مؤسسة البراءة للمحاماة و التحكيم innocence lawfirm

تمهيد:

وسد دستور جمهورية مصر العربية الصادر في 11 سبتمبر عام 1971 للمحكمة الدستورية العليا- وحدها دون غيرها- سلطة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، على النحو الوارد بنص المادة (175) منه، والمقابلة لنص المادة (192) من الدستور الحالي، وقد عهد الدستور للقانون بتنظيم ما يترتب على الحكم بعدم الدستورية من آثار، ونفاذاً لذلك، صدر قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، ونص فى المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979- قبل تعديلها بالقانون رقم 168 لسنة 1998- على "أن أحكام المحكمة الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة.

وتنشر الأحكام والقرارات المشار إليها فى الفقرة السابقة في الجريدة الرسمية وبغير مصروفات خلال خمسة عشر يوماً على الأكثر من تاريخ صدورها.

ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالى لنشر الحكم.

فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقاً بنص جنائى تعتبر الأحكام التى صدرت بالإدانة استناداً إلى ذلك النص كأن لم تكن، ويقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به لإجراء مقتضاه".

مشكل التفسير:

أوحت صياغة هذا النص، بأن المشرع قصد أن يكون للحكم الصادر بعدم الدستورية أثر مباشر، حينما نص على عدم جواز تطبيقه من اليوم التالى لنشر الحكم فى الجريدة الرسمية، وهو ما يعنى بقاء النص نافذ المفعول من تاريخ صدوره، وحتى اليوم التالى للنشر فى الجريدة الرسمية رغم عدم دستوريته، أى سريان الأحكام بأثر فورى وحال لا بأثر رجعى، وهو ما يعنى أن الحكم فى هذه الحالة، يعد منشئاً لا كاشفاً لحالة عدم الدستورية.

 

رجعية أثر الحكم:

غير أنه بالرجوع إلى المذكرة الإيضاحية لهذا القانون، يتضح أنها قد قررت أن المقصود بعدم تطبيق النص، لا يقتصر على المستقبل فحسب، وإنما يمتد كذلك إلى الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم الدستورية- أى أن الأصل هو سريان الحكم بأثر رجعى- وأنه يستثنى من هذا الأثر الرجعى الحقوق والمراكز، التى تكون قد استقرت عند صدوره، بحكم حاز قوة الأمر المقضى، أو بانقضاء مدة التقادم. وقد استقرت أحكام المحكمة الدستورية العليا على ذلك فى أحكامها([1])، فذهبت إلى أن "ما يوقف الأثر الرجعى للأحكام الصادرة بعدم دستورية نص تشريعى، صدور حكم قضائى بات، أو انقضاء مدة تقادم، تقررت بموجب حكم بات، استقرت به المراكز القانونية التى ترتبط بالحقوق محل المطالبة القضائية، قبل صدور حكم المحكمة الدستورية العليا"([2]).

أثر تعديل الفقرة الثالثة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا:

 جاءت المذكرة الإيضاحية للقرار بقانون رقم 168 لسنة 1998 بتعديل الفقرة الثالثة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، لتؤكد على أن الإطلاق فى تطبيق قاعدة الأثر الرجعى لأحكام المحكمةفى غير المسائل الجنائية، قد أدى إلى صعوبات متعددة فى مجال التطبيق، وعلاجاً لذلك، رؤى تعديل حكم الفقرة الثالثة من المادة (49) من قانون المحكمة، بما يكفل تحقيق عدة أغراض، منها تخويل المحكمة سلطة تقرير أثر غير رجعى لحكمها على ضوء الظروف الخاصة التى تتصل ببعض الدعاوى الدستورية التى تنظرها بمراعاة العناصر المحيطة بها، وقدر الخطورة التى تلازمها، وهو ما يعنى اعتراف المذكرة الإيضاحية للقرار بقانون المشار إليه بتعديل المادة (49) من قانون المحكمة، بأن الأثر الرجعى للحكم بعدم الدستورية هو القاعدة التى تحكم النطاق الزمنى لتنفيذ الحكم الصادر بعدم الدستورية فى المواد غير الضريبية.

على أن الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا- التى لم يمسها هذا التعديل- أكدت على الرجعية الكاملة بالنسبة للأحكام الصادرة بعدم دستورية النصوص الجنائية، وبينت هذه الفقرة الأثر المترتب على القضاء بعدم دستورية نص جنائى، فذهبت إلى إهدار حجية الأحكام الصادرة بالإدانة، واعتبارها كأن لم تكن، حتى ولو كانت باتة، على نحو ما ذهبت إليه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا.

ومعنى "كأن لم تكن" يعنى سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن عليها ممتنعاً لتفارقها قوة الأمر المقضىالتى قارنتها، وهى رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهى رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً باتاً([3]).

أثر الرجعية على الحكم الصادر بالإدانة:

ولابد أن يكون الحكم الجنائى صادراً بالإدانة، يستوى في ذلك أن يكون صادراً بعقوبة مقيدة للحرية أو سالبة لها أو بعقوبة مالية سواء كانت غرامة أو تعويضات أو رد مبالغ، ولابد  أن يكون الحكم الجنائى قد صدر- أيضاً- مستنداً إلى النص القانوني المقضى بعدم دستوريته، وسواء صدر مستنداً إلى هذا النص وحده أو إلى مجموعة من النصوص الأخرى من بينها النص غير الدستورى، فإن الحكم الصادر بعدم الدستورية يمتد إليه([4]).

أما في حالة الأحكام الصادرة بالبراءة، استناداً إلى النص المقضى بعدم دستوريته، فقد سكت المشرع عن معالجة تلك الحالة بنص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، وهو ما يعنى إخضاعها للقواعد العامة فى هذا الشأن، التى تقضى بسريان الحكم بأثر رجعى، إلا إذا حاز هذا الحكم قوة الأمر المقضى، باستنفاد جميع طرق الطعن المقررة، أى أن الحكم في هذه الحالة يسرى عليه ما يسرى على الأحكام الأخرى الصادرة في غير المجال الجنائى، وذلك بمراعاة عدم مساس الرجعية بقاعدة القانون الأصلح فى المجال الجنائى، إذ يتعين حينئذ إعمال الأثر المباشر، لا الرجعى فى هذه الحالة، للأحكام الصادرة بعدم دستورية نص جنائى أصلح للمتهم([5]).

علة رجعية الأثر فى المجال الجنائى:

ونشير فى هذا الصدد، إلى أن الأثر الرجعى الوارد بالفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، يطبق بصفة مطلقة، حتى ولو كانت الأحكام الصادرة بالإدانة أحكاماً باتة، وفى هذا انحياز كامل للشرعية والحرية الشخصية، ذلك أن الأحكام الجنائية، تمس بطريق مباشر الحرية الشخصية للمواطن، وهى أعز ما يحرص عليه، فإذا اتضح أن النص الذى طبق عليه، كان غير دستورى، فالعدالة تقتضى أن نغلب جانب الحرية على جانب حجية الأحكام الجنائية، وفى هذا إعمال كامل لمبدأ الشرعية، ذلك أن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقف حائلاً دون تطبيق النص المقضى بعدم دستوريته، تطبيقاً لقاعدة أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وأن المشرع قد رأى فى هذه الحالة، تغليب اعتبارات الشرعية على اعتبارات حجية الأحكام([6]).

ولا يقلل من هذا النظر، ما قيل من أن الفقرة الرابعة من المادة (49) من هذا القانون، قد نصت على رجعية الحكم بعدم الدستورية فى المواد الجنائية، مما لم يكن هناك محل له لو كان المبدأ العام، هو رجعية الحكم بعدم الدستورية. فهذا القول غير سديد، لأن ما ورد فى الفقرة الرابعة المذكورة، يقضى بأن تعتبر الأحكام التى صدرت بالإدانة استناداً إلى النص الجنائى المحكوم بعدم دستوريته كأن لم تكن. فهو نص خاص بسقوط الأحكام القضائية الصادرة بالإدانة بقوة القانون بناءً على نص قانونى حكم بعدم دستوريته. فالمحكمة تحاكم النصوص التشريعية فى القوانين واللوائح ولا تحاكم الأعمال التى صدرت ترتيباً على هذه النصوص عندما يحكم بعدم دستوريتها. وتقرير عدم دستورية النص الجنائى، لا يؤدى وحده طبقاً للقواعد العامة إلى بطلان الحكم الصادر بالإدانة بناءً عليه، إلا من خلال إجراءات الطعن المنصوص عليها فى القانون، ما لم يكن هذا الحكم قد حاز قوة الأمر المقضى. لهذا جاءت الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا لعلة خاصة، هى سقوط الأحكام التى صدرت بالإدانة استناداً إلى النص الجنائى المحكوم بعدم دستوريته بقوة القانون، أى اعتبارها كأن لم تكن، ونصت على أن يقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به لإجراء مقتضاه.

مبدأ الشرعية وأثره:

لا شك أن سقوط الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة، التى حازت قوة الأمر المقضى بقوة القانون، بناءً على الحكم بعدم دستورية نص جنائى، جاء تطبيقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، باعتبار أن هذا النص، هو سند شرعية الحكم ذاته. ويترتب على سقوطه سقوط سند تنفيذه أيضاً. كما يعتبر هذا السقوط تطبيقاً لأصل البراءة للمتهم، فى مقام التوازن بينه وبين اعتبارات النظام العام، التى تقف وراء احترام قوة وحجية الأمر المقضى([7]).

ويستهدف هذا المقال، إلقاء الضوء على التطبيقات القضائية، الصادرة من المحكمة الدستورية العليا، بشأن إعمال مقتضى نص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، حيال الأحكام الجنائية الباتة، وهى مسألة لم تنل عناية الفقه الجنائى، وإن كانت قد حظيت باهتمام المحكمة الدستورية العليا بمصر، والتى أرست العديد من المبادئ الهامة في هذا الشأن.

أثر الرجعية على أحكام الإدانة غير الباتة:

نشير–ابتداء- إلى أن اعتبار الحكم الصادر بالادانة كأن لم يكنلا يثير صعوبة،- من الناحية العملية-  إذا كان الحكم أو الأحكام الجنائية غير باتة، إذ يجوز الطعن فيها من ذوى الشأن ومن النيابة العامة، وبالتالى إلغاؤها واعتبارها كأن لم تكن.

وقد استقرت تطبيقات محكمة النقض، على ذلك، فذهبت إلى "أن إعمال أثر الأحكام الصادرة بعدم دستورية نص جنائى، والذى قضى باعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن، لا يتم بمعزل عن إعمال قاعدة القانون الأصح للمتهم، عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات، والتى نصت على أنه "إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح فهو الذى يتبع دون غيره"([8]).

وقد أيدت المحكمة الدستورية العليا هذا الفهم فى أحكامها، فأشترطت لإعمال قاعدة القانون الأصلح للمتهم  فى المجال الجنائى، "أن يصدر هذا القانون قبل الحكم على المتهم بحكم نهائى، لا يقبل طعنًا بالمعارضة أو الاستئناف أو النقض، يستوى فى ذلك أن يكون الحكم، قد صدر غير قابل للطعن فيه، أو أن يكون قد صار كذلك لانقضاء مواعيد الطعن فيه، أو لاستنفاد طرق الطعن المذكورة، فإذا كان الحكم قابلاً للطعن وقت صدور القانون الجديد الأصلح، للمتهم فهذا القانون هو القانون الواجب التطبيق، سواء صدر القانون الجديد أثناء ميعاد الطعن، أو صدر خلال المدة التى تكون فيها الدعوى مطروحة على محكمة الطعن"([9]).

أثر الرجعية على أحكام الإدانة الباتة:

لكن الصعوبة تثور إذا كان الحكم الجنائى أصبح باتا([10])، أو بدأ المتهم فى تنفيذ العقوبة، فهل يعتبر كأن لم يكن من تلقاء نفسه، أم تلزم إعادة المحاكمة والحكم باعتباره كأن لم يكن؟

فطبقاً للقواعد العامة فى قانون العقوبات، إذا انقضت الدعوى الجنائية بحكم بات، حاز قوة الأمر المقضى وأصبح عنواناً للحقيقة، لا تقبل المجادلة وعنواناً للصحة التى لا تقبل المناقشة. فإن المشرع  لم يجز فى جميع الأحوال، تطبيق القانون الأصلح الذى يصدر بعد هذا الحكم، بل اشترط لذلك، أن نكون حيال وضع تأباه العدالة بصورة حاسمة، كما إذا أتى القانون الجديد بسبب يؤدى إلى إسقاط وصف التجريم عن الفعل، إما لتوافر أحد أسباب الإباحة، أو لعدم توافر أحد ركنى الجريمة (المادىوالمعنوى)، أو لقيام مانع من موانع العقاب. إذ رأى المشرع فى هذه الحالة، ضرورة التوفيق بين اعتبار العدالة واعتبار احترام قوة الأمر المقضى. فنص على أنه إذا صدر قانون بعد حكم "نهائى" يجعل الفعل الذى حكم على المجرم بسببه غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهى آثاره الجنائية (الفقرة الثالثة من المادة (5) عقوبات)([11]). والأمر كذلك فىشأن القضاء بعدم دستورية نص جنائي،إذ أورد المشرع بنص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، نص خاص، يقضى باعتبار الأحكام الصادرة بالإدانة - في تلك الحالة – كأن لم تكن، وهو ما يعنى - على ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا – سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن عليها ممتنعاً لتفارقها قوة الأمر المقضىالتى قارنتها، وهي رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهي رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً باتاً([12]).

وقد اختلفت الإتجاهات الفقهية، فى شأن إعمال الأثر المترتب على عدم دستورية نص جنائى، على الأحكام الجنائية الباتة، التي صدرت قبل القضاء بعدم دستورية ذلك النص.

 

أحكام الإدانة الباتة لا تعتبر كأن لم تكن:

إذ ذهب اتجاه فقهى([13]) إلى، أن الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة- فى حالة الحكم البات، لا تعتبر كأن لم تكن، بطريقة آلية أو تلقائية، وإنما يتم ذلك عن طريق التماس إعادة النظر، وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية([14])، لأن إعادة المحاكمة، هىالتى تسمح ببيان ما إذا كانت الإدانة، قد استندت فقط إلى النص المحكوم بعدم دستوريته أم لا، ويقدم طلب التماس إعادة النظر من النائب العام، فور إبلاغ رئيس هيئة المفوضين له بالحكم، كما يمكن لذوى الشأن، أن يتقدموا بطلبات لإعتبار الحكم الصادر بالعقوبة كأن لم يكن.

وذوى الشأن، تشمل المحكوم عليه أو أى من أقاربه، ولا يلزم أن يكون هذا القريب ممن يرثون المحكوم عليه، ويقدم الطلب إلى محكمة النقض، بالكيفية والطريقة المنصوص عليها فى قانون الإجراءات الجنائية.

ويرى أنصار هذا الإتجاه، أن محكمة النقض، هي التي تفصل فى هذا الطلب، فإن قبلته، حكمت فى موضوعه بإعتبار الحكم- محل الإلتماس- كأن لم يكن، طبقاً لنص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، ولا تقضى بالبراءة أو بأىشىء آخر. أما إذا رأت المحكمة أن الحكم الجنائى، لا يستند فى أساسه إلى النص المقضى بعدم دستوريته، فإنها تقضى بعدم قبول الطلب أو بالرفض حسب الأحوال، ويترتب على قبول الإلتماس، زوال الحكم الصادر بالإدانة بأثر رجعى، واعتبار أن المتهم وكأنه لم يحاكم أصلاً، إذ تزول كل الآثار المتعلقة بالحكم الصادر ضده بأثر رجعى، ويوقف على الفور تنفيذ العقوبات التى ابتدأ تنفيذها، فإذا كانت حرية المحكوم عليه قد سلبت، تنفيذاً لحكم الإدانة أفرج عنه على الفور. وإذا أمكن الرجوع فى التنفيذ الذى تم تعيين ذلك، وإذا لم تكن العقوبات قد نفذت بعد، فلا يجوز البدء فى تنفيذها.

وقد توافق هذا الفهم، مع ما قررته العديد من الأنظمة المقارنة،فى مجال القضاء بعدم دستورية النصوص الجنائية، مثل النظام الألمانى، فوفقاً لقانون المحكمة الدستورية الألمانية، فإن الأحكام الجنائية الحائزة لقوة الأمر المقضى، يمكن أن تكون محلاً لإعادة النظر، إذا صدرت استناداً إلى نص قضى بإلغائه، فالقاعدة أن الإلغاء يتم بأثر رجعى بالنسبة للأحكام الصادرة بالإدانة، غير أن تقرير الأثر الرجعى، يبدو فى هذا المجال وكأنه نظام خاص، لأن الرجعية هنا لا تتم تلقائياً، فأحكام الإدانة، وفقاً للقانون المحكوم بإلغائه، لا تعتبر باطلة من تلقاء نفسها، كما لا تبدأ إجراءات إعادة النظر بقوة القانون، وإنما يقتصر الإلغاء على أن يفتح الباب أمام المحكوم عليه، كى يقوم بتحريك الإجراءات، وفقاً للشروط التى يحددها القانون الجنائى([15]).

أحكام الإدانة الباتة وفكرة القانون الأصلح للمتهم:

فى حين ذهب اتجاه آخر، إلى أن الأحكام الجنائية الباتة الصادرة بالإدانة، يتعين حيالها، إعمال مقتضى فكرة القانون الأصلح للمتهم، المنصوص عليها، بالفقرة الثالثة من المادة (5) من قانون العقوبات، التى يجرى نصها على أنه "... وإذا صدر قانون بعد حكم نهائى يجعل الفعل الذى حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية.....". وقد أيدت النيابة العامة هذا الإتجاه، فى شأن العديد من الكتب الدورية، التى أصدرتها على أثر القضاء بعدم دستورية نصوص جنائية، وخلصت فيها، إلى تطبيق نص الفقرة الثالثة من المادة (5) من قانون العقوبات حيال الأحكام الجنائية الباتة، الصادرة بالإدانة، من خلال وقف تنفيذ العقوبة، تغليباً لإعتبارات الواقع العملى التي تملى عليها سرعة التصرف في إعمال الأثر المترتب على عدم دستورية النصوص الجنائية، عملاً بنص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا([16]).

ونشير في ذلك، إلى أن الإتجاه الذى تعتنقه النيابة العامة، في شأن وقف تنفيذ العقوبة، على النحو السالف بيانه، يتشابه مع ما قررته المادة (30) من قانون المحكمة الدستورية العليا الإيطالية،التي نصت على أنه "يترتب على صدور الحكم بعدم الدستورية وقف تنفيذ الأحكام الجنائية النهائية الصادرة بالعقوبة استناداً إلى القانون الذى تقرر عدم دستوريته، مع ما يترتب عليها من آثار جنائية"([17]).

اعتبار أحكام الإدانة الباتة كأن لم تكن:

وذهب اتجاه ثالث، إلى القول بأن إعمال مقتضى نص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، فيما قرره من اعتبار الأحكام الصادرة بالإدانة كأن لم تكن ولو كانت باتة، يصلح بذاته للتطبيق، دون حاجة إلى تدخل قضائى،لإعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن، إذ أوجد هذا النص، تفسيراً وتطبيقاً جديداً إلى فكرة القانون الأصلح للمتهم، المنصوص عليها بنص المادة (5) من قانون العقوبات، ولكنه يختلف عنها من حيث الآثار. فإذا كانت فكرة القانون الأصلح للمتهم، فى الحالة الأخيرة، تتشابه مع نص الفقرة الرابعة من المادة (49)  من قانون المحكمة الدستورية العليا، في انعكاسها على الحكم الصادر بالإدانة في المجال الجنائى، فإن الآثار التي يرتبها كلا النصين تختلف عن الآخر، فطبقاً للفقرة الثالثة من المادة (5) من قانون العقوبات، فإن الحكم الصادر بإدانة المتهم يظل باقياً، غير أنه يفقد استمرار صلاحيته كسند تنفيذى. فإذا كان المحكوم عليه يقضى مدة عقوبة سالبة للحرية، وجب الإفراج عنه فوراً، وإذا كان الحكم صادراً عليه بالغرامة، فلا يجوز تحصيلها منه. وإذ قام بسدادها فلا يجوز له استردادها– وفقاً للرأى الراجح- بحسبان أن المشرع قد نص على إيقاف تنفيذ ذلك الحكم، وهو ما لا يكون إلا من تاريخ صدور القانون الأصلح. نظراً لأن القانون الجديد، لا يمس الحكم الصادر ضد المتهم، ولا قوته التنفيذية، ويقتصر أثره على ما لديه من قوة تنفيذية مستقبلة. وقد عبر المشرع صراحةً عن قصده فى عدم المساس بهذا الحكم، إذ نص على وقف تنفيذ الحكم، وهو ما يعنى عدم الإستمرارفى تنفيذ الحكم بالنسبة إلى المستقبل، لا إلغاء ما تم تنفيذه فىالماضى. أما إزالة الآثار الجنائية للحكم، فتنصرف إلى جميع النتائج القانونية التى يرتبها الحكم الجنائى، مثل اعتباره سابقة فى العود([18]).

        والأمر على خلاف ذلك، في شأن إعمال الأثر المترتب على نص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، إذ جعل المشرع الأحكام الصادرة فى حالة الحكم بالإدانة كأن لم تكن، وهو ما يعنى – كما سبق القول- سقوطها بكل آثارها ولو صار الطعن فيها ممتنعا،ً لتفارقها قوة الأمر المقضى التي قارنتها، وهى رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهى رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً باتاً([19]).

ومن هذا المنطلق، أوجب المشرع على رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، تبليغ النائب العام، فور النطق بالحكم بعدم دستورية نص جنائى، لإجراء مقتضاه، فى حين أن الاستفادة من نص الفقرة الثالثة من المادة (5) من قانون العقوبات، لا تتحقق تلقائياً، بل يلزم المحكوم عليه تقديم إشكال لوقف تنفيذ الحكم. ومن جهة أخرى، فإن إعمال هذا الأثر في المجال الجنائى، لا يحده ما يسمى بالقوانين المؤقتة والتى تعد استثناءً على قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم، كما أن الحكم الصادر بالتعويض الذى استند إليه حكم الإدانة، يزول هو الأخر بأثر رجعى، يستوى في ذلك ان تكون المحكمة الجنائية، هىالتى قضت بالتعويض أو تكون المحكمة المدنية، هى التي قضت به استناداً إلى الحكم الجنائى، فإذا كان المشرع قد رتب اعتبار الحكم الجنائى كأن لم يكن، فمن ثم يتعين سريان هذا الأثر على كل حكم بالتعويض ولو صار باتاً.

ومما لا شك فيه، أن نص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا – ومذكرته الإيضاحية – واضح الدلالةفى حالة الحكم بعدمدستورية نص جنائى، من اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن. وهذا التفسير، هو ما يبرر وجود هذا النص. وإلا ما كانت هناك حاجة لوضعه، اكتفاءً بنصوص قانون العقوبات، المتعلقة بالقانون الأصلح للمتهم، وبصفة خاصة، ما ورد بالفقرة الثالثة من المادة (5) قانون العقوبات([20]).

دور المحكمة الدستورية العليا فى حل هذا الإشكال:

ونشير فى هذا الصدد، إلى ان المحكمة الدستورية العليا، - تتصدى وفقاً لإختصاصهاالموسد لها بنص الدستور والقانون - لتلك الإشكليات، من خلال فصلها فى منازعات التنفيذ التى تعترض تنفيذ أحكامها، وتستهدف من خلالها، إنهاء الآثار القانونية الناشئة عنها أو المترتبة عليها، إذ تتدخل المحكمة الدستورية العليا لإزاحة هذه العوائق التى يُفترض أن تكون قد حالت فعلاً، أو من شأنها أن تحول، دون تنفيذ أحكامها تنفيذاً صحيحاً مكتملاً، وسبيلها في ذلك الأمر بالمضى في تنفيذ أحكامها، وعدم الاعتداد بذلك الحائل الذى عطل مجراه، بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا - وفقًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 - لإزاحة عوائق التنفيذ التى تعترض أحكامها، وتنال من جريان آثارها فى مواجهة الكافة، دون تمييز، يفترض ثلاثة أمور، أولها: أن تكون هـــذه العوائق- ســـواء بطبيعتهـــا أو بالنظر إلى نتائجها- قد حالت فعلاً أو من شأنهــــــــــا أن تحول دون تنفيذ  أحكامهــــــــــا تنفيذًا صحيحًا مكتملاً، أو مقيدة لنطاقها، فإذا أعاق انسيابها أى عارض، جاز للمحكمة الدستورية العليا التدخل لترفع من طريقها ذلك العارض، لأنه لا يعدو - وإن كان حكمًا باتًّا - أن يكون عقبة مادية هى والعدم سواء، ثانيها: أن يكون إسنادها إلى تلك الأحكام، وربطها منطقيًّا بها ممكنًا، فإذا لم تكن لها بها صلة، فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها، منافية لحقيقتها وموضوعها، ثالثها: أن منازعة التنفيذ لا تُعد طريقًا للطعن فى الأحكام القضائية، وهو ما لا تمتد إليه ولاية هذه المحكمة([21]).

ومن هذا المنطلق، تعرضت المحكمة الدستورية العليا، للعديد من الأحكام الجنائية الباتة، التي تساندت إلى نصوص جنائية قضى بعدم دستوريتها، على نحو أصبحت تشكل معه عقبة من عقبات التنفيذ، التي تعترض تنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، مما يخولها الحق فى التدخل لإزاحة تلك العقبة، عملاً بنص المادة (192) من الدستور، والمادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، إذ تصبح الأحكام الجنائية الباتة الصادرة فى هذا الشأن–على ما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا- هى والعدم سواء، بما يستوجب التدخل لإزاحتها، بحسبانها تشكل عقبة من العقبات التنفيذ التي تعترض تنفيذ أحكامها([22]).

وتتصدى المحكمة الدستورية العليا للأحكام الجنائية الباتة، التى تتعارض مع تنفيذ أحكامها، سواء صدرت قبل قضاءها بعدم الدستورية، أوصدرت بعد هذا القضاء، ليس بإعتبارها جهة طعن فى الأحكام القضائية، تنظر من خلاله بحث مدى مطابقتها لأحكام القانون، أو تقويم ما يشوبها من عوج، بل يقوم اختصاصها، على بحث ما يعيق تنفيذ أحد أحكامها الصادرة منها، وفقاً لإختصاصهاالموسد إليها بنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979"([23]).

وقد ارست المحكمة الدستورية العليا في هذا الشأن، العديد من المبادئ الهامة في خصوص إعمال الآثر المترتب على عدم نص جنائى، حيال الأحكام الجنائية الباتة، نعرض لها فيما يلى:

1- اعمال الأثر المترتب على عدم دستورية نص جنائى سلب القاضى سلطته فى إعمال نص المادة (17) من قانون العقوبات:

تعرضت المحكمة الدستورية العليا لهذه المسألة، من خلال العديد من منازعات التنفيذ التى عرضت عليها، أثر قضائها بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 فى شأن الأسلحة والذخائر، المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012، فيما تضمنه من استثناء تطبيق أحكام المادة (17) من قانون العقوبات، بالنسبة للجرائم المنصوص عليها بالفقرات الثانية والثالثة والرابعة من المادة ذاتها؛ من خلال حكميها الصادرين في القضيتين الدستوريتين رقمى 196 لسنة 35 قضائية "دستورية" بجلسة 8/11/2014، 78 لسنة 36 قضائية "دستورية" بجلسة 14/2/2015، إذ أقيمت العديد من منازعات التنفيذ أمامها، على أثر صدور هذين الحكمين، على سند من الأحكام الجنائية الباتة بإدانة المدعين فى تلك الدعاوى، تشكل عائقًا يحول دون إعمال الأثر الرجعى للحكمين الصادرين من المحكمة الدستورية العليا فى القضيتين الدستوريتين رقمى 196 لسنة 35 قضائية "دستورية" بجلسة 18/11/2014 و78 لسنة 36 قضائية بجلسة 14/2/2015؛ تطبيقًا لما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979؛ من أن الأحكام التى تصدر بالإدانة، استنادًا إلى نص جنائى قُضى بعدم دستوريته تُعتبر كأن لم تكن، وهو ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لهذا القانون، بأنه إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقًا بنص جنائى؛ فإن جميع الأحكام التى صدرت بالإدانة، استنادًا إلى ذلك النص تُعتبر كأن لم تكن، حتى ولو كانت أحكامًا باتة.

وكانت هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، قد إرتأت في التقارير التى أعدتها في هذا الشأن([24])، أن الأحكام الجنائية الباتة،التى صدرت قبل قيام المحكمة الدستورية العليا، بإصدار حكميها الصادرين فى القضيتين رقمى 196 لسنة 35 قضائية "دستورية"، 78 لسنة 36 قضائية "دستورية"، المار ذكرهما، لا تشكل عقبة فى سبيل تنفيذهما، إذ لا يتصور إهدار حجية أحكام جنائية باتة صدرت بالإدانة، وإعتبارها كأن لم تكن، اعمالاً لنص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، ما لم يكن تدخلها، كان على آثر القضاء بعدم دستورية نصوص تشريعية، رتبت زوال التجريم عن الأفعال التى ارتكبها المتهم، أو تضيق من مجاله، أو بما يرتب محو العقوبة كلية، أو يجعلها أقل وطأة، إذ لا يتصور إعادة محاكمة المتهمين،فى تلك القضايا- مجدداً- على أثر القضاء بعدم دستورية نص جنائى، لم يتوافر فيه أياً من الأحوال المار ذكرها، بعد أنأستنفدت حيالهم طرق الطعن المقررة قانوناً.

غير أن المحكمة الدستورية العليا،–خلافاً لما تقدم- ذهبت إلى الإستمرار في تنفيذ حكميها المار بيانهما، وعدم الإعتداد بالأحكام الجنائية الباتة التى صدرت بإدانة المتهمين في تلك الدعاوى، وتساندت إلى نصوص تشريعية جنائية، تحول دون اعمال القاضى لسلطته المقررة بنص المادة (17) من قانون العقوبات بالنزول بالعقوبة، بما يجعل الحكم الصادر منه، بعد إزالة هذا القيد أقل وطأة، إذ إرتأى استعمال سلطته التقديرية،  وشيدت قضاءها، تأسيساً على "أن قانونها - ضمانًا لصون الحرية الشخصية التى كفلها الدستور، واعتبرها من الحقوق الطبيعية التى لا يجوز الإخلال بها عدوانًا - قد نص فى المادة (49) منه على أنه إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقًا بنص جنائى، فإن أحكام الإدانة الصادرة استنادًا إليه تُعتبر كأن لم تكن. وهو ما يعنى سقوطها بكل آثارها ولو صار الطعن فيها ممتنعًا، لتفارقها قوة الأمر المقضىالتى قارنتها، وتلك هى الرجعية الكاملة التى أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهى – بعد– رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفًا لكل عائق على خلافها ولو كان حكمًا باتًّا.

كما ذهبت – أيضاً- إلى أن التفسير المنطقى السديد، لما ورد بالمذكرة الإيضاحية لقانون هذه المحكمة؛ بشأن إعمال الأثر الرجعى للحكم الصادر منها بعدم دستورية نص جنائى صدر بالإدانة، واعتباره كأن لم يكن ولو كان باتًّا، ينسحب إلى الأحكام التى تزيل وصف التجريم أو تضيّق من مجاله؛ باعتباره وضعًا تأباه العدالة، إذا ما أسقط الحكم هذا الوصف عن الأفعال التى ارتكبها المتهم، أو عن طريق تعديل تكييفها، أو بتغيير بنيان بعض عناصرها، بما يمحو عقوبتها كلية أو يجعلها أقل وطأة؛ استنادًا إلى أن هذا الحكم يسرى فى شأن الأحكام السابقة على صدوره ولو كانت باتة، طبقًا لما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا المشار إليه".

        وقد خلصت مما تقدم، إلى "أن الحكمان الصادران من المحكمة الدستورية العليا فى القضيتين الدستوريتين رقمى 196 لسنة 35 قضائية "دستورية" بجلسة 8/11/2014 و78 لسنة 36 قضائية "دستورية" بجلسة 14/2/2015، ولئن لم يتعرضا – سواء فى منطوقيهما أو ما يتصل بهما من أسبابهما اتصالاً حتميًّا – للفصل فى دستورية أى من نصوص مواد الاتهام المسندة إلى المدعين فى تلك الدعاوى ارتكاب الجرائم الواردة بها، والتى صدر على أساسها الحكم بمعاقبتهم فى الأحكام الجنائية التى تم إدانتهم على أساسها، إلا أنهما انتهيا إلى عدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 فى شأن الأسلحة والذخائر، المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012، فيما تضمنه من استثناء تطبيق أحكام المادة (17) من قانون العقوبات، بالنسبة للجرائم المنصوص عليها بالفقرات الثانية والثالثة والرابعة من المادة ذاتها؛ وتبعًا لذلك، ينصرف أثر هذين الحكمين إلى إزالة القيد الوارد على السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع بنص الفقرة الأخيرة من المادة (26) المشار إليها، وهو القيد المتمثل فى عدم جواز النزول بالعقوبة؛ بما يجعل حكمها– بعد إزالة هذا القيد– أقل وطأة؛ إذا ارتأت استعمال سلطتها التقديرية، طبقًا لنص المادة (17) من قانون العقوبات، ومن ثم تكون الأحكام الجنائية المنازع في تنفيذها، فيما تضمنته من عدم إمكان استعمال تلك السلطة التقديرية، مخالفة لما قضت به المحكمة الدستورية العليا فى حكميها الآنفى الذكر، وتبعًا لذلك تشكل عقبة عطلت تنفيذ هذين الحكمين؛ مع ما يتعين معه القضاء بإزالتها، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات سلطتها التقديرية فى هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكمى المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها على النحو السالف البيان([25]).

وقد تعرضت المحكمة الدستورية العليا،فى خصوص اعمال أثر الحكمين الدستوريين المار بيانهما، إلى منازعات تنفيذ أخرى، أقيمت بغير سند صحيح، بعضها تعلق بأحكام جنائية باتة، صدرت بعد صدور حكمي المحكمة الدستورية العليا فى القضية رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية"، 78 لسنة 36 قضائية "دستورية"، فألتزمت بحجيتهما، من خلال استعمال الرأفة مع المتهمين، اعمالاً لأحكام المادة (17) من قانون العقوبات بالنزول بالعقوبة المرصودة لجريمة إحراز السلاح، الأمر الذى ارتأت معه المحكمة الدستورية العليا، انتفاء وجه العقبة فى تنفيذ حكميهاالآنفى الذكر([26])والبعض الآخر، تعلق بأحكام جنائية باتة،صدرت في شأن جرائم ارتكبت قبل العمل بالمرسوم  بقانون رقم 6 لسنة 2012 بتعديل بعض أحكام القان

المصدر: مجلة المحكمة الدستورية
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 271 مشاهدة

مؤسسة البراءة لللمحاماة و الاستشارات القانونية

innocencelawyer
رحلة الحياة مليئة بالصراعات والمشاكل التي تؤرق الجميع وتسلبهم حقوقهم وقد تصل لتقييد حرياتهم وتعوقهم في مواصلة الحياة كما يحلمون بها لما كانت البراءة تعنى النقاء والصفاء مع النفس حتى يتحقق الاستقرار للجميع وتقديسا منا لما تعنيه البراءة فى كافة المجالات قمنا باختيار اسم البراءة الناصعة لمجموعتنا القانونية وإيمانا منا »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,665