للمستوى التعليمي للسكان، بالإضافة إلى تقدمهم العلمي والتقني دور مهم في بناء القوة السياسية للدولة. فعدد السكان الضخم ليس كافياً لوحده لبناء قوة الدولة، إذ لا بد من توفير الخبرات العلمية والفنية لدى هؤلاء السكان. فعلى الرغم من أن عدد سكان بنغلادش يزيد على عدد سكان هولندا بنحو ثماني مرات، إلاّ أن عدد العلماء والمهندسين في مجالات البحث والتطوير العلمي والتقني في هولندا أكثر من مثيله في بنغلادش. فهولندا دولة صناعية متقدمة ولديها عدد كبير من ذوي المهارات الفنية والخبرات العلمية المتخصصة في المجالات المتعددة بينما تعد بنغلادش من الدول النامية الفقيرة التي تتصف بارتفاع نسبة الأمية بين سكانها. فأي الدولتين أكثر وزناً سياسياً في رأيك؟ أليس تركيب السكان التعليمي والعلمي من الأسس المهمة في التمييز بين الدول القوية ذات الوزن السياسي الدولي والدول الضعيفة التي لا تملك وزناً سياسياً دولياً فاعلاً في المحافل الدولية، بغض النظر عن ضخامة عدد سكانها؟
1- المستوى التعليمي للسكان وعلاقته بقوة الدولة
يقاس المستوى التعليمي لسكان الدولة من خلال بعض المؤشرات التعليمية، مثل نسبة الأمية بين السكان الذكور والإناث في مختلف الأعمار، وكذلك نسبة الملتحقين بالمدارس والمعاهد والجامعات في المراحل التعليمية المختلفة.
بالإضافة إلى نسبة السكان البالغين في كل مرحلة تعليمية تم إنهاؤها بنجاح، وتتفاوت دول العالم من حيث مستوى الأمية بين سكانها، انظر الجدول (12-1) الذي يبين نسبة الأمية لكل من الذكور والإناث الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فأكثر في بعض الدول النامية والمتقدمة.
الجدول (12-1): نسبة الأمية من مجموع السكان في سن الخامسة
عشر فما فوق في عدد من الدول النامية والمتقدمة في سنة 2000م
|
نسبة الأمية حسب الجنس (%) ذكور إناث |
معدل الأمية من مجموع السكان (%) |
الدولة |
|
|
63.7 |
49 |
63.7 |
أفغانستــــان |
|
59.2 |
48.3 |
59.2 |
بنغلاديــــش |
|
44.2 |
31.4 |
44.2 |
الهنــــــد |
|
23.1 |
16.3 |
23.1 |
ايران الإسلامية |
|
56.7 |
42.4 |
56.7 |
باكستــــان |
|
10.2 |
5.1 |
10.2 |
الأردن |
|
13.9 |
7.7 |
13.9 |
لبنـــــان |
|
18 |
12.9 |
18 |
السعوديـــة |
|
25.6 |
11.7 |
25.6 |
سوريــــة |
|
14.8 |
6.4 |
14.8 |
تركيـــــا |
|
2.8 |
1.4 |
2.8 |
اليونــــان |
|
1.5 |
1 |
1.5 |
إيطاليــــا |
|
- |
- |
- |
المملكة المتحدة |
|
- |
- |
- |
السويــــد |
|
2.3 |
1.4 |
2.3 |
إسبانيــــا |
|
60.1 |
49.4 |
60.1 |
موريتانيـــا |
|
84.3 |
76.5 |
84.3 |
النيجـــــر |
|
15 |
7.7 |
15 |
الصيـــــن |
المصدر: الكتاب الإحصائي السنوي، الإصدار 44، الأمم المتحدة.
قارن بين النيجر وإيطاليا من حيث نسبة الأمية من مجموع سكان هاتين الدولتين. ألا تلاحظ أن ما يزيد على أربعة أخماس سكان النيجر تقريباً ممن تبلغ أعمارهم الخامسة عشرة لا يستطيعون القراءة والكتابة، بينما تصل هذه النسبة في إيطاليا إلى 1.5% فقط؟ قارن بين الدول المتقدمة كإيطاليا، والدول النامية كباكستان وموريتانيا وأفغانستان مثلاً من حيث نسبة الأمية بين الإناث في سن الخامسة عشرة فما فوق. ألا تلاحظ أن أكثر من 70% من الإناث في تلك الدول النامية أميّات لا يعرفن القراءة والكتابة، بينما تنخفض نسبة الأمية بين الإناث بشكل كبير في إيطاليا؟ إلاّ يؤدي إرتفاع نسبة الأمية بين سكان الدولة إلى ضعف الدولة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً؟
وللتعليم دور مهم في بناء قوة الدولة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية. فهو يوسع الآفاق ويشجع الابتكار وروح المبادرة. إذ يستطيع الشخص المتعلم قراءة التعليمات واستيعاب المعلومات. فالمزارع المتعلم مثلاً يستطيع قراءة التعليمات الخاصة باستخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية من حيث حساب جرعات السماد والمبيدات ومتابعة المصروفات.
لقد أصبحت الخبرات العلمية في الوقت الحاضر أكثر أهمية من مجرد الأعداد البشرية القادرة على العمل. فهناك علاقة قوية بين مستوى تعليم السكان ومعدل نمو الإنتاج المحلي. إذ تشير الدراسات التي أجرتها الأمم المتحدة على الدول النامية إلى أنه كلما حصل الشخص البالغ على أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة من التعليم، زاد الإنتاج المحلي الإجمالي بنسبة 5.5% سنوياً وتشير هذه الدراسات أيضاً إلى أن معدل النمو الاقتصادي في الدولة يزداد بنسبة 39% إذا زاد متوسط التعليم بمعدل ست سنوات، وقد تبين أيضاً أن زيادة سنة واحدة من التعليم في الدول النامية تؤدي إلى زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة تتراوح بين 2% و 5% سنوياً.
ويؤدي ارتفاع نسبة الأمية بين الإناث في الدول النامية إلى انخفاض نسبة مشاركتهن في القوى العاملة بتلك الدول، مما يؤدي إلى عدم إستفادتها من الطاقات البشرية العاملة لنصف سكانها.
2- المستوى العلمي والتقني وعلاقته بقوة الدولة
يقاس المستوى العلمي والتقني لسكان الدولة بعدد العلماء والمهندسين العاملين في مجالات البحث والتطوير العلمي، وبعدد الأفراد من ذوي الخبرات العلمية والمهارات التقنية والفنية المتخصصة وبنسبة الإنفاق المالي على تطوير البحوث والتجارب العلمية وإعداد الخبراء والفنيين.
وللخبرات العلمية والتقنية دور مهم في بناء قوة الدولة لانها تساعدها في التفوق على غيرها من الدول اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. فعلى الرغم من أن سكان الصين يزيدون على سكان الولايات المتحدة الأمريكية بنحو خمس مرات - كما عرفت من قبل - إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تتفوق على الصين اقتصادياً وعسكرياً ووزناً دولياً. ويعزى تفوق الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى في العالم إلى تقدمها العلمي والتقني في المجالات المتعددة، وبخاصة العسكرية منها.
وقد ساعد التقدم العلمي والتقني على تطور الصناعة في معظم الدول المتقدمة كالولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا واليابان وغيرها، وتعد الصناعة من المقومات الرئيسة لبناء قوة الدولة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. فالدول العظمى في عالم اليوم هي دول صناعية بالدرجة الأولى. وقد مكنت الصناعة تلك الدول من امتلاك أحدث الأسلحة المتطورة ومن بناء قوتها العسكرية واكتساب المكانة السياسية المرموقة في المحافل الدولية.
وتعد الدول الصناعية الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها المصدر الرئيس لإمداد الدول النامية بالأسلحة والمعدات العسكرية، ويرجع عجز الدول النامية عن إنتاج ما تحتاجه من تلك الأسلحة والمعدات إلى نقص الخبرات العلمية والتقنية المتقدمة لديها وإلى حجب الدول المتقدمة صناعياً للمعلومات الخاصة بصناعة الأسلحة عن الدول النامية ومحاولة احتكار هذه الصناعة.
وتنفق الدول المتقدمة أموالاً طائلة من دخلها القومي لتطوير البحوث والتجارب العلمية ومتابعة التطورات العلمية، كما تستأثر تلك الدول بنسبة عالية من العلماء والمهندسين العاملين في مجالات البحث والتطوير في العالم.

