويض النظام بحيث اصبح الشعب الفرنسي يتطلع لنظام جديد يختلف كلياً عن النظام القديم الذي وصفه احد الاساقفه الفرنسيين بقوله: ان بيت الرب مخصص لثلاث فرق، الاولى تصلي فيه، الثانية تحارب فيه، الثالثة تعمل فيه" هكذا كان العالم المسيحي في العصور الوسطى الباكرة مقسماً الى ثلاث طبقات اجتماعية هي : رجال الدين، والنبلاء، وعامة الناس .
لقد كان النظام القديم يقوم على اساس الملكية المطلقة التي تحكم باسم (الحق الالهي) وان الملك هو الحاكم الاعلى المفوض من قبل الله، ومن ثم فلا بد للشعب ان يحترم الملك وان يطيعه ولا يتمرد عليه، ولكن ظهرت افكار الفيلسوف الانجليزي لوك حيث دعا الى تقييد سلطات الملك واعطى الشعب الحق في الثورة اذا تجاوز الملك حدوده . وقد انتقلت هذه الافكار الى فرنسا وكان داعيتها – ولكن بشكل معدل- مونتسكو الذي حاول ان يضع امام الناس نظاماً يقوم على اساس احترام حرية الفرد ويقيد سلطات الحاكم، ويربط عمل الحكومة بمصلحة الشعب ككل لا بمصلحة الملك والارستقراطية. وهذا النموذج هو ما كان الشعب يبحث عنه ويريده. حكم يقوم على اساس الحرية واساسه الدستور والبرلمان المنتخب والملك المقيد السلطات .
واذا كان فولتير قد هز كيان النظام القديم، فها هو منتسكيو يضع نظاماً بديلاً لذلك النظام القديم. اما رسو فقد ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، فهو يرى ان الافراد الذين يكونون مجتمعاً انسانياً يفعلون ذلك بمقضى عقد اجتماعي فيما بينهم ويجدون انه لكي تستقر الامور في مجتمعهم يجب ان تكون هناك سلطة عامه او ارادة عامة يخضعون جميعاً لها ويساهمون فيها على قدم المساواة، ومن هنا ظهرت الدولة على اساس العقد الاجتماعي الذي ابرمه افراد المجتمع. والحاكم هنا يحكم بصفته وكيل عن الامه وعليه ان يلتزم بما تريده الامة. واذا انحرف عن ذلك عزل من منصبه. ومن ثم فرسو ينكر أن يكون هناك حاكم يستمد سلطاته من مصدر غير الأمة، وبذلك حطم نظرياً النظام القديم ورفع من شأن الفرد، وجعل المساواة اساس المجتمع، ولهذا كان في نظر رجالات الثورة الفرنسية نبيها والداعي لها .
الثورة الفرنسية
كان عصر التنوير في جوهره عودة الى تقدير النشاط العقلي المستقل، يستهدف –بالمعنى الحرفي- نشر النور حيث كان الظلام يسود من قبل ، وبهذا العصر تفتتح الثورة الفرنسية عام 1789 صفحات من التجارب الدستورية لم تتح لاية دولة في العالم في تاريخها الحديث وقد بلغ غنى هذه التجارب ان فرنسا عرفت خلال هذه الحقبة نحواً من عشرين دستوراً وطبقت منها عشرة دساتير ودام واحد منها (دستور 1875) خمسة وستون عاماً وتقلبت خلال ذلك كله بين الملكية والجمهورية والامبراطورية وبين النظام الرئاسي والتأسيسي والنيابي، على انها خلا ذلك كله أيضاً كانت ما تنفك تنشد مثلً أعلى في الديمقراطية على ضوء تجربة جديدة، وكانت كل تجربة ولو فشلت تخلف آثارها .
لقد شكلت الثورة الفرنسية تحولاً أساسياً في التاريخ الفرنسي والأوربي وفي إقرار الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهي حدث تاريخي مهم بدأ على شكل انقلاب سياسي في فرنسا(1789) وأثر في العالم كله. ويختلف المؤرخون كثيراً في أسبابها، فيرى بعضهم أنها حركة عقلية نشأت من حركة الاستنارة الحرة في القرن الثامن عشر، ويرى آخرون أنها ثورة الطبقات المحرومة من الامتيازات ضد الطغيان الاقطاعي، ويرى غيرهم أنها توطيد لسلطة البورجوازية الرأسمالية الحديثة ضد نظام اقتصادي واجتماعي مقيد وعتيق. وقد تعددت أسباب ومراحل الثورة الفرنسية ويمكن اجمال اسبابها في الآتي:
1 ـ الإطار الفكري والأسباب السياسية: عرف القرن 18م بفرنسا قيام حركة فكرية تميزت بنبذ اللامساواة، ونشرت أفكار جديدة تنتقد النظام القديم وامتيازات النبلاء وتعصب رجال الدين، ولذا سميت هذه الفترة بعصر الأنوار. فقد تميز نظام الحكم في فرنسا قبل الثورة باستحواذ الملك والنبلاء والإكليروس (رجال الدين) على الحكم في إطار ملكية مطلقة تستند إلى التفويض الإلهي مع عدم وجود دستور يحدد اختصاصات السلطات.
2 – الأسباب الاقتصادية: اعتمدت فرنسا على النشاط الزراعي، حيث استحوذ رجال الدين والنبلاء على أخصب الأراضي وفرضوا على الفلاحين كل أشكال السخرة والضرائب رغم توالي مواسم زراعية رديئة منذ سنة 1786كما عانت الصناعة الناشئة من منافسة البضائع الإنجليزية، مما ادي الى خواء خزينة الدولة.
3 - الاسباب الاجتماعية: تشكل المجتمع الفرنسي من ثلاث طبقات متفاوتة، أهمها رجال الدين والنبلاء المتميزة بكافة الحقوق، أما الطبقة الثالثة التي تمثل 96 % من السكان فتشكلت من الفلاحين الصغار والفئات الشعبية والبورجوازية التي كانت غنية وطموحة لكنها محرومة من المشاركة السياسية.
محاولات الإصلاح: عين الملك مراقبين إصلاحيين حاولوا سن إصلاحات تهدف القضاء على العجز المالي منها اللامساواة في فرض الضرائب وجعلها على أساس الأرض وليس حسب الأشخاص وتوحيدها في كل فرنسا، ثم رفع الحواجز الجمركية، وتحرير تجارة الحبوب، وجعل تقلد المناصب من طرف كل الرعايا، حيث أثارت هذه الإصلاحات ردود فعل الأرستقراطية التي امتنعت عن تطبيقها ورفضت أداء الضرائب وقامت بمظاهرات طالبت بانعقاد الهيئات العامة باعتبارها المؤسسة العليا للبث فيها.
مراحل الثورة الثورة الفرنسية: دامت الثورة الفرنسية عشر سنوات، ومرت عبر ثلاث مراحل أساسية:
1. مرحلة إقامة ملكية دستورية (1789-1792):أمام الأزمة المالية والإصلاحات المقترحة ومطالبة الهيئات بجمع المجلس اضطر الملك إلى عقد هذا المجلس 5 مايو 1785 وكان كل طرف فيه يسعى إلى تحقيق هدف من جمعه: فالنبلاء والإكليروس كانوا يرغبون بالتصويت بواسطة الهيئة الثالثة (ممثلي عامة الشعب) لإلغاء محاولة الإصلاح، والهيئة الثالثة تطالب بتصويت الأفراد لأنها تتوفر على أكبر عدد منهم. اما الملك فيهدف إيجاد حل للأزمة بزيادة الضرائب. وتشبث كل طرف برأيه، فأعلنت الهيئة الثالثة انسحابها من المجلس وتأسيسها الجمعية الوطنية 17 يونيو1789 واحتلال سجن الباستيل، وإلغاء الامتيازات الاقطاعية، وإصدار بيان حقوق الإنسان ووضع أول دستور للبلاد.
فحكومة فرنسا الملكية بعد ان افلست وخوت خزائنها في سنة 1789 لجأت الى دعوة البرلمان الذي لم يدع الى الانعقاد منذ 1614، سعياً الى كسب موافقته على فرض ضرائب جديدة. ولكنها بعملها هذا حشدت تحت قبة البرلمان كل من آمنوا بآراء (رسو) وتعاليمه فأسفر هذا الحشد عن قيام "الجمعية الوطنية" . ولكن الملك اعلن عدم الاعتراف بالجمعية الوطنية وحاول استعمال القوة مما ادى الى انفجار الثورة في باريس وتكوين حرس وطني ومهاجمة البلدية ومخازن الأسلحة وكذا مهاجمة سجن الباستيل وتحرير معتقليه في 14 يوليو 1789 . وفي الأقاليم امتنع الناس عن دفع الضرائب وقاموا بمهاجمة القصور والأديرة، مما ادى الى انتشار دعر كبير. وتخوف قادة البورجوازية من إفلات الزمام من أيديها فجمعت الجمعية الوطنية لإصدار عدة قرارات في اغسطس 1789 اهمها إلغاء النظام الاقطاعي, إلغاء الضرائب والأعشار, كما تبنت الجمعية الوطنية إعلان حقوق الإنسان والمواطن في 26 اغسطس1789 (الحرية- الأمن- الملكية الفردية محاربة الظلم- مقاومة الظلم- حرية التعبير- حرية التدين- المساواة- المساهمة في إعداد القانون- حق الوصول إلى المناصب العليا- الحد من سلطات الملك- السيادة للأمة- وضع دستور يفصل بين السلطات، حيث كان رد الملك إيجابيا على هذه القرارات بسبب الضغط الشعبي فوافق عليها في نوفمبر 1789.
وفي عام 1791 تم وضع دستورجديد صادقت عليه الجمعية الوطنية ويتضمن مبدأ انتخاب كل الهيئات باستثناء الوزراء، ولكن يقصر الانتخاب على المواطنين الفاعلين، وجعل السلطة التشريعية في يد الجمعية الوطنية، والسلطة القضائية في يد قضاة منتخبون، اما السلطة التنفيذية ففي يد الملك والوزراء. وقد صادق الملك بمقتدى الدستور وأقسم اليمين على احترامه يوم 3 اغسطس 1791 وبذلك قامت ملكية دستورية أصبح فيها القانون فوق الملك. ولكن الملك عجز عن التكيف مع الأوضاع الجديدة ودبر محاولة الهرب بتنسيق مع قوات أجنبية لكن أمره انكشف، فنتج عم ذلك إعلان الحرب ضد الأجنبي،وثم القبض على الملك في اغسطس1792..
المرحلة 2 (بين 10 اغسطس 1792 و يوليو 1794 (قيام نظام جمهوري (الاولى)
بعد القبض على الملك ثم في سبتمبر 1792 أنشاء المؤتمر الوطني لإعداد دستور جديد وضم تيارين، المعتدلون وهم يرغبون في إيقاف مسلسل الثورة، والمتشددون وهم بورجوازيون صغار تبنوا أفكار عامة الشعب أبرزهم روبسبير حيث اتفقوا جميعا على إلغاء الملكية ولكنهم اختلفوا حول مصير الملك لكن فريق روبسبير تغلب وأعدم الملك في 21 يناير1793، واعلنت الجمهورية، حيث أثار ذلك سخطا داخليا وخارجيا ضد الثورة, انضاف إلى المشاكل الاقتصادية ( قلاقل واضطراب المدن والبوادي بسبب الوضعية الاقتصادية). وفي يونيو 1793 اعتقل قادة المعتدلون وأصبح المتشددون مسيطرين على المؤتمر وأعدوا دستورا جديدا أعطى حق التصويت لكل المواطنين وأسسوا حكومة ثورية بزعامة روسبير أصدرت عدة قرارات أهمها وضع حد أعلى للأسعار وحد أعلى للأجور وقانون المشتبه بهم الذي ارتبطت به أفظع أهوال الثورة الفرنسية، مما اثار دعر كبير في فرنسا نتج عنه تحرك بعض البورجوازيين في المؤتمر الوطني ضد روسبير الذي أصبح دكتاتورا مطلقا، وحاولوا اغتياله ولكن المحاوله فشلت، ولم يكد يمضى شهر حتى تآمروا عليه مره اخرى واقتيد الى السجن, وحكم عليه بالاعدام لتقطع رأسه على المقصلة كما قطع هو نفسه آلاف الرؤوس من قبل.
المرحلة 3 (27 يوليو 1794-9 نوفنبر 1799 (عودة المعتدلون إلى الحكم:
بعد التخلص من روسبير وضع حد للرعب او لحكم الارهاب وتمت العودة إلى الحرية الاقتصادية ووضع دستور جديد للجمهورية وأسست (حكومة الادارة) لتفادي العودة إلى الديكتاتورية ووزعت السلطة بين الجمعية الوطنية ومديرين يسيرون الحكومة. ولكن برزت عدة صرا عات أظهرت حكومة الإدارة ضعيفة ولم تستطع مواجهة المشاكل الخارجية والداخلية فلجأت البورجوازية إلى الجيش. وفي 9 نوفنبر 1799 نظم الجنرال نابليون بونابرت انقلاب بمساعدة أحد المديرين وبذلك انتهت تجربة الجمهورية الاولى وانتهت أيضا الثورة الفرنسية .
نتائج الثورة الفرنسية:
1 ـ النتائج الساسية: حل النظام الجمهوري بدل الملكية المطلقة، وأقر فصل السلط وفصل الدين عن الدولة والمساواة وحرية التعبير ووضع حد للاستبداد وثم وضع دستورجديد واعلان حقوق الإنسان وتوحيد فرنسا سياسيا و اقتصاديا وإداريا ولغويا.
2 ـ النتائج الاقتصادية: تم القضاء على النظام الاقطاعي، وفتح المجال لتطور النظام الرأسمالي وتحرير الاقتصاد من رقابة الدولة وحذف الحواجز الجمركية الداخلية، وأصبحت الميزانية تقترح من طرف الحكومة ويصادق عليها البرلمان.
2 ـ النتائج الاجتماعية: تم إلغاء امتيازات النبلاء ورجال الدين ومصادرة أملاك الكنيسة، كما أقرت الثورة مبدأ مجانية وإجبارية التعليم والعدالة الاجتماعية وتوحيد وتعميم اللغة الفرنسية وانفصلت الكنيسة عن الدولة وأصبح الطلاق مباحا والقضاء مجاني وهو من مهام الدولة.
واذا كان لنا ان نقيم الثورة الفرنسية فانه يمكن القول بانها مثلت تحولا كبيرا في تاريخ فرنسا الحديث، وأثرت في باقي المجتمعات الأوربية، هذا بالرغم من انها غرقت في دماء الارهاب وظلماته الا انها اورثت القرن التاسع عشر الحرية والمساواة والاخاء، لتقوم فيما بعد على اسس امتن من تلك التي عجز الثائرون عن اقامتها .
نابليون والإمبراطورية (1799-1814):
قام نابليون بونابرت بالانقلاب على (حكم الادارة) في 9 تشرين الأول عام 1799، ليصبح بعدها الامبراطور نابليون الأول، حيث ثم وضع دستور جديد جعل من نابليون كل شئ وارادته هي العليا، حيث طرح هذا الدستور على الشعب فاقره بالاكثرية نظراً للشعبية التي احاطت بالقائد بونابرت بسبب انتصاراته على الجيوش المعادية في المعارك التي قادها. وحاول نابليون الحصول على مزيد من الصلاحيات بتعديل الدستور حيث استفتى الشعب مره اخرى لاستحداث امبراطورية ارثية فوافق الشعب على ذلك، وفي عام 1908 عدل الدستور تعديلاً جديداً فالغي منه مجلس القضاء، وحاول نابليون ان يجعل الدستور يقوم على اساس الامبراطورية التمثيلية المتحررة وطرح هذا التعديل للاستفتاء ولكن معركة واترلوا افشلت ذلك وانتهى حكم نابليون، ولكن اثره على فرنسا واوربا ظل باقياً، حيث اتبع نابليون سياسة فتوحات عسكرية.وإعادة تنظيم إداري، قانوني وتعليمي مازال معمول به جزئياً حتى اليوم في فرنسا، كما ان انتصاراته نشرت مبادئ الثورة، وفي ذات الوقت بعثت من مرقدها الروح القومية في الشعوب التي قهرها نابليون .
1814 وعودة الملكية (لويس الثامن عشر)
بعد هزيمة نابليون في معركة الأمم عام 1813م ثم احتلال باريس في 21 مارس عام 1814م وأبعد نابليون إلى المنفى وأعيدت العائلة المالكة إلى العرش حيث نصب لويس الثامن عشر ملكاً على فرنسا، ولكن لم تمض فترة طويلة حتى تدهورت شعبيته لأنه ارتد عن منجزات الثورة والتفّ حوله كل المعادين للثورة الفرنسية ومبادئها وهذا مهد الطريق لعودة نابليون بعد تمكنه من الهرب من السجن، حيث هرب لويس الثامن عشر خارج البلاد فهب الحلفاء مرة أخرى لنجدته وهزموا جيش فرنسا في معركة واترلو عام 1815م، وأبعد نابليون عن فرنسا واعادوا لويس الثامن عشر الى الحكم مره اخرى. واصبح الحكم يقوم على عهد ومنحه من الملك للشعب يتم بمقتضاه انشاء سلطة تشريعية، ولهذا فان من اهم انجازات هذه الفترة هو انه لاول مره يسمح بقيام النظام النيابي وسيره في فرنسا اذ قبل ذلك لم تعرف فرنسا غير أنظمة قائمه على فصل السلطات .
وهكذا لم يستطع لويس الثامن عشر أن يعود بفرنسا إلى العهد القديم بشكل كامل لأن الفرنسيين بعد أن تعودوا على بعض المكتسبات وذاقوا طعم الحريات ودفعوا ثمنها من دمائهم أثناء الثورة الفرنسية ما كانوا مستعدين للتراجع عنها، وهذا يعني أن الفرنسيين إذا كانوا قد قبلوا بعودة الملك لويس الثامن عشر إلى الحكم فإن ذلك كان على أساس أنه حكم ملكي دستوري لا ملكي إطلاقي أو استبدادي كما كان عليه الحال في السابق .
عهد 1830(شارل العاشر)
فى عام 1824 توفى لويس الثامن عشر وخلفه اخوه شارل العاشر الذي رفض النظام النيابي بالاضافة الى انه كان محافظا جدا وأراد تسليط سيف الرقابة على كل الجرائد والمطبوعات. فاندلعت ثورة عارمة في 1830 في وجهه اضطرته إلى الهرب من البلاد حيث انتهت الثورة الى ملكية دستورية تقوم على عهد جديد هو عهد 1830 الذي يختلف عن عهد 1814 بانه لم يكن منحه صدرت بارادة الملك الوحيد الطرف وانما هو عقد بين الملك الذي قبل به وبين الامه التي صوتت عليه بلسان ممثليها. وقد توسعت الحقوق المعترف فيها كحرية الصحافة والغاء الدين الكاثوليكي للدولة وكان عهد 1830 سبيلاُ لتقوية النظام النيابي في فرنسا .
الجمهورية الثانية ( 24/2/1848 ـ 2/12/1852).
تبدأ هذه المرحلة بثورة شباط 1848 بسبب النزاع بين الحكومة التي ابت توسيع حق الانتخاب وبين الرأي العام فكان ان قامت المظاهرات والاضرابات ونزل الملك عن العرش واعلنت الجمهورية. ورغم كل الصعوبات التي اعترضنها الا انها حققت بعض الانجازات واعتبر الاقتراع العام شرعيتها وتم في عهدها وضع دستور جديد في 4 نوفمبر 1848، الذي الغى عقوبة الاعدام وانُتخبت جمعية وطنية لمدة 3 سنوات, بالاقتراع العام, للذكور البالغين 21 عاما المتمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية, كما انتخب رئيس الجمهورية, لويس نابليون بونابرت, لمدة 4 سنوات, بنفس الطريقة. دون أن يكون لأي منها سلطة على الآخر. وكانت ثورة 1848 جمهورية ديمقراطية واجتماعية ، وكانت نتيجه ضرورية لما تمخضت عنه الثورة الصناعية من اعطاء حق الانتخاب للطبقة الوسطى، وتدعيم الديمقراطية الحديثة التي تمثلت في طبقة جديدة- طبقة العمال- الذين ظلوا يطلبون المزيد من التمتع بالحقوق السياسية .
الإمبراطورية الثانية في 2 ديسمبر 1852 .
يعيد التاريخ نفسه في فرنسا فكما ان اول جمهورية فيها انتهت بالامبراطورية فان الجمهورية الثانية عام 1848 تنتهي بدستور عام 1852 ويقود هذا الدستور الى الامبراطورية ، بزعامة لويس نابليون شقيق نابليون الاول، والذي نفي سنة 1836 بسبب مشاركته النشطة ضد الملكية، ولكنه فر من منفاه وعاد إلى فرنسا في فبراير 1848بعد سقوط النظام الملكي وانتخب رئيسا للجمهورية الفرنسية الثانية لمدة أربع سنوات و لما شعر باستحالة انتخابه مرة ثانية دبر في ديسمبر 1852 انقلابا ضد الجمهورية، وأعلن النظام الإمبراطوري مسميا نفسه الإمبراطور نابليون الثالث .
وقد قاوم هذه المحاولة الانقلابية كثير من المفكرين والادباء كان على رأسهم فيكتور هيجو الذي وقف مدافعاً عن الحرية والديمقراطية، حيث عبر عن ذلك بقوله: " المشرع هو المعبّر الأعلى عن إرادة الأمة، وكل مقاومة من قبل السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية هو تدخل، وكل تعد من السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية هو جناية . ولم يكتف هوجو بالقلم, بل خرج إلى الشارع طالباً من الشعب أن يثور ضد من سمّاه بالطاغية، حيث كان هوجو وقتها قد عمل بالسياسة ووصل إلى رئاسة الحزب اليساري الاشتراكي، وحاول هو وأنصاره مقاومة هذا التغير لكن محاولتهم بائت بالفشل .
فبعد انقلاب رئيس الجمهورية لويس نابليون بونابرت وتنصيب نفسه إمبراطورا ليصبح اسمه نابليون الثالث, وزع السلطة التشريعية بين مجلس الدولة, المؤلف من موظفين, يعدون القوانين، والجسم التشريعي يناقشها ويصوت عليها, ومجلس الشيوخ يراقب دستوريتها. وقد سجل دستور 1852 العودة للمؤسسات الإمبراطورية مع البقاء على المبادئ الأساسية للثورة الفرنسية . وهذا هو النظام الرئاسي القوي لان صلاحيات الرئيس في دستور 1852 اوسع من صلاحيات رئيس الولايات المتحدة، ففي وسعه حل مجلس النواب وهو الذي يسمي اعضاء مجلس الشيوخ، وبذلك كان الحكم ديكتاتوريه قائمة بتصويت الشعب، وعلى هذا الاساس تحول النظام ثانية الى الامبراطورية .
الجمهورية الثالثة
في عام 1870م خاض نابليون الثالث الحرب ضد بروسيا، حيث فشل في الحرب فشلاً ذريعاً واستسلم ووقع في الاسر، وبذلك انهارت الإمبراطورية الثانية بعد أن تمكن البروسيون من محاصرة مدينة باريس العاصمة وخسرت فرنسا في النهاية مقاطعتي الألزاس واللورين. ومن رحم هذه الهزيمة انطلقت الجمهورية الثالثة التي قادت مسيرة العلمنة . ومع صعوبة ولادتها فقد كانت الأطول عمرا, وحسب البعض الأكثر عطاء وخصوبة من بين الجمهوريات الفرنسية. ولم يُقر دستورها بشكل نهائي إلا بعد 4 سنوات من قيامها، ووزعت القوانين الدستورية لعام 1875 السلطة التشريعية بين مجلس النواب المنتخبين لمدة 4 سنوات بالاقتراع العام, و مجلس الشيوخ المنتخب بالاقتراع غير المباشر لمدة 9 سنوات. وأصبحت صلاحيات المجلسين واسعة في مواد وضع القوانين, ومراقبة الحكومة, ومسؤوليتها أمامه. والواقع أن مجلس النواب هو الذي كان يمارس هذه السلطة. وأعطيت لرئيس الجمهورية سلطة حل المجلس .
وخلال الحرب الفرنسية الألمانية في الفترة من 1871 إلى 1875، كانت الجمعية الوطنية المنتخَبة آنذاك هي التي صوتت على دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا، الذي تم اعتماده بأغلبية صوت واحد فقط. كما أوكلت إليها مهمة التصديق على شروط الهدنة، بعد الهزيمة القاسية أمام الجيش الألماني. ومن المفارقات العجيبة التي اقترنت بوضع هذا الدستور ان واضعيه كانوا يتمنون انهياره في اقرب وقت، لان الكثرة الغالبة بين واضعيه من انصار النظام الملكي لا من انصار النظام الجمهوري، ولكنهم اختلوا حول تسمية الاسره الملكية التي ستتولى الحكم فقرروا القبول بنظام جمهوري مؤقت بأمل تغييره في اول فرصه بنظام ملكي، ولكن املهم تبدد بعد ان اصدر البرلمان الفرنسي في سنة 1884 قانوناً يحرم التقدم باقتراح تعديل دستوري يهدف الى الغاء النظام الجمهوري .
وهكذا عاد الحكم الديمقراطي الى فرنسا اعتباراً من 1875 ولا يكون هذه المره قصير العمر بل يستمر طويلاً امام اجتماع عاملين هما : الديمقراطية في ذاتها والنظام النيابي الى جانبها. اما من قبل فقد كانت توجد الديمقراطية من غير نظام نيابي كما حدث في الجمهوريتين الاولى والثانية او يوجد النظام النيابي من غير ديمقراطية كما هو شأن العهدين، عهد 1814 وعهد 1830. اما الان فسنرى الديمقراطية في ظل النظام النيابي تحقق في عهد الجمهورية الثالثة ما لن تستطع تحقيقه في ظل الجمعية التأسيسية عام 1793 ولا في ظل النظام الرئاسي عام 1848 ، حيث تم في عهدها إنشاء المدرسة العمومية العلمانية الإجبارية, واقرار حرية الصحافة والحرية النقابية وحرية إنشاء الجمعيات المدنية وثم فصل الكنيسة عن الدولة رسمياً، وشهدت الحركة الصناعية والتجارية ازدهاراً كبيراً، وبالرغم من ذلك فقد شهد عهد الجمهورية الثالثة عدم استقرار سياسي فكانت الحكومات لا تدوم طويلا، وتقلص دور البرلمان الذي كان يفوض غالبا اختصاصاته للحكومة.
الجمهورية الرابعة.
كانت الحرب العالمية الثانية سبباً في انتهاء الجمهورية الثالثة بعد هزيمة القوات الفرنسية على يد ألمانيا النازية التي قامت بتشكيل حكومة فرنسية (1940-1944) هي حكومة فيشي التي نصبوها في منطقة فيشي الواقعة في جنوب شرق باريس، حيث صوتت الجمعية الوطنية المؤلفة من اجتماع مجلس الشيوخ والنواب في فيشي على القانون الدستوري المؤرخ في 10 تموز 1940، وهو مادة وحيدة تنص على اعطاء كل سلطة الى حكومة المارشال بيتان تحت امرته وتوقيعه من اجل اصدار المقررات لوضع دستور جديد، حيث ان بيتان لم يعمل على اصدار دستور جديد بل اتخذ عدد من المقررات المؤقته التي انشأت حكماً مطلقاً في يده وعين سلطاته وهي تتناول سائر اعمال الحكومة . وبأمر النازيين حلت حكومة فيشي المجلس الوطني الفرنسي، وعينوا فيليب بيتان رئيساً لفرنسا وجوزيف دارناند رئيساً للمخابرات بعد أن أقسموا يمين الولاء لهتلر، حيث صدرت إليهم أوامر النازيين أن تكون أهم مهماتهم هي القضاء على المقاومة الفرنسية .
وفي هذه الاثناء كان الماريشال بيتان والجنرال ديغول يتنازعان الأقلية والأكثرية في فرنسا ويتبادلان تهم العمالة للأجنبي النازي المحتل بالنسبة للأول، والبريطاني بالنسبة للثاني وكانت الأكثرية الساحقة المنتخبة "ديموقراطيا" تقف إلى جانب بيتان الذي اختار التعامل مع الاحتلال لإنقاذ "فرنسا" وكانت الأقلية الضئيلة مع ديغول الذي اعتبر حكومة فيشي "فاقدة للشرعية" وأطلق من لندن نداء المقاومة الشهير في 18 حزيران 1940 يونيو لإنقاذ "فرنسا . وبدأ عهد المقاومه، حيث أنشأ ديغول تحت سلطته هيئات باسماء مختلفة آخرها الحكومة المؤقته في الجمهورية الفرنسية بارادة صدرت في الجزائر في 3 حزيران 1944 وانتقلت بعدها الحكومة الى الارض الفرنسية مع حملة التحرير وأقامت في باريس اعتباراً من نهاية آب 1944 بالاتفاق مع حركة المقاومة الداخلية .
بدأ عهد الجمهورية الرابعة رسمياً، بعد ان ثم وضع دستور جديد لفرنسا بعد انتخابات عام 1945 حيث اقر في 27 أكتوبر 1946، وقد رافق قيامها خلافات سياسية بين زعماء أحزابها وشخصياتها المعروفة، خاصة وان التحديات في مواجهتها كانت كبيرة, ومنها مسألة الاستعمار والحرب الفيتنامية, ثم الجزائرية، والبناء الأوروبي، والحرب الباردة، وإعادة بناء الاقتصاد، والخلاف على تقييم فشل الجمهورية الثالثة وتجنب الوقوع فيه, حيث أعاده البعض, إلى عدم وجود كاف للديمقراطية، والبعض الآخر ومنهم الجنرال ديغول عزاه إلى عدم تمتع السلطة التنفيذية بصلاحيات كافية، وعليه كان يجب لصياغة الدستور الجديد البحث عن الأسس القوية التي ستقوم عليها الجمهورية الوليدة .
ولعل ابرز النقاط التي جاء بها دستور 1946 هو الترجيح للجمعية الوطنية في حياة فرنسا السياسية، وازدياد سلطة رئيس الوزراء تلقاء رئيس الجمهورية وانشاء المحكمة العليا والمجالس الاستشارية واخيراً الاتحاد الفرنسي . ولهذا تكون البرلمان من مجلسين غير متكافئتين : الجمعية الوطنية ومجلس الجمهورية، حيث حلت الجمعية الوطنية محل مجلس النواب التي عرفتها الجمهورية الثالثة، وتتألف من 619 نائبا, بينهم 75 نائبا لما وراء البحار منتخبون لمدة 5 سنوات بالاقتراع العام المباشر، وتتمتع باختصاص تشريعي كامل وغير منقوص. فهي إلى جانب سلطة اقتراح القوانين, تجعل من مجال تطبيقها بالقوة غير محدود. كما حافظت على المفهوم الذي ساد الجمهورية الثالثة, وهو أن القانون هو التعبير الدائم عن الإرادة العامة وعليه فهو غير قابل للتقييد ولا للرقابة، ولم تكن الجمعية تعير اهتماما يذكر لمجلس الجمهورية .
ولان تلك المرحلة كانت فترة تناحر ايديولوجي مثقل بعبء البحث عن بداية جديدة إثر كارثة الغزو الالماني، فان تلك الجمهورية فشلت بمرور الوقت ان ترتقي لمستوى ما تتطلبه هذه البداية، حيث انعكس الصراع الحزبي على الشارع ثم على صورة البرلمان والحكومة المنبثقة عنه التي طالما كانت حكومة اضعفتها التوافقات كما التناحرات الحزبية في ظل فشل اي حزب بتحقيق اغلبية حقيقية يرتكن عليها لوضع البلاد على مسار واضح . فمنظومة الأحزاب حتى عام 1955م عرفت احزباً متعددة ضعيفة قليلة التنظيم تتجمع ضمن تحالفات هشة ومؤقتة وبصورة عامة موجهة نحو الوسط، حيث شكل الشيوعيون معارضة، كما شكل الجناح اليميني الجديد بزعامة ديجول معارضة أخرى للحكم، فتزعزعت الأحوال واستمرت كذلك خلال السنوات العشر التالية.
ورغم النقد الشديد للجمهورية الرابعة, فإنها استطاعت, الربط بين المشاريع الأساسية وهي تحديث الاقتصاد والسياسة الاجتماعية . فإلى جانب الديمقراطية التي جاءت بها جمهورية 1848, والعلمانية التي جاءت بها جمهورية 1880, أضافت هذه الجمهورية البعد الاجتماعي حيث حرص دستورها على وضع إعلان حقوق الإنسان والمواطن كاملا في مقدمته، وأضاف إليها حقوقا اجتماعية أخرى مثل حق العمل..الخ. وكانت الجمعية الوطنية في مركز اهتمامه محاولا موازنة العلاقات بين السلطات لتجنب عدم الاستقرار الذي عرفته الجمهورية الثالثة .
المبحث الثاني
النظام السياسي الفرنسي المعاصر
الجمهورية الخامسة 1958
النظم السياسية المعاصرة هي التي تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات ويعتبر مبدأ الفصل بين السلطات المدخل الرئيسي لتحديد نوع النظام السياسي . وأساس هذا المبدأ هو توزيع السلطات وعدم تركيزها في يد واحدة بل توزيعها على شكل هيئات أو مؤسسات وفق الاختصاصات المنوطة بها فتتخصص السلطة التشريعية بالتشريع والسلطة التنفيذية في مهمة تنفيذ القانون وتقوم السلطة القضائية بتطبيق القانون وتقديم المشورات القضائية. ويرجع تقسيم هذه السلطات نظرياً الى كتابات (أرسطو) الذي استعرض فكرته عن الفصل بين السلطات في كتابه (السياسة) من حيث هي ضمان الحرية السياسية للفرد . وعبر عنها (مونتسكيو) بشكل النظام الذي يؤمن الحرية بصورة أفضل. وحسب اعتقاده فأنه النظام الذي تكون سلطاته منفصلة وتستطيع كل سلطة في حالة استثنائية إيقاف الأخرى.
ويهدف مبدأ الفصل بين السلطات وعدم تركيز وظائف الدولة في يد سلطة واحدة الى حماية المحكومين من استبداد الحكام وخاصة في الأنظمة الملكية المستبدة والسلطة المطلقة وقد أصبح هذا المبدأ اساساً لوضع الدساتير منذ ذلك الحين الى يومنا هذا، حيث يعتمد تصنيف النظم السياسية على وجود فصل نسبي بين السلطات من زاوية العلاقة الموجودة بين هذه السلطات. فإذا كانت العلاقة قائمة على أساس المساواة والتعاون فيسمى بالنظام البرلماني أما إذا كان الفصل بين السلطات قائماً مع رجحان كفة السلطة التنفيذية فيسمى بالنظام الرئاسي أما اذا كان النظام يقوم على أساس جمع السلطات بين الجمعية النيابية مع تفويض عدد من اعضائها بمباشرة مهام السلطة التنفيذية فيسمى بنظام حكومة الجمعية أو نظام الجمعية النيابية .
الدستور الفرنسي
يعتبر الدستور الوثيقة القانونية والسياسية الأسمى في الدولة، أو الإطار العام الذي يحدد نظام الدولة، وينظم عمل السلطات فيها، ويكفل حقوق الأفراد والجماعات، ويجسد تطلعات الشعب. ولهذا فإن أي تغيير أو تبديل يطرأ على البنية السياسية أو الاجتماعية يستتبع، حتماً، تبديل دستورها أو تعديله بما يتلاءم مع الأوضاع والظروف الطارئة أو المستجدة. ومما يسترعي انتباه الباحث في الدراسات الدستورية هي أن الدستور ليس فقط مجموعة من القواعد القانونية المدوّنة في وثيقة مكتوبة تتعلق بنظام الحكم في الدولة، وإنما هو أيضاً علية صياغة قانونية لفكرة سياسية استطاعت، في صراعها مع الأفكار الأخرى، أن تؤكد انتصارها بوصولها إلى السلطة وفرض فلسفتها واتجاهاتها كقواعد قانونية ملزمة .
وربما يكون هذا المفهوم للدستور ينطبق تماماً على الدستور الفرنسي الذي تقلب وتطور لعشرات المرات وجاء معبراً عن الافكار الفلسفية وملبياً حاجات الناس العادين في سعيهم نحو الحرية والكرامة والمساواة في الحقوق والواجبات. فكان في كل مرحلة يضيف مكتسبات جديدة للامه ويرسخ مبادئ سامية لا ينفك حتى يرنو الى افضل منها، وهذا ربما ما جعل البعض يعيبون علي النظام السياسي الفرنسي عدم الاستمرارية مقارنة بالنظم الديمقراطية الغربية الأخرى، غير آخذين في الاعتبار ان تاريخ فرنسا السياسي كان أكثر ثورية واضطرابا من غيرها، فقد اندلعت في فرنسا خلال نصف قرن ثلاث ثورات كبرى في الأعوام 1789، 1830، 1848وتعاقبت عليها منذ بداية القرن التاسع عشر خمس جمهوريات، لم يتعد عمر ثلاث منها بضع سنوات. وعرفت فرنسا طعم الهزيمة والاحتلال العسكري لأراضيها من جانب المانيا في الحرب العالمية الثانية والهزيمة العسكرية في معارك التحرير خارج أراضيها في فيتنام في العام1954والجزائر في العام 1962وكانت قاب قوسين او ادني من حرب أهلية مدمرة بسبب الموقف من قضية استقلال الجزائر، وقد اثرت هذه الأحداث جميعها في مسار النظام السياسي الذي تعاقبت عليه الدساتير في الأعوام 1804، 1814، 1852، 1875 ، 1946. وهكذا لم تعرف فرنسا الاستقرار النسبي منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى قيام الجمهورية الخامسة في العام 1958الا في فترة الجمهورية الثالثة ( 1870- 1940) .
دستور الجمهورية الخامسة 1958
تم إقرار دستور الجمهورية الخامسة عن طريق استفتاء عام يوم 28 سبتمبر 1958 م. ويحد هذا الدستور من صلاحيات الحكومة (السلطة التنفيذية) أمام البرلمان (السلطة التشريعية). ووفقا للدستور يتم انتخاب رئيس الجمهورية لعهدة مدتها خمس سنوات (كانت المدة 7 سنوات)، حيث يقوم الرئيس بفضل صلاحياته بالسهر على سير السلطات العمومية واستمرارية مؤسسات الدولة ويعين هذا الأخير رئيس الوزراء، كما يرأس اجتماعات الحكومة، ويقود القوات المسلحة ويبرم الاتفاقيات.
ودستور 1958 يعتبرالمجلس الوطني (الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ) السلطة التشريعية الأولى في البلاد، ويتم انتخاب نواب الجمعية الوطنية كل خمس سنوات، اما مجلس الشيوخ فيتم انتخاب اعضاءه كل 6 سنوات (كانت 9 سنوات). ولهذا المجلس صلاحيات محدودة، وفي حال اختلافه مع الجمعية الوطنية تعطى الأولية للجمعية. كما يحكم دستور الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 1958 سير العمل في مؤسسات الجمهورية الخامسة، وهو دستور تمت مراجعته عدة مرات، وقد أجريت عليه التعديلات التالية: انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر (1962)، إدراج باب جديد يتعلق بالمسؤولية الجنائية لأعضاء الحكومة (1993)، العمل بنظام الدورة البرلمانية الواحدة، توسيع نطاق الاستفتاء العام (1995)، أحكام وقتية انتقالية تتعلق بوضع كاليدونيا الجديد (1998)، إنشاء الاتحاد الاقتصادي والنقدي، تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تبوء المناصب والمهام الانتخابية، الاعتراف بالمحكمة الجزائية الدولية كهيئة قضائية (1999)، تخفيض مدة الولاية الرئاسية (2000)..
السلطة العامة
في الجمهورية الخامسة
نعرف تاريخياً وتقليدياً ان سلطات الحكم موزعة الى ثلاث: تشريعية (صنع القوانين) تنفيذية وقضائية، وهذه التقسيمات تعكس نواحي او جوانب معينه مما يجري في علم السياسة . ووظائف الدولة بما يترتب على ذلك من وجود ثلاث سلطات عامة في الدولة وهى السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية
السلطة التنفيذية:
يقصد بالسلطة التنفيذية تلك السلطة التي تتكون من الاشخاص الذين يقومون بتنفيذ القوانين وحفظ الامن وادارة المصالح العمومية فيدخل فيهم والحالة هذه رئيس الدولة الذي هو رئيس السلطة التنفيذية والوزراء والموظفون المدنيون والعسكريون . وهي ايضاً الموكل اليها وضع السياسة العامة للدولة، واستصدار التشريع اللازم لاجازة هذه السياسة من البرلمان وتكون بصفة عامة مسئولة امام الشعب .
اولاً : رئيس الجمهورية :
يعد رئيس الدولة الممثل الأسمى للدولة في علاقاتها الخارجية، فهو الذي يجسد سيادتها بغض النظر عن اللقب الذي يحمله (ملكا أو رئيسا أو أميرا...)، ورئيس الدولة هو الذي يعبر عن إرادة الدولة لأنه يعتبر رمزا لها ، لذلك فإن العرف والقانون الدوليين يخصانه بامتيازات وحصانات خاصة ويتمتع بالتقدير والاحترام اللائقين بمكانته أثناء تنقلاته الرسمية خارج دولته. ودستور الدولة هو الذي يحدد وينظم اختصاصات وصلاحيات رئيس الدولة في مجال السياسة الخارجية بغض النظر عما قرره العرف الدولي من صلاحيات هي من حيث المبدأ مرتبطة بوظيفته على رأس الدولة، كقبول أوراق اعتماد سفراء الدول الأجنبية،أو التصديق على الاتفاقيات الدولية، غير أن هناك أنظمة دستورية تعطي لرئيس الدولة سلطات واسعة .
ففي فرنسا إضافة إلى الدور التقليدي لرئيس الدولة في مجال الاتفاقيات (التفاوض/التصديق) فإن الدستور خصص مقتضيات متعددة تبين دوره المهم في إدارة العلاقات الخارجية وقد تقوى هذا الدور أيضا باختصاصاته في مجال الدفاع. وبغض النظر عن روح الدستور فإن الشخصية الاستثنائية للجنرال ديغول وإلحاق الشؤون الخارجية بـ المجال المحفوظ لرئيس الجمهورية، قد طبعت وظيفة رئيس الدولة، وحافظ خلفاؤه على هذا التقليد الذي تجسد في تراجع نسبي لدور وزير الخارجية . وهذه الصلاحيات المحفوظة قد ظهرت منذ وصول ديغول إلى الحكم( 1958-1969 ) للتعبير عن ممارسة اتبعها في ميدان السياسة الخارجية، فقد كان يعتبر أن هذه الممارسة هي التي تعكس الدور الفعلي لرئيس الدولة، وبالتالي، هي التي تكون لها الأولوية في صلاحياته ويكرس لها كل جهوده وطاقاته دون رقابة من أي جهة أخرى. وقد تجلت هذه الممارسة في مجال السياسة الدفاعية خاصة في ما يتعلق بالمجال النووي والعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وقضية الجزائر. وقد اتبع الرئيس فرانسوا ميتران(1981-1995) هذا النهج وإن كان لم يصل إلى المستوى الذي بلغه في عهد ديغول .
نظام رئاسي (شبه رئاسي)
منذ 1958 م ومع قيام الجمهورية الخامسة أصبح للبلاد نظام رئاسي ديمقراطي كان الهدف منه هو الصمود في وجه العواصف التى عرفتها البلاد من قبل والتي لم يفلح نظام الجمهورية البرلمانية في صدها . حيث ظهرت زعامة فرنسية كارزمية تمثلت بشخص شارل ديغول تحملت مسؤولية مواجهة التفكك السيا


