
محطة بلا طريق
• • رسَمت ابتسامة صغيرة على وجهها غصبا . و قالت لصاحب التاكسي : ""بسرعة أرجوك . انطلقت السيارة تشق الطريق . وبدأت هي تعبث في روحها , تبعثر كل الذكريات . كانت تلتهم تفاصيله, كلامه , عيناه , رعشته , سلامه . كانت تلمس يديها كأنها تتحسّس أثاره . إنحنت للوراء مسترخية , تنصت لصراخ و ألم في روحها تكتمه , بمشاهدة الواقع حولها . كانت السيارة تطوي المسافات طيّا , و كأن روحها تدفعها دفعا
فجأة توقفت فتوقف معها قلبها . بلعت ريقها تلعثما .
أعطت الأجرة للسائق ثم نزلت . و إذ بيد تأخذها بقوة , و أحضانا تستنشق عطرها . كان هو ذاك الرجل الذي أحبّته هو الذي أنساها أن للألم وجود . بل ذاك الذي أنطق الألم فيها . دفعته برفق حياء دون أن تغوص في عينيه حتى لايَفتضح الألم واليأس الذي يعتريها و سألته :"" كيف حالك ؟
ردّ و دمع في مقلتيه , تعوّدت ذالك منه بل تعوّدت كلّ شيء فيه . فكيف المصير بعده ؟
قال : "" الطائرة بعد ساعة و نصف ستقلع , ومعها قلبي أيضا سيُقْلع . لا عليك هذه هي الدنيا . لقاء و فراق ما : "" بينهما ذكرى , إني مسلّمة بقدري . المهم أن تكون بخير وتنتهي من غربة عشْتَها ألما بعيدا عن وطنك . ردّت و عيناها جامدة , و بقلبها نزف يفيض .
قال : "" نحتاج إلى فرصة أخرى . سأعود فأنا بدونك غربة هناك .
و ضعت يديها المرتعشة على شفتيه تأمره بالصّمت . لا تريد سكاكين أخرى وقالت : "" خذ هذه ذكرى مني إبْقها في كتاب .
كانت وردة بيضاء , ملفوفة برباط أحمر فيه من دمها حين كانت تغرس أناملها في شوكها دون أن تدري . و هي في حضنه كانت قطراتا ملتهبة عشقا و ألما , فتلطّخ الرباط قليلا
سألته : "" حبيبي أين أنا منك ؟
ردّ دون تردّد وهو يشمّ الوردة و يعبث بالرباط :
أنت محطة. ثم صمت , كأنه أحس بهذه الكلمة زلزال لحطامها التي كانت تنحته كذبا
أخفضت عينيها , فقد ذاب ذاك الجمود الذي كان في عينيها . و نْزف قلبها فاض ارتعاشا في كلها: "" هو ذاك حبيبي
هو ذاك يا كلّ طريقي
هو ذاك يا مسافرا في دمي
لقد نسيتُ أنني في سفرك محطة تشرب فيها قهوة و تسترخي قليلا . ثم تمضي تكمل سفرك
إحتضنها بقوة قائلا : "" لا تفهميني خطأ . كنت متوترا و لم أعي ما أقول .
قالت : "" بل هذه لحظة صدق , أسال الله أن تصل سالما و تنتهي غربتك .
تراجعت إلى الوراء تكتب نهاية اللّقاء , مُبْحرة في عينيه هنيهة . --كانت أدمعا و كان يتمتم أحبك .. أحبك .. أحبك .
قالت : "" أنا أعشقك حد السماء لكني محطّة و السّفر حان . فعلا كان صوتا ينبعث من الدّاخل يُعلن عن برنامج الأسفار حتى يستعدّوا مسافروها
تنهدت ثم قالت : "" هيا لن أعطلك إستعجلْ قضاء شؤونك وإني ذاهبة ,
• بعدها استدارت تجمع حطامها .
جذبها اليه قائلا : "" انتظري مني مكالمة هامّة يامحطتي الأبدية . سأكون عندك دون سفر أو عودة .
همهمت : "" في أمان الله
• كانت منطلقة دون أن تدرك أنّ الوردة كانت في يدها عند العناق وإختلطت بدمائهما دون أن يشعرا . و كانت قد عبثت بين يديهما فرجعت لها دون أن يدركا .
عادت تجري تشقّ الزّحام تناديه . كان قد ركب الحافلة و ممنوع عليها أن تتجاوز القاعة . فعادت و ألم يقطّّعها , و دمع شلال . و هي تحمل الوردة . والدماء تزيدها الجمال كانت تغرس أناملها لوعة . لربما دمها لامس دمه .و انطلقت دون ان تدرك ماحولها وحنين بدأ يتحرك في نبضها يلسعها ,و ذكرى أليمة ستجترها كي تكمل رحلة لن تنتهي


ساحة النقاش