جغرافيا الحرب أو الجغرافيا الحربية وتُعرف أحياناً بـالجغرافيا العسكرية، هو فرع في الجغرافيا السياسية، يهتم في الأساس بالدور الحيوي الذي تلعبه العوامل المكانية والجغرافية في الحروب والنزاعات المسلحة. كذلك ارتقاء فن الحرب للتمكن من قيادة جيش رهن بمعرفة أساسيات الجغرافيا ومحددات شخصية المكان. فعلاقة الجغرافيا بالحرب مبنية على الحكمة لإحراز النصر العسكري وتحقيق مغانم السياسة والاقتصاد .
تدرس الجغرافيا الحربية أو العسكرية الاتجاهات المكانية للحروب العالمية والمحلية وتعليل حدوثها وتوزيعها الجغرافي، أي دراسة علاقة جغرافية المكان بكافة الأنشطة العسكرية، وذلك لفك شفرة النسق المكاني وتفعيل الخريطة الذهنية لدى أفراد القوات المسلحة. كذلك تهتم باهتمامات جيوبولتيكية كخطط المعارك، والتحليل الأرضي والجيوستراتيجي والمعدات الحربية والإمكانات التسليحية. فالتاريخ العسكري يحكي لنا بالضبط ما هي الأحداث وقعت، أما الجغرافيا فهي المسئولة عن تسليط الضوء على علامات الاستفهام حول لماذا، وكيف، وأين وقعت الحرب. وذلك لأن الجغرافيا تلعب دوراً رئيسياً في نتائج الحرب.
علاقة الجغرافيا بالحرب
يملك علم الجغرافيا الكثير للمساهمة في فهم الحروب، فالجغرافيا تمثل للحرب عمقاً أساسياً لكل التحركات العسكرية وسير العمليات الحربيّة، إذ أنه من المستحيل فصل العمليات العسكرية عن ظروف البيئة الجغرافية؛ حيث تمثل الأرض بواقعها الطبيعي والبشري مسرحاً للعمليات العسكريّة.
هناك عدة جوانب توضح أهمية الجغرافيا في تحليل الحروب، مثل الدور الذي تلعبه العوامل الإستراتيجية المكانية قبل وأثناء الحرب، مثل تأثير تلك العوامل على حركة المعدات العسكرية عبر المضايق الدولية ونقاط الاختناق، وتوزيع القوات والأسلحة من أجل المعركة، وتحليل موارد وقدرات الدولة، ودرجة انكشاف وتعرض خطوط التجارة والإمداد للخطر الخارجي، ويمكن للحكومات أن تستعين بالجغرافيين كمحترفين للقيام بهذه التحليلات الاقتصادية والعسكرية.
وهناك الكثير من الحروب عبر التاريخ تنبثق عن نزاعات حدودية، ويصنف الجغرافيون ويصفون الأنماط المختلفة للحدود.
قد أدرك الجغرافيون أن الحروب لا تحدث عشوائياً حول العالم، حيث تلعب المسافة دوراً مهماً في معظم الحروب عبر التاريخ، إذ أن الدول المتجاورة أكثر عرضة للحروب فيما بينهما، وقد طرح الجغرافيون السياسيون عدة مناهج لتحليل الحروب.
مناهج الدراسة في جغرافيا الحرب
لجغرافيا الحرب ثلاث مناهج تحليلية دراسية، هي:
1-المنهج التقليدي::
ويدور هذا المنهج حول دراسة نظرية العلاقات الدولية التقليدية، والتي تتسم بالتأكيد على علاقات القوة بين الدول. وعادةً ما يتم تحليل السياسات الخارجية للدول في ضوء قراءتها الجغرافية والأيديولوجية والثقافية والتاريخية. وتتمثل النظرة التقليدية في النظرة إلى العالم مقسماً بين الشرق والغرب، أو الاشتراكية في مواجهة الرأسمالية. ومقسماً بين الشمال والجنوب، أو بين الغني الصناعي والفقير الزراعي.
2-المنهج التاريخي - البنائي:
يتميز هذا المنهج أنه يركز بؤرته على العالم لا على الدولة في دراسة الحروب والنزاعات الدولية. ويبحث في أسباب الحروب التي تؤثر بشكل سلبي في بنية العلاقات العالمية الاقتصادية - السياسية المتكاملة.
3-المنهج السلوكي:
ساد المنهج السلوكي في دراسة العلاقات الدولية في الربع الأخير من القرن العشرين بتقنياته الكميّة، وتأكيده على العلاقة بين الإمكانات المحلية للدولة وسياستها الخارجية. لذلك فإن العوامل الجغرافية كالموقع والسكان والتحالفات تتحد مع الخصائص الاقتصادية والتوجه السياسي وسباق التسلح كمقدمات للنزاع. وقد انبثق عن هذا المنهج بعض النظريات الجيوبوليتيكية الجديدة.
ويعيب هذا المنهج بأنه غير مكتمل، لأنه لا يضع في الاعتبار التطور التاريخي للدول، ويميل إلى التركيز على بعض الظاهرات في العالم السياسي، ويتجاهل البعض الاخر.
الحروب العالمية
تعرف هذه النوعية من الحروب جغرافياً بأنها حرب في كل أنحاء الأرض، مع كثرة الدول المشتركة فيها. وقد أصحبت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية في القرن العشرين حربيين عالميتين بسبب مقدرة القوى الرئيسية في الحرب في معظم بقاع الأرض، خاصةً الأماكن البعيدة. وذلك من جراء التطور الهائل في الأسلحة والمعدات والحركة. وقد سميت الحرب العالمية الأولى بالحرب العظمى، حتى جاءت الحرب الثانية (1939 - 1945) التي كانت أكثر عالمية مقارنةً بالأولى، لأن ميدان المعركة امتد من شمال أفريقيا حتى الاتحاد السوفيتي إلى بورما، ثم الكاريبي إلى المحيط الهادي.
ويصف هذا النمط الحروب التي تحدث بين كتل أو أحلاف أو مجموعات من الدول في مواجهة بعضها البعض، مثل الحلفاء ضد المحور على سبيل المثال .
1-الحروب المحلية
أ-الحدود بين السلفادور والهندوراس التي قامت بها حرب كرة القدم عام 1969.وهي حروب محدودة في مداها الجغرافي أو مقياسها المكاني، ومحصورة في عدد محدود من الدول. وقد كانت معظم الحروب عام 1815 م تنتمي لهذا النمط. وقد تضمن بعضها الحروب بين قوة عظمى ودولة صغيرة،ومن أمثلة تلك الحروب
ب- الحرب الروسية - اليابانية (1904 - 1905)، وبلغ عدد قتلاها نحو 130 ألف قتيل.
ج- الحرب بين باراجواي وبوليفيا (1932 - 1935)، وبلغ عدد قتلاها نحو 130 ألف قتيل.
د- حرب الأيام الستة عام 1967 بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن، وبلغ عدد قتلاها نحوي 19600 قتيل.
د- حرب كرة القدم بين هندوراس والسلفادور عام 1969،وبلغ عدد قتلاها نحو 6000 قتيل.
ويطلق بعض الجغرافيون على تلك الحروب مسنى الحروب بين الدول، كالحرب بين بريطانيا والأرجنتين حول جزر الفوكلاند عام 1982، والحرب العراقية الإيرانية ما بين عامي 1980 حتى 1988، والحرب بين الهند والباكستان حول كشمير. وفي أغلب الحالات كان لعامل الجوار دور في الحروب المحلية، فاحتمال الحرب بين الدول المتجاورة أكبر بالمقارنة بالدول التي تبعد عن بعضها البعض، وأغلبها يرتبط بمشكلات الحدود بين الدول، والادعاءات التاريخية، فضلاً عن حروب التحرير الوطني من براثن الاستعمار.
2-الحروب الأهلية
وهي حروب تتم داخل الدولة الواحدة بين شركاء في الوطن،وتقوم على تباين ايدولوجي أو ديني أو قومي أو اقتصادي، وعادةً ما تتشابك أسباب وعوامل الحروب الأهلية. ومنذ عام 1945، ومع تصفية الاستعمار الأوربي في معظم بلدان العالم، أصبحت الأهلية مركزة في العالم الثالث. كما أدى تفكك الدول المتعددة القوميات حديثاً كالاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا إلى انتشار الحروب الأهلية،وعادةً ما تتطلع الأطراف المشاركة في الحروب الأهلية إلى دعم إقليمي أو دولي في صورة قوات مسلحة أو معونات أو مساعدات اقتصادية أو عسكرية أو تدريبية، حتى أن القوات المسلحة في الكثير من دول العالم الثالث أو دول الأطراف تركز باطراد على قمع مواطنيها أكثر من الدفاع عنهم ضد الأعداء الخارجية .
التصنيف السببي للحروب
1-حروب الإمبريالية.
الإمبريالية هي التوسعية، والحروب التوسعية تعني ضم دولة قوية لأراضي دولة أضعف أو إقليم ما، ويقول بعض الجغرافيين أن الجيبولوتيكا ليست سوى مسوغاً للإمبريالية،وأن الإمبريالية عادةً ما تقود إلى الحرب، وتحمل تلك المقولة بعض الصواب وبعض الخطأ. فالجيبولوتيكا لا تؤدي دائماً إلى الإمبريالية، كما أن الإمبريالية ليست هي السبب الوحيد للحروب.
2-حروب التحرير الوطنية:
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تزايدت حدة المطالبة بالاستقلال الوطني من جانب الدول الخاضعة للاستعمار. وبحلول عام 1960، كان واضحاً أن نهاية الحكم الاستعماري الأوربي للقارة الأفريقية باتت وشيكة، وفي كثير من الحالات حدثت عمليات انتقال سلمية نسبياً للسلطة، وفي حالات أخرى رفضت الدول الاستعمارية الإذعان، مما أدى لنشوب حروب كبيرة. فقد كانت حرب التحرير الجزائرية (1954 - 1962) هي النذير بالحروب التي اندلعت في أفريقيا خلال فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وكانت هي أول حروب التحرير الوطنية، وواحدة من أكثرها دموية .
3-الحروب المصاحبة لمولد الدولة
يرتبط هذا النمط من الحروب بحركات الانفصال داخل الدولة الواحدة، مما قد ينتج عنه تحقق ذلك ومولد دولة جديدة من رحم الدولة الأم. ومن الأمثلة على ذلك مولد بنجلاديش من رحم باكستان،كذلك جنوب السودان من رحم السودان الأم.
4-الحروب الحدودية.
يرتبط هذا النمط من الحروب بالنزاعات الحدودية بين الدول المتجاورة، وقد يكون النزاع حول امتداد الحد السياسي، أو حول وظائفه، أو حول الموارد الممتدة عبره.ومن الأمثلة على تلك الحروب: الحرب بين العراق وإيران المسماة بحرب الخليج الأولى (1980 - 1988) حول الحدود السياسية المشتركة بينهما في شط العرب.
5-حروب الموارد
منذ قرون والدول تتعارك حول الأرض وما تحويه من موارد، حتى أن معظم الحروب التي دارت رحاها -والتي قد تشتعل في المستقبل- ترتبط بالحصول على الأرض.وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، حدد قسم الحرب في الولايات المتحدة الأمريكية قائمة تضم 28 مادة معظمها من المعادن، والتي حدثت مشاكل في إمداداتها بالنسبة للولايات المتحدة أثناء الحرب، وأصبح اصطلاح المعادن الاستراتيجية مهماً في ما بين الحربين العالميتين. وأن الموارد الاستراتيجية هي تلك الموارد الضرورية للدفاع، والتي توجد منابعها مصادر الإمداد بها بصفة أساسية أو كُليّة خارج حدود الدولة، ويكون من الضروري تأمين إمداداتها واحتياجاتها أثناء الحرب.
6-الحرب بالوكالة
يتضح من المعنى أن تلك الحرب تعنى انغماس دولة مساندة لدولة أخرى تقوم بالحرب بالنيابة عنها ضد الدول الأخرى التي تريد الحرب معها. وقد اتسمت فترة ثمانينيات القرن العشرين بتوترات الحرب الباردة المتفاقمة،والحروب بالوكالة في بلدان نامية تمتد عبر الكرة الأرضية، وفي غضون ذلك تدخلت القوى العظمى في النزاعات المحلية، التي كان يمكن أن تكون ثانوية وقصيرة الأجل. ولكن بدلاً من ذلك تصاعدت، ولعل من أبرز بؤر الحرب بالوكالة في مناطق القرن الأفريقي وأفغانستان وأمريكا الوسطى.
7-الحرب العرقية
تقوم الحرب العرقية على أسس إثنية أو دينية أو لغوية، أي أنها ترتبط بالقومية.وتحفل القارة الأفريقية بالعديد من الصراعات والحروب العرقية في تاريخها، منها الصراع في جنوب السودان،وكذلك الحال في يوغسلافيا السابقة بعد تفككها.
8-الحرب على الإرهاب
لقد تمخض عن هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن دي سي وما نتج عنها من ذعر وصدمة ودمار، وما تلاها من احتمال هجمات إرهابية، أن أعيد تعريف السياسة العالمية من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية بعد ساعات قليلة من الهجوم، فظهر مصطلح ما يسمّى بالحرب على الإرهاب.
تزايدت المخاوف حول الحرب على الإرهاب مع سلسلة من التفجيرات أصابت كل من لندن وموسكو والقاهرة وشرم الشيخ ونيويورك وأطلنطا. كما أن السفارات عدة بلاد مثل في المملكة العربية السعودية وتنزانيا واليمن وكينيا كانت أهدافاً لهجمات إرهابية.
والحرب على الإرهاب مؤسسة على مفهوم مجرد، وليست حرباً كغيرها فيها حدود وجيوش ودول، فالحرب على الإرهاب تتميز باعتمادٍ أكبر على القوات الخاصة والمخابرات والقوى الأمنية والدبلوماسية والإعلامية.وذلك بالرغم من وجود اثنتي عشرة اتفاقية دولية حول الإرهاب، مثل الاتفاقية الأوروبية لمكافحة الإرهاب لعام 77، والاتفاقية الدولية لمكافحة التفجيرات الإرهابية لعام 1998، والاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب، وغيرها .
الجغرافيا العسكرية والحرب البرية
غالباً ما يكون الهدف من الحرب البرية الضغط المباشر على أفراد الشعب المعادي، بتدمير وسائل المقاومة لديه، والسيطرة على مراكز القوى التي يعتمد عليها. بمعنى أن الهدف الرئيسي من الحرب البرية تحطيم جيش
العدو عن طريق تدمير مراكز الصناعات الحربية، والمدنية، والمراكز التجارية، باعتبار أنها تحد من قدرة العدو على القتال وإشعاره بأنه غير قادر على إحراز أي نصر عسكري وكشفه أمام شعبه بأنه غير قادر على الحفاظ على أراضيه مما يؤدي إلى انهيار الروح المعنوية لدى الشعب واستسلامه أمام عدوه.
وتحدد الجغرافيا العسكرية المحاور الرئيسية على الجبهة، التي تتوزع عليها القوات، بشن هجوم مباشر على القوات المعادية بعد تحديد مناطق الضعف فيه، حتى تتمكن من الدخول إلى أراضيه، أو التسلل من حوله للوصول خلف صفوفه لقطع طرق النقل والمواصلات، وبالتالي شل حركات الإمداد والتموين إليه، وتراعي الجغرافيا العسكرية في ذلك العوائق الطبيعية مثل التضاريس والمناخ، وتشترك مع الأفرع العسكرية في تجهيز الإمكانيات اللازمة للتغلب عليها. فمثلاً في حرب أكتوبر 1973، استطاعت القوات المسلحة المصرية أن تعبر العائق المائي المتمثل في قناة السويس من ضفتها الغربية إلى الضفة الشرقية بالقوارب المطاطية ، لمفاجأة العدو، واستغلال مراكز الضعف في جبهته ، ثم مُدَّت بالآليات والمركبات بعد بناء كوبري سابق التجهيز. أي أنه مجرد أن توضع الخطط الإستراتيجية، ويُحدد الهدف، تنطلق القوات نحو الهدف بعد دراسة وسائل الحركة والطرق، التي تتبعها الجيوش مع وضع جدول زمني للتقدم، ومراعاة العوائق التي قد تحد من كفاءة الحركة .
التضاريس وتأثيرها على العمليات العسكرية
لاشك أن هناك صلة وثيقة بين جغرافيا المنطقة والحرب، حيث إن التضاريس هي الهيئات الطبيعية التي تدور المعارك عليها. فليست ثمة معركة أو حملة عسكرية لم تلعب فيها الأوضاع العسكرية – الأرض والمنظومة الثقافية والتأثير الشديد لعاملي المناخ والطقس - دوراً حاسماً في عملية اتخاذ القرار العسكري، إذ يتحتم على القادة وأركان التخطيط تخطيط العمليات بما يناسب الأوضاع الطبيعية والمعركة. ورغم أهمية التدريب الجيد والقيادة الناجحة وتفوق الأسلحة والمذهب العسكري في كسب المعارك، إلاّ أن الجغرافيا لها تأثير كبيرعلى النتيجة الحاسمة للحرب. فينبغي على القادة - على كافة المستويات - أن يضعوا نصب أعينهم العوامل الطبيعية والثقافية الأساسية التي تحدد نتائج المعارك، ولعل من أهم تلك العوامل القيود التي يفرضها عاملا الوقت والمكان، والاعتبارات الجغرافية الثابتة المتمثلة في الأرض والطقس والمناخ. علاوة على ذلك، فإن دروس التاريخ تبين أن القائد بوسعه استغلال الأوضاع العسكرية بدهاء للتغلب على خصم يفوقه عدداً وعدة، أو يتمتع بمزايا أرضية واضحة .
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
عوامل الطقس الحرجة في العمليات العسكرية
يتشابه المناخ climate والطقس weather في أنهما يعبران عن حالة الجو ، لكنهما يختلفان في الفترة التي يغطيانها ، فالمناخ هو معدل حالة الجو لمكان أو إقليم خلال الفصول والسنة ، وذلك خلال فترة زمنية طويلة
يقترحها البعض 35 سنة لإمكانية تعاقب الأحوال العادية والشاذة فيها . أما الطقس فهو حالة الغلاف الجوي للأرض في الوقت الراهن ، وكذلك المتوقع مستقبلا من حيث درجة الحرارة والضغط الجوي والرياح وغير ذلك. ولحالة الجو الراهنة أو المتوقعة الأثر البالغ والدور الخطير على العمليات ، وذلك منذ أقدم العصور وحتى الوقت الحالي . ويسعى القادة منذ القدم للاستفادة من حالة الجو لصالح قواتهم قدر الإمكان ، ومحاولة استغلال فترات تحسن الحالة الجوية بما يسمح بتوجيه ضربة شديدة للعدو ، أو القيام بعملية عسكرية هائلة ، ويعتبر إنزال الحلفاء على ساحل النورماندي الفرنسي في الحرب العالمية الثانية مثلا واقعيا على ذلك ، حيث تم الإنزال بنجاح في الوقت الذي لم تتوقعه القيادة الألمانية بسبب سوء الأحوال الجوية آنذاك . وتعمل القيادات في مختلف جيوش العالم على توفير المعلومات العلمية المحدثة الخاصة بالطقس والمناخ ووضعها في غرف العمليات وإدامتها ليسترشد بها عند وضع الخطط ، كما تسعى القوات المسلحة للاستفادة من تقنيات العصر في الملابس العسكرية ، والمعدات والآليات ، لتكون الأفضل عند مواجهة عوامل الأحوال الجوية ، ويتوقف هذا الأمر على الإمكانيات المادية والعلمية لكل دولة .
وتهدف السطور التالية لإلقاء بعض الضوء على عوامل الطقس الحرجة ( الخطيرة critical weather factors )على العمليات العسكرية :
1- الرؤية المتدنية low visibility:
الرؤية هي المسافة الأفقية التي يمكن منها مشاهدة أهداف أو أجسام معينة وتمييزها بوضوح ، فهي درجة شفافية الهواء بالنسبة لبصر الإنسان . ومن الظواهر والعناصر الجوية المؤثرة على مدى الرؤية :
الضباب والضباب الرقيق ( الشابورة ) والسديم (العجاج) والمطر والغبار . ومدى الرؤية هو المسافة الأفقية التي يمكن عندها مشاهدة جسم كبير داكن اللون مقابل للأفق في وضح النهار. ويستعمل جهاز لتحديد مدى الرؤية يدعى ترانسمسوميتر transmissometer.
قد يكون في تدني مدى الرؤية لأقل من 3 كيلومترات فائدة للقوات الصديقة والمعادية . ويمكن أن يخفي مركز الثقل center of gravity والمناورة للقوات التي تقوم بالهجوم ، وقد يزيد من فرص تحقيق المفاجأة . أما سلبيات تدني مدى الرؤية فهي إعاقة القيادة والسيطرة Command and Control (C2) . كما ُينقص تدني مدى الرؤية من فعالية الاستطلاع والمراقبة Reconnaissance and Surveillance (R&S) وكذلك منطقة الهدف Target Area (TA) خلال الدفاع على وجه الخصوص .
2- الرياح السطحية surface winds :
تعرف الرياح السطحية بأنها الرياح التي تقاس على سطح محطة الأرصاد الجوية ، في حين أن الرياح بتعريفها الواسع هي الحركة الأفقية للهواء فوق سطح الأرض أو في جوّها . يمكن للرياح القوية أن تقلل من فعالية القوات المتحركة بوجه الرياح ، وذلك بإثارتها للغبار dust والدخان والرمل والمطر أو الثلج على هذه القوات ، في حين تتمتع القوات المتحركة مع اتجاه الرياح القوية بمدى رؤية أفضل ، وعلى ذلك بإمكانها التحرك بسرعة وسهولة أكثر . كما تحد الرياح القوية من الطيران والعمليات المحمولة جواً ( الطائرات العمودية بشكل أساسي ) . ومن الآثار السلبية للرياح التي تزيد سرعتها على (35 عقدة / ساعة ( العقدة = ميل بحري
أي 1.85 كم
<!-- التسبب بإصابات بدنية في الأفراد .
<!-- تدمير وإلحاق أضرار بالمواد والمنشئات .
<!--خلق ارتدادات رادار غير حقيقية .
<!--خفض مدى الرؤية بإثارتها للرمال .
3-التساقط precipitation :
هو ما ينتج عن تكاثف بخار الماء في الجو ، والذي يتجمع في الغيوم ، ويسقط على الأرض بشكل مطر أو ثلج أو بَرَد وما شابه .
يؤثر التساقط على صلاحية التربة للسير trafficability أي على تحمل حركة الآليات دون استخدام الطرق المعبدة والممهدة على وجه الخصوص ، كما يؤثر على مدى الرؤية ، وفعالية الأفراد ، وعلى كثير من المعدات المتنوعة من مجنزرة tracked ومدولبة wheeled . ويؤدي المطر الغزير إلى جعل سطح الأرض غير المعبد ، والأرض منخفضة المنسوب ، والمناطق خارج الطرق ، غير قابلة للعبور أو المرور . ويؤدي تساقط المطر والثلج إلى خفض شديد لفعالية وكفاءة الأفراد بسبب تقليل مدى الرؤية ، والتسبب بإزعاج الأفراد وإحساسهم بعدم الارتياح ، وبزيادة إرهاقهم وشعورهم بالتعب ، والتسبب بمشكلات بدنية ونفسية لهم .
ومن الآثار الناجمة عن التساقط :
1- يتأثر معدل إسقاط القوات ، واكتساب الهدف target acquisition في العمليات المحمولة جواً ، بأي نوع تساقط ، وبأية كثافة .
2- تتجمد الريش الدّوارة ( المراوح ) rotor blades في الطائرة ، وتتعرض سلامة الطائرة للخطر عند حدوث أي تجمد freezing ، وذلك في عمليات الطيران .
3- تتناقص فعالية جميع الرادارات ( أكثر من 10 جيجا هيرتز ) وتتأثر جميع مستشعرات الأشعة دون
الحمراء infrared sensorsفي عمليات الدفاع الجوي ، إن زاد معدل التساقط السائل على 1.27 سم / ساعة .
4- تتأثر الحركة على الشاطئ في العمليات البرمائية ، إن زاد معدل التساقط السائل على 0.25 سم / ساعة .
5- تتناقص فعالية الرادار ، ومستشعرات الصوت audio sensors في عمليات الحرب الإلكترونية والاستخبارات ، إن زاد معدل التساقط السائل على 0.25 سم / ساعة .
6- تتأثر القدرة على الحركة وصلاحية التربة للسير ، ويتأثر تخزين المواد بشكل عام ، إن زادت كمية التساقط السائل على 5 سم خلال مدة تغسل 12 ساعة .
7- يتأثر انتخاب المواقع واختيارها ، ويتأثر منسوب الأنهار ، والجريان المائي ويحدث الفيضان، وتتأثر أعمال إعادة التزويد resupply وأعمال الهدم والتدمير demolitions ، وعبور الأنهار ، ومدى الرؤية ، وغير ذلك في عمليات المناورة الأرضية
ground maneuver operationsإن زاد معدل التساقط السائل على 0.25 سم / ساعة ، أو زادت كمية التساقط السائل على 5 سم خلال مدة 12ساعة .
8- تنظف بالغسل العناصر المستعملة في الحرب الكيماوية والجرثومية ، ويتبدد الدخان المستعمل ، بأي نوع تساقط ، وبأية كثافة.
9-يترتب على حدوث أي تجمد إلحاق الضرر بمعدات وهوائيات antennas سلاح الإشارة ( اللاسلكي ) كما يقل تحمّل الهوائيات لتأثير الرياح عليها.
4-غطاء الغيوم : cloud cover
هو مقدار الغيوم في سماء منطقة معينة ، ويُحَدَد عادة بالأثمان ، وهناك مقياس آخر يعتمد الأعشار . ويؤثر نوع الغيوم ومقدار التغيّم وارتفاع قواعد الغيوم وقممها ، وسقف الغيمة ceiling هو المسافة بين أسفل الغيمة وسطح الأرض تحتها مباشرة ، كل ذلك يؤثر على عمليات الطيران operations aviation ومن ذلك : يتطلب الإسناد الجوي القريب Close Air Support (CAS)
بطائرات الجناح الثابت سقف غيوم أقله 2500 قدم (762متر) وإن كان بالإمكان عمل الطائرات على ارتفاع دون ذلك . أما التهديد بتعريض مهام طائرات الجناح الدوار أي العمودية للخطر ، وإعادة التموين الجوي فيقع عند سقف غيوم 300 قدم (100متر) . كما يؤثر غطاء الغيوم على العمليات الأرضية ground operations العمليات التي يشترك فيها الجيش بشكل رئيسي ) حيث يقلل من
الإضاءة الطبيعية والرؤية ، أو يعزز من تأثير الإضاءة الاصطناعية بعكسه للأشعة .
5- الحرارة والرطوبة humidity and temperature
درجة الحرارة هي درجة سخونة جسم ما ، وتقاس بالترمومتر. وتعتمد درجة حرارة منطقة ما على درجة عرض المكان ومقدار ارتفاعه عن سطح البحر، ومقدار بعده عنه وعوامل أخرى والرطوبة وكمية بخار الماء في الجو ، أما الرطوبة النسبيةrelative humidity فهي معدل ( يعبر عنه عادة بالنسبة المئوية) بين مقدار بخار الماء الموجود فعلا في كمية من الهواء وكمية البخار التي يمكن أن تجعل الهواء مشبعا عند درجة حرارة معينة.
ويبدو أثر درجة الحرارة ونسبة الرطوبة على النحو التالي :
1- لدرجة الحرارة ونسبة الرطوبة أثر مباشر على أداء الأفراد والآليات على حد سواء .
2- تتسبب درجة الحرارة المفرطة بإصابات للأفراد كضربة الشمس والجفاف ، وبإصابة محركات
الآليات بالتآكل والاحتكاك مما يؤدي إلى توقف المعدات عن العمل .
تتسبب درجات الحرارة المنخفضة جدا بزيادة إصابات الطقس البارد كالتجمد وعضات الصقيع ،كما تتسبب بتعطيل أنظمة التبريد والمحركات ومن ذلك تجمد ماء أو سوائل تبريد المشعات radiators حيث يؤدي تجمد الماء في المشع إلى كسره وتمزقه وبذلك تفقد الآلية نظام تبريدها وسترتفع درجة حرارة المحرك سريعا مما يصيبه بالعطب سريعا ، كما تتناقص فاعلية مزلقات lubrications الآليات من زيوت وشحوم ، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى زيادة المتطلبات اللوجستية إلى حد كبير . هذا وتعمل الجهات المنتجة لأنظمة تبريد المحركات وللزيوت والشحوم على تطوير منتجاتها لتلائم الأحوال الجوية في البيئات المختلفة ، ورغم ذلك تبقى حدود صلاحية هذه الأنظمة والمواد قائمة .
3- تؤثر زيادة نسبة الرطوبة إلى أكثر من 35 % في انتخاب سلاح الهندسة للمواقع ، سواء بما يتعلق بالمعدات أو الأفراد ، حيث تؤثر الرطوبة المرتفعة على سلامة المعدات ، ودقة أداء الأجهزة ، وكذلك راحة الأفراد .
4- تؤثر الرطوبة المرتفعة جدا في زيادة فعالية الأسلحة الجرثومية وزيادة انتشارها ، في حين يعمل الجفاف عكس ذلك .
5- تؤثر الرطوبة بوجه عام والمرتفعة بوجه خاص بتلف الأدوية والعقاقير الطبية ، والتي يجب حفظها في الأماكن المظلمة والجافة ، ولا تزيد درجة حرارتها على 20 درجة مئوية .
6- الضغط الجوي atmospheric pressure :
يعطي علم الأرصاد الجوية وخبراء الطقس أهمية كبيرة للضغط الجوي سواء على سطح الأرض أو على ارتفاعات متفاوتة منه . ويتأثر الفرد وأنشطته المختلفة باختلاف الضغط ، كما تتأثر بعض المعدات بذلك ، ومن ذلك اختلاف السيطرة على الضغط في طائرات الجناح الدوار عن طائرات الجناح الثابت من طائرات مقاتلة وطائرات نقل . إذ لا توجد سيطرة على الضغط الجوي في الأولى ، أما الثانية فيتوقف الأمر على نوع الطائرة ومقدار الارتفاعات التي ستحلق فيها ، وإن كانت بشكل عام ذات قدرات على ضبط الضغط والسيطرة عليه داخلها ، حيث يحتاج فيها الطاقم إلى أجهزة خاصة ، ومستلزمات لتنفسه . ومن ذلك تطلب استخدام طواقم الطائرات المقاتلة وما شابهها بزة خاصة ذات مزايا وخصائص معينة تحول دون نقص دم الفرد في منطقة الرأس وأعلى جسمه ، وعدم تجمع دمه في أسفل جسمه ، هذا إضافة لاستعمال قناع يزوده بالأكسجين . وهذا بسبب طبيعة عمل الطائرة المقاتلة من حركة ومناورة والتنقل من تحليق شاهق ومنخفض والعكس خلال فترة زمنية قصيرة

