COMcasT

مصدر موثوق، حائز على جوائز دولية - تحليلات وتقارير متخصصة وفق مؤشرات عالمية - Al-Monitor

السياسة

edit

في عيد مولدها أغسطس الجاري بتاريخ حافل بالتحريض على العنف.. مجرمة حرب صهيونية، يُطلقون عليها "عرابة" الاستيطان الشيطاني، والملقبة بـ"السيدة المجنونة"، منذ السبعينيات من خلال حركة "غوش إيمونيم"، 

ونشأت في بيئته متأثرة بالحركة الصهيونية فوالدها كان ناشطاً في حركة "ليحي" المتطرفة. فكانت دانييلا فايس من أبرز الداعين لتحويل الأيديولوجيا الدينية إلى مستوطنات فعلية على الأرض لأكثر من خمسة عقود يعلوها تجاعيد وجه شيطاني تعكس الصلابة والتشدد الدمويين، وكأنها شبيهة لرئيسة وزراء إسرائيل الراحلة غولدا مائير. فكلتاهما ذات جذور عميقة للفكر الصهيوني، 

 

لكن كانت مائير سياسية دولة، أما فايس تتحرك من الهامش، كناشطة أيديولوجية أكثر منها زعيمة وطنية. بل وشبهوها بجان دارك "عذراء أورليان"، البطلة القومية الفرنسية التي قادت جيشها إلى انتصارات مهمة خلال حرب الـ100 عام في القرن الـ15، لكن فاييس كانت من أبرز مروجي الاستيطان غير القانوني في الضفة الغربية بجيش همجي دموي، ومثلما ادعت "دارك" الإلهام الإلهي الذي مهد الطريق لتتويج شارل السابع ملكاً على البلاد، تصر فايس على أنها وعد الله لإسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، ولذا كانت كلماتها الدموية في تقرير CNN في ديسمبر 2024، قائلة: "سجلوا، سجلوا. ستكونون في غزة"، 

 

وقد عرضت خريطة تظهر خططاً لإنشاء ست مجموعات استيطانية في أنحاء قطاع غزة. بل وقالت العجوز "لا يوجد عربي، وأنا أتحدث عن أكثر من مليوني عربي. لن يبقوا هناك، نحن اليهود سنكون في غزة"، حتى أنها وصفت العرب أجمع بأنهم وحوش يريدون إبادة دولة إسرائيل، أو تطهيراً لليهود، نحن لا نفعل بهم شيئاً، هم من يفعلون بنا، مُعتبرة أن المواطنين العرب في غزة فقدوا حقهم بالبقاء فيها إلى الأبد، ولذا سيذهبون إلى دول مختلفة في العالم.

 

إنها الشمطاء الرقطاء التي ترفض منح الفلسطينيين أي سيادة. ودعت إلى تهجير من يرفض السيادة الإسرائيلية، وتؤمن بأن الدولة يجب أن تكون لليهود فقط. كما دعمت التعديلات القضائية في إسرائيل وهاجمت المحكمة العليا بزعم محاولتها تقويض الهوية اليهودية للدولة، وسُمح لها بمسح مواقع في غزة رغم القيود العسكرية، وتروّج لخطط إنشاء 6 تجمعات استيطانية فيها، وكأنها تُشبه "سيرسي لانستر"، الشخصية المحورية في مسلسل "صراع العروش" (Game of Thrones). رغم الفارق الشاسع بين عالمي "ويستروس" الخيالي وواقع الضفة الغربية، التي كان رد فعلها الإنساني على المشاهد المرعبة لأطفال غزة، قولها: "أنا أتبع قانون الطبيعة الأساسي: أطفالي قبل أطفال العدو، نقطة".

 

أنها ليست مجرد ناشطة أو مستوطنة، بل "مجرمة حرب تعمل في العلن، وتستحق المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية، بغبائها الاستعلائي الذي يتعامل مع غزة وكأنها أرض خالية، متجاهلة وجود سكانها، متشبثة بعقلية المستعمر الأبيض، والادهى والأمر أنها مرشحة لجائزة نوبل للسلام كالرئيس الأمريكي الملطخة يداه وإدارته بدماء أبرياء غزة وتجويعها، ومُتبجحة بقولها: "طموحي الوحيد هو أن يكون هناك خير وسلام في الأرض والعالم بجعل أرض إسرائيل مأهولة بجميع أجزائها"، وهي تحتل منذ عقود أراض في فلسطين وسوريا ولبنان، وترفض الانسحاب منها وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود ما قبل حرب 1967.

 

إنها عقوبات دامغة... ووجوه خلف ستار الرعب نراها من دانييلا فايس... ذات الوجه البارد للتحريض وامرأة لا تعرف الرحمة، ضالعة في تهديدات وأفعال عدوانية ضد الفلسطينيين، لم تكتفِ بالفعل بل حرّضت وجوعت وقتلت، حتى تُجمدت أرصدتها، ومُنعت من دخول المملكة المتحدة، وسُحبت منها صلاحيات الإدارة. فايس لم تكن مجرد صوت، بل كانت أداة فاعلة في صناعة الرعب، عبر مشاهد يُقطر منها التوتر ويشعل فتيل الأسئلة، أعلنت السلطات اليوم عن سلسلة عقوبات تهزّ أركان كيانات وأفراد تورطوا في أعمال وصفت بأنها "عدوانية، قاسية، وغير إنسانية" ضد الفلسطينيين. خلف هذه الأسماء، تتوارى قصص من العنف والتحريض، ومن دعم ممنهج لبؤر الاستيطان التي تقتلع الأرواح قبل أن تقتلع الأرض.

 

إنها كيانات لعوب... تتقن فن الإغواء السياسي كالمرأة اللعوب التي تتنقّل بين الرجال بعلاقات متزامنة ومتتالية، دون نية صادقة أو نهاية سليمة، تتنقل هذه الكيانات بين مشاريع الاستيطان والتهجير، تغوي السلطة، وتستدرج المال، وتغازل النفوذ. شركة تدعم بؤرة غير قانونية، ومزرعة ترتبط بانتهاك قاسٍ، وحركة تروّج للمعاناة... كلهم كمن يملك عشيقًا غنيًا وآخر صاحب سلطة وثالثًا يبتزها، يعرفون أن النهاية لن تكون نظيفة، لكنهم يواصلون اللعبة. واليوم، جاء العقاب: تجميد، منع، سحب صلاحيات... كأن الستار أُسدل على مسرح الإغواء، ووضعها في تابوت حبارير الموت.

هاريل ليبي... البناء على أنقاض الألم

 

مالك شركة ليبي للإنشاءات، لم يكن مهندساً للبنية التحتية فحسب، بل مهندساً للتهجير القسري. تورطه في دعم بؤر استيطانية غير قانونية جعل من شركته أداة لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم. أرصدته جُمّدت، وسُحبت منه الأهلية الإدارية، وأُغلق باب المملكة المتحدة في وجهه.

 

زوهار صباح... حين يصبح التحريض مهنة، يأتي اسم آخر في قائمة الرعب، ضالع في التهديد والتحريض والتأييد لأعمال عدوانية ضد الفلسطينيين. صباح لم يكن مجرد متفرج، بل لاعب رئيسي في مشهد العنف. واليوم، يدفع الثمن: تجميد أرصدة، ومنع سفر، وسحب صلاحيات.

 

مزرعة كوكو... الأرض التي تنبت القسوة، فهي ليست مجرد مزرعة، بل نقطة سوداء على خارطة الانتهاكات. مرتبطة بشخص ضالع في تسهيل وتشجيع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. أرصدتها جُمّدت، لتبقى شاهداً على كيف يمكن للأرض أن تُستخدم كأداة للعقاب.

 

شركة ليبي... البنية التحتية للتهجير في صورة شركة بناء، بل شركة تهجير. دعمت لوجستياً ومالياً إنشاء بؤر استيطانية غير قانونية، تسببت في معاناة نفسية وعنف ممنهج ضد الفلسطينيين. العقوبات طالتها، فجُمّدت أرصدتها وسُحبت منها الأهلية الإدارية.

 

حركة نحالا... التنظيم الذي يزرع الألم، قدمت الدعم لإنشاء بؤر استيطانية غير قانونية، وشاركت في التهجير القسري والمعاناة النفسية للفلسطينيين. اليوم، تُجمد أرصدتها، في محاولة لكبح جماح التنظيم الذي جعل من الأرض ساحة للغضب.

 

مزرعة نيريا... حين تتحول الطبيعة إلى سلاح، على يد شخص ضالع في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتخضع الآن لتجميد أرصدتها. المزرعة التي كان يُفترض أن تكون ملاذاً للهدوء، تحولت إلى منصة لانتهاك الكرامة.

 

ختاماً... ليست مجرد أسماء، بل شخوص وكيانات صنعت من الألم مشروعاً، ومن الأرض ساحةً للتهجير، ومن التحريض منهجاً. العقوبات اليوم ليست نهاية، بل بداية لكشف ما وراء الستار... حيث الرعب لا يزال يتنفس.

ibrahimgalal

DR . IBRAHIM GALAL

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 97 مشاهدة
نشرت فى 17 سبتمبر 2025 بواسطة ibrahimgalal
د. إبراهيم جلال فضلون, فايس, , الكاهنة حبارير والسيدة المجنونة, الكاهنة حبارير, السيدة المجنونة, الكاهنة, حبارير, غزة قطاع غزة حصار غزة غزة العدوان على غزة غزة تحت القصف جنوب غزة, غزة قطاع غزة, حصار غزة, غزة, العدوان على غزة, غزة تحت القصف, جنوب غزة, فايز الكاهنة, 180news, مقال رأي تحليلي, الصحافة الأردنية, الكتابة العربية المعاصرة, النقد الثقافي, القضايا الاجتماعية, الرأي والسياسة, المنصة الرقمية, تجربة إنسانية, تفاعلات المجتمع, ظواهر عربية, عمود صحفي, الصحة النفسية للمراهقين, الصحة النفسية للمرأة, الصحة النفس, تسويق المحتوى الرقمي, كتابة سكريبت الفيديو, مهارات الكتابة الجامعية, معايير التحرير الصحفي, تطويع المحتوى للمنصات الاجتماعية, كتابة المحتوى للمؤسسات الحكومية, استراتيجيات المحتوى بجامعة طيبة, ور, قناة السويس, مضيق هرمز, القوة الديموغرافية العربية, الوحدة العربية, الإرادة السياسية العربية, الصمت العربي, التضامن العربي, اقتصاد المقاومة, حقوق الفلسطينيين, فلسفة البقاء للأقوى, العلاج السلوكي المعرفي, دعم الصحة النفسية, الوقاية من الانتحار, التوعية ال

كان نيرون يجلس على شرفته في روما، مُمسكًا بعوده المُوسيقي، بينما النار تلتهم مدينته. لم يكن يهمه أن الناس يحترقون أو أن الحضارة تنهار؛ كل ما أراده أن يخلّد نفسه في فوضى الدم والرماد.. وبعد قرون، جاء هتلر ليمارس الهوس نفسه: أراد أن يسوّي باريس بالأرض لأنها أجمل من برلين، وحلم بأن تحترق لندن بضربة نار واحدة. واليوم يقف الإرهابي نتنياهو في غزة موقف نيرون وهتلر معًا: يصغي لنشوة الدمار، كأن قتل الأطفال وقصف المستشفيات عزفٌ يطربه. وعلى مقربة منه، يصفّق ترامب في واشنطن، يغطي كل مجزرة بفيتو ويبرر كل دمعة بعبارة الدفاع عن النفس.


إنهما رجلان يمثلان نسخة حديثة من طغاة التاريخ، لكن هذه المرة ليست روما ولا باريس التي تحترق، بل غزة المحاصرة والعالم العربي مرهق، يتلقون الضربة تلو الأخرى من عمان للدوحة فمن التالية؟.
 

نحن على مشارفِ مرحلة لم يسبق أن مررنا بمثلها، وكـأننا لُقمة مثيرة لشهية أي مُعتدٍ، فقد أثبتت حرب الأيام الـ12، أن حجم إسرائيل المتناهي في الصغر نسبياً، يجب ألا يبقى كذلك، حتى مع ترسانتها من الأسلحة النووية، فهي بحاجة ماسة لمضاعفة مساحتها، ولا ترغب حتماً في أن تضيع فرصتها في أن تكون أكبر، وأكثر أماناً، على حساب مساحة عروبتنا، سيراً على مبدأ إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب... كأنه قانون البقاء في الغابة لا في مجتمعات بشرية حضرية. صدح بها زهير بن أبي سلمى قال قبل الإسلام: ومن لا يَظلم الناس يُظلم، وكأن هذه العقلية البدائية ما زالت تتحكم في كثير من عقول السياسيين المعاصرين. لكن القرآن الكريم جاء ليقلب المعادلة: لا تَظلمون ولا تُظلمون. أي لا مكان لفلسفة الذئاب، بل هناك ميزان عادل يقوم على صيانة الحقوق والدفاع عنها دون الانزلاق إلى الظلم نفسه.
 

ومع ذلك، ما زال قادة العالم يفضلون منطق الغابة. فإسرائيل تصرّ على أن أمنها لا يتحقق إلا بابتلاع أرض الآخرين، وأمريكا تعتبر هيمنتها مبررًا كافيًا لاستخدام كل أشكال القوة والفيتو، كأننا على خشبة مسرح نيرونات العصر، فمن يتأمل غزة اليوم يرى نسخة حديثة من روما المحروقة. ومع ذلك، يظهر نتنياهو في مؤتمراته الصحفية ببرود أعصاب أشبه ببرود هتلر وهو يتحدث عن تدمير باريس.
 

أما الأشقر ويمينه الأمريكي ترامب، لم يتورع عن إعطاء الضوء الأخضر لكل هذه المجازر، بل جعل من قضية القدس ورقة انتخابية. فهما الاثنان معًا يُعيدان إلى الأذهان صورة الطغاة الذين لا يرون في الدماء سوى سلّمًا إلى الخلود السياسي.، أما القمة العربية – الإسلامية في الدوحة ما هي إلا اجتماع دبلوماسي عابر. رغم أنها لحظة فاصلة لاختبار جدية العرب والمسلمين، والتاريخ القريب يقدم لنا درسًا مُهمًا. في أكتوبر 1973، حين استخدم العرب سلاح النفط، فاهتزت الاقتصادات الغربية وارتفعت أسعار الطاقة بشكل غير مسبوق. ولم يكن الهدف مجرد العقاب، بل فرض الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. وقد نجح ذلك الضغط في قلب موازين التفاوض. واليوم لنا السطوة لفعلها وأوراقًا أكثر قوة من تلك التي كانت قبل نصف قرن. لكن الفارق هو غياب الإرادة السياسية الموحدة.
 

إذا نظرنا إلى الخريطة الاقتصادية للعالم الإسلامي نجد كنوزًا هائلة:
 النفط: السعودية وحدها تنتج نحو 10 ملايين برميل يوميًا، والعراق 4.5 ملايين، والإمارات والكويت وإيران تمتلك احتياطات تجعلها بين الأكبر عالميًا.
 الغاز: قطر تقود العالم في الغاز الطبيعي المسال، بينما إيران والسعودية في صدارة المنتجين الإقليميين.
 الفوسفات والمعادن: أكثر من 80% من احتياطات الفوسفات العالمية موجودة في دول عربية وإسلامية، إضافة إلى الذهب واليورانيوم والمعادن النادرة.
 الموقع الجغرافي: مضائق هرمز وباب المندب وقناة السويس تجعل من المنطقة قلب التجارة العالمية.
 القوة البشرية: 1.9 مليار مسلم، أغلبهم من الشباب، يشكلون قوة ديمغرافية هائلة.

كل هذه ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل أسلحة إستراتيجية قادرة على فرض شروط جديدة إذا ما توحدت الرؤية السياسية. فنملك القوة، أم نملك الإرادة؟.. لينهض العرب من سباتهم وسط حرب منطقها منطق الذئاب البقاء للأقوى فالذئب لا يأكل من غنم الراعي اليقظ والسؤال اليوم: هل يبقى العرب غافلين حتى تنهشهم الذئاب واحدة تلو الأخرى، أم سيستيقظون، فلحظة النهوض قد لا تتكرر، والتاريخ لا يرحم من اختار الصمت وهو يملك مفاتيح القوة.

ibrahimgalal

DR . IBRAHIM GALAL

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 64 مشاهدة
نشرت فى 17 سبتمبر 2025 بواسطة ibrahimgalal
نيرون, هتلر, نتنياهو, ترامب, غزة المحاصرة, مجازر غزة, الاحتلال الإسرائيلي, الحرب على غزة, حرب الأيام الـ12, الإرهاب السياسي, العدالة الدولية, سلاح النفط العربي, الغاز الطبيعي المسال, احتياطي الفوسفات العالمي, قناة السويس, مضيق هرمز, القوة الديموغرافية العربية, الوحدة العربية, الإرادة السياسية العربية, الصمت العربي, التضامن العربي, اقتصاد المقاومة, حقوق الفلسطينيين, فلسفة البقاء للأقوى, العلاج السلوكي المعرفي, دعم الصحة النفسية, الوقاية من الانتحار, التوعية النفسية, المرونة النفسية, مهارات التأقلم, إدارة التوتر والضغط النفسي, اليقظة الذهنية, التوازن النفسي, الصحة النفسية للأطفال, الصحة النفسية للمراهقين, الصحة النفسية للمرأة, الصحة النفس, تسويق المحتوى الرقمي, كتابة سكريبت الفيديو, مهارات الكتابة الجامعية, معايير التحرير الصحفي, تطويع المحتوى للمنصات الاجتماعية, كتابة المحتوى للمؤسسات الحكومية, استراتيجيات المحتوى بجامعة طيبة, ورشة عمل الكتابة الإبداعية, الكتابة المهنية في السعودية, حبارير

ما هي قصة "الحمار والفيل" اللذين يحكمان الولايات المتحدة منذ عقود؟

د. إبراهيم جلال فضلون

يبرز في قلب الساحة السياسية الأمريكية، رمزا الفيل للحزب الجمهوري والحمار للحزب الديمقراطي كعلامات فارقة تعكس هوية الحزبين ومواقفهما.

هذه الرموز ليست مجرد شعارات بل تحمل في طياتها تاريخاً عريقاً وقصصاً لها أبعاد ومعانٍ. منذ أن تبنى الديمقراطيون رمز الحمار في القرن 19 والجمهوريون رمز الفيل في نهاية نفس القرن، أصبحت هذه الحيوانات مرآة تعكس القيم والسياسات والأهداف التي يسعى كل حزب لتحقيقها.

ويُعد فهم هذه الرموز أمراً بالغ الأهمية لفهم أعمق للسياسة الأمريكية. فهذان الرمزان (الفيل والحمار) ليسا مجرد تمثيل بسيط؛ بل يعبران عن فلسفة سياسية ومواقف أيديولوجية محددة. ويعبران عن أهداف المرشحين الذين ينتمون إلى أحد هذين الحزبين السياسيين الديمقراطي والجمهوري منذ عام 1853.

يتتبع هذا التقرير جذور هذه الرموز، ويسلط الضوء على كيفية نشأتها وتطورها، ويبين كيف يستخدمها الحزبان في حملاتهما الانتخابية المعاصرة للتواصل مع الناخبين والتأثير على الرأي العام.

وتظهر في كل دورة انتخابية رسوم للحمير والأفيال في الرسوم الكاريكاتورية السياسية، ودبابيس الحملات الانتخابية

تاريخ الرمزين

الحمار - الحزب الديمقراطي

بدأ استخدام الحمار كرمز للحزب الديمقراطي في أوائل القرن 19، تحديداً خلال حملة أندرو جاكسون الانتخابية عام 1828. في ذلك الوقت، أطلق خصوم جاكسون عليه لقب "جاكاس" (حمار)، في محاولة للسخرية منه. بدلاً من أن يتجاهل جاكسون هذا الهجوم، تبنى الحمار كرمز له، معتبراً أنه يعبر عن الثبات والعمل الدؤوب. لاحقاً، أصبح الحمار رمزاً شائعاً في الرسوم الكاريكاتورية السياسية التي تمثل الديمقراطيين.

واستمر استخدام الحمار كرمز للحزب الديمقراطي في التطور على مر العقود، ليصبح رمزاً معترفاً به على نطاق واسع. في نهاية المطاف، ساهم الفنان توماس ناست في تعزيز هذا الرمز من خلال رسوماته الكاريكاتورية الشهيرة التي نشرت في مجلة "هاربرز ويكلي" في أواخر القرن 19، مما ساعد في ترسيخ الحمار كرمز رسمي للحزب الديمقراطي.

صدر الصورة،Getty Images

التعليق على الصورة،يعود الفضل في ترسيخ الرمزين لرسام الكاريكاتير توماس ناست

 

الفيل - الحزب الجمهوري

أما الفيل، فقد بدأ استخدامه كرمز للحزب الجمهوري في أواخر القرن التاسع عشر. يعود الفضل في ذلك أيضاً إلى رسومات توماس ناست. في رسم كاريكاتوري نشر في مجلة "هاربرز ويكلي" عام 1874، صور ناست الفيل كممثل للحزب الجمهوري، معبراً عن القوة والصلابة.

الفيل كان يُنظر إليه على أنه رمز للقوة والاستقرار، وهو ما يتماشى مع القيم التي يسعى الحزب الجمهوري إلى تعزيزها. منذ ذلك الحين، تبنى الجمهوريون الفيل كرمز لهم، وأصبح يظهر بشكل متكرر في الحملات الانتخابية والمواد الدعائية الخاصة بالحزب.

بهذا، أصبح الحمار والفيل جزءاً لا يتجزأ من الهوية السياسية للحزبين، محملين بالمعاني التاريخية والسياسية التي تجسد قيم ومبادئ كل حزب.

معنى الرمزين

يعبر كل من الحمار والفيل عن فلسفة سياسية وجمهور انتخابي مختلف. الحمار الديمقراطي يعكس التزام الحزب بحقوق الفئات العاملة والطبقة المتوسطة والدعوة إلى الإصلاحات الاجتماعية. من ناحية أخرى، الفيل الجمهوري يرمز إلى القوة الاقتصادية والدفاع عن القيم التقليدية والسياسات المحافظة.

معنى الحمار - الحزب الديمقراطي

والحمار، الذي بدأ كرمز للحزب الديمقراطي من خلال السخرية، تطور ليحمل معاني أعمق ودلالات إيجابية. يمثل الحمار الصبر، المثابرة، والقدرة على التحمل. الديمقراطيون يرون في الحمار رمزاً للتواضع والعمل الجاد والقدرة على مواجهة التحديات بشجاعة. الحمار كحيوان معروف بأنه ذو طبيعة عنيدة، وهذا يعكس أحياناً إصرار الحزب الديمقراطي على التمسك بمبادئه والدفاع عن القضايا التي يؤمن بها حتى في وجه المعارضة الشديدة.

صدر الصورة،Getty Images

التعليق على الصورة،رسم توماس ناست بابا نويل (سانتا كلوز) في شكله الحديث والعم سام الذي يرمز للولايات المتحدة

 

معنى الفيل - الحزب الجمهوري

الفيل، الذي أصبح رمزاً للحزب الجمهوري بفضل رسومات توماس ناست، يمثل القوة، الثبات، والعزيمة. يُنظر إلى الفيل على أنه حيوان قوي وكبير، يعبر عن القوة الاقتصادية والعسكرية التي يفتخر بها الحزب الجمهوري. الفيل كرمز يعكس أيضاً فكرة النظام والانضباط، وهي قيم يروج لها الحزب الجمهوري في سياساته وبرامجه. الفيل يتمتع بذاكرة قوية، وهذا يرمز إلى الاستمرارية والتفاني في الحفاظ على التقاليد والقيم التي تشكل أساس الحزب الجمهوري.

تأثير الرمزين في السياسة الحديثة

تأثير الحمار - الحزب الديمقراطي

في السياسة الحديثة، يلعب شعار الحمار دوراً مهماً في تعزيز الهوية الحزبية للحزب الديمقراطي. يعتبر الحمار رمزاً يعبر عن قيم الحزب مثل العمل الجاد، الحقوق الاجتماعية، والتزامه بالعدالة الاقتصادية.

ويستخدم الحزب الديمقراطي شعار الحمار بشكل متكرر في الحملات الانتخابية، على اللافتات، الملصقات، والإعلانات الرقمية. يعزز هذا الاستخدام من الهوية البصرية للحزب ويساعد على تعزيز الارتباط العاطفي بين الناخبين والشعار.

ويعكس الحمار صورة الحزب الديمقراطي كحزب يعمل من أجل الفئات العاملة والطبقة المتوسطة، مما يساعد في بناء سمعة الحزب كمدافع عن القضايا الاجتماعية. كما أن وجود الشعار في الحملات يعزز من التواصل بين الحزب وناخبيه، ويساعد على تجسيد القيم التي يدافع عنها الحزب.

ويعزز الحمار من الهوية الحزبية من خلال تكرار استخدامه في مختلف المناسبات السياسية والاجتماعية، مما يساهم في تثبيت صورة الحزب في ذهن الناخبين والمجتمع.

صدر الصورة،Getty Images

 

تأثير الفيل - الحزب الجمهوري

بالنسبة للحزب الجمهوري، يمثل شعار الفيل رمزاً قوياً يعبر عن القوة، الثبات، والقدرة على القيادة. يعزز الفيل من سمعة الحزب كحزب محافظ يركز على القيم التقليدية والقوة الاقتصادية.

يستخدم الحزب الجمهوري الفيل بشكل بارز في حملاته الانتخابية كرمز للقوة والعزيمة. يظهر الفيل على اللافتات، المطبوعات، والمواقع الإلكترونية، مما يسهم في تعزيز صورة الحزب كجهة تركز على الأمان والاستقرار.

يعكس الفيل أيضاً صورة الحزب الجمهوري كحزب قوي ومتين، مما يساعد في جذب الناخبين الذين يفضلون الاستقرار والقدرة على القيادة. هذا يعزز من ارتباط الناخبين بالحزب كخيار موثوق في القضايا الاقتصادية والدفاعية.

كما يساهم الفيل في تعزيز الهوية الحزبية من خلال ظهوره المستمر في الحملات الإعلامية والمناسبات السياسية، مما يساعد في بناء صورة الحزب كقوة موثوقة في السياسة الأمريكية.

ibrahimgalal

DR . IBRAHIM GALAL

إبراهيم جلال فضلون (1)

إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم ....ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية ... فكن قاسيا معهم أو أخرج، هكذا غرس بذور الأصولية وحصد الغرب من ورائه مرارة الكراهية، ومن مثلهُ وقد سبقهُ رجل حرك اللعبة السياسية في العالم لعقود عدة، المُنظّر الأميركي الشهير، هنري كيسنجر عراب الحروب والانقلابات، من حرب فيتنام وكمبوديا وتيمور الشرقية وبنغلاديش.


والحروب الأهلية في جنوب القارة الأفريقية، وفرق الموت في جميع أنحاء أميركا اللاتينية وباكستان وصولاً لما ألت إليه الأمور في حرب غزة الآن. وفقا لكاتب سيرته الذاتية غريغ غراندين. الذي قال: "لقد ترك تلك المنطقة في حالة من الفوضى، مما مهد الطريق لأزمات لا تزال تعاني منها البشرية"، فماذا لو كان على قيد الحياة الآن؟ وبماذا كان سينصح ساكني البيت الأبيض، وإسرائيل في التعامل مع هذه الحروب؟، لكن بوفاته، كُتبت الأسطُر الأخيرة للصور المشوشة والرؤية الأمريكية المرتبكة، والحيرة في التعامل مع فكرة إنهاء هذه الحروب لاسيما حرب غزة القائمة، وكُشف خلالها أسراء ونوايا العالم لمغلف بالرحمة ومن عاونهم من دول ومنظمات ماتت ضمائرها وشركات أفلست لمقاطعتها. 


ليكون برنارد لويس... بطريرك الاستشراق، مرأة لتلك الأعمال كسلفه كيسنجر.. مؤملاً أن يصل ذات يوم إلى رقي أفكار أستاذه المستشرق الفرنسي الكبير "لويس ماسينيون"، فهو منذ أن وضع رسالته العلمية الأولى عن "الطائفة الإسماعيلية وجماعة الحشاشين"، ليكون سببا رئيسيًا في تنامي التيارات الأصولية اليمينية في الداخل الأميركي.


 بدت طلعاته كيهودي - اشكينازي من الطبقة الوسطى، تاركاً أكثر من 30 كتابا ومئات المقالات والدراسات التي ترجمت الى أكثر من 20 لغة، وليكتب سفهاً مؤلفات عن منطقة الشرق الأوسط والدين الإسلامي "العرب في التاريخ"، "الإسلام والغرب"، فكان صاحب فكرة أسلمة أوروبا، وكتاب "تشكيل الشرق الأوسط الحديث"، "الإسلام في التاريخ"، بحتمية زائفة عنوانها عداوة الإسلام للمسيحية واليهودية، ورفض الإسلام لغيره من الأديان والثقافات، ومنها فكرة عداء المسلمين للسامية، تهيئة لفكرة العداء التاريخي من قبل المسلمين لكل ما هو غربي يهودي أو مسيحي، بل يرجع إليه تعبير "كفاح المسلمين الألفي"، حتى قالت صحيفة وول ستريت جورنال عن نظرية لويس بـ "زرع الديمقراطية في دول الشرق الأوسط الفاشلة للقضاء على الإرهاب".. عبر مرحلتين استعماريتين أولاها بقوة السلاح في القرن 19 وحتى منتصف ق 20، والمرحلة الثانية للآن مستمرة لكن بوسائل غير التي تم كشفها منها الإعلامي والاقتصادي، لتحقيق رغبات فئة ضالة مًضلة بالظلم التاريخي فضحها بمنهجية علمية وعقلانية الراحل الدكتور إدوارد سعيد في مقال عنوانه: "الإسلام من خلال عيون غربية". وكتاب "يهود الإسلام"، "مستقبل الشرق الأوسط"، "ما الخطأ"، "أزمة الإسلام". حتى صار لأكثر من سبعة عقود مثل الإله الروماني "جانوس" الذي يحمل وجهين... إنسانا وإلها، فهل كان الرجل مفكرا ومؤرخا، أم منظرا لسياسات إمبريالية غربية بعينها؟،



لقد كان "مذهب لويس" Lewis Doctrine. ربيب الاستخبارات البريطانية عنصرية قريبة جدا من السلم البشري، ولعبه تأجيج نيران الكراهية التي ولدت وأشعلت بعدها ظاهرة الإسلاموفوبيا منذ ستينات القرن الماضي، ومناداته بحتمية تفكيك الشرق الأوسط ودوله بصورتها الحالية عام 1983وإعادة خلق واقع جيوسياسي مغاير، أسماه البعض "سايكس بيكو 2"،. وهو من هدد الأوروبيين بأن قارتهم العجوز سوف تضحى قارة مسلمة مُستخدماً الجماعات الإرهابية أي "جماعات الإسلام السياسي" وداعش والقاعدة والاخوان المسلمين كمخلب قط لإسقاط دول المنطقة، التي خرج منه الإنسان الفلسطيني بوصف اليهود لهم بالحيوانات البشرية، ليقف العالم ضدهم حتى بني جنسهم، وليدخل منهم الإسلام قانعاً، بل ووضع هتلر ذات مرة القرود في درجة مرتفعة عن الهنود، رغم أنهم كانوا سبباً في أشد النكبات الإنسانية التي ارتكبها الغرب بعنوان "المسيحي" ضد اليهود في اوشفيتز، تلك المحرقة التي أدانها العالم الإسلامي قديما وحديثا، بعد الحرب العالمية الثانية، لتستمر في غزو شعوبنا العربية بحجة أسلمتها


وهو ما جعل حالة القلق النظري تنتقل في لحظة زمنية معينة إلى حروب وأخبار حروب، أثرت فيها صداقته وقربه أيديولوجيا من السياسي الامريكي وعضو مجلس الشيوخ هنري جاكسون، أحد صقور الحرب الباردة، ليدخل عالم صناع القرار في البيت الأبيض والبنتاغون خاصة مرحلة ما قبل الغزو العراقي عام 2003. وتأييد سياسات صارمة إزاء الشرق الأوسط، بمقولته الشهيرة "كن قاسيا أو أخرج" التي عرفت تحت اسم مبدأ لويس في "القسوة أو الخروج" باحثين عن "كبش فداء"، هنا وهناك، لتبرير فشلهم وتعويض الدونية والقصور الذي يعيشونه في حاضراتهم الواهية أمام "جينة الإسلام" وسلمية المسلمين،  دون غيرهم من شعوب العالم. فهل كان مثلاً تأميم قناة السويس بسبب كراهية المسلمين للغرب؟ أم كانت الانتفاضات الفلسطينية ضد الاحتلال سببها لتلك الكراهية؟ ومقاومة احتلال الأمريكان للعراق سببها الحقد الأخلاقي أو الآيديولوجي؟ 



لقد كان لويس الأب الروحي لـ"صموئيل هنتنغتون" صاحب رؤية صدام الحضارات، وكلاهما سبباً في حروب العرب كلها حتى كوسوفا وأفغانستان وغيرها من مناطق العالم غير العربية، ليكون مرآة لكسينجر في وصف غراندين لموقع إنترسبت إن سياساته مهدت الطريق للمذبحة المدنية في الحرب الأميركية على الإرهاب من أفغانستان إلى العراق، ومن سوريا إلى الصومال، وما بعدها.
لقد رحل لويس وكسينجر وغيرهما بعد أن زرعوا بذور الشقاق والفتن الأصولية، في وقت يحتاج العالم فيه للراحة والتقاط الأنفاس بدلاً من التقاتل ولاسباق الذي يأكل الأخضر واليابس معاً بالكراهية وإحياء الخصومات، وكأننا أما بعث "دو مونتكروتشي" ثانية من القرون الوسطى في إطار عمدي وممنهج؟.   

ليفانت: إبراهيم جلال فضلون

ibrahimgalal

DR . IBRAHIM GALAL

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 170 مشاهدة

بينما يستمر حمام الدم في قطاع غزة للشهر الثامن على التوالي، تتجه الأنظار إلى العاصمة البحرينية المنامة، حيث تعقد الدورة الـ33 لاجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، التي عمد الجميع إلى وصفها بأنها «قمة تعقد في ظروف استثنائية ووضع إقليمي صعب ومعقد»، فرضته الأزمة المشتعلة في غزة، لتصبح «قمة المنامة» واحدة من قمم عربية عدة عقدت على نار الأزمات.

ويحفل تاريخ القمم العربية الذي بدأ في الأربعينات من القرن الماضي، باجتماعات عدة ارتبطت بأحداث تاريخيّة كبرى، تفاعلت معها الدول العربية بأشكال عدة، وقرارات مختلفة كان بعضها ناجعاً في التعامل مع الأزمة. ومنذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، عقد القادة العرب 48 اجتماعاً على مستوى القمة منها 32 عادية و16 طارئة، إذا ما أضيفت لها القمة العربية - الإسلامية الأخيرة في الرياض.

ولا تعترف سجلات الجامعة بـ«قمة أنشاص» التأسيسية التي عقدت في مايو (أيار) عام 1946، بدعوة من ملك مصر آنذاك فاروق الأول في «قصر أنشاص»، بحضور الدول السبع المؤسسة للجامعة العربية، وهي؛ مصر، وشرق الأردن، والسعودية، واليمن، والعراق، ولبنان، وسوريا، وكان محورها الأساسي «دعم فلسطين»، حيث اتخذت عدة قرارات من بينها؛ «جعل قضية فلسطين قلب القضايا القومية، كونها قُطراً لا ينفصل عن باقي الأقطار العربية، والتأكيد على ضرورة الوقوف أمام الصهيونية، بوصفها خطراً لا يداهم فلسطين وحسب، وإنما جميع البلاد العربية والإسلامية». وكذلك لا تدخل ضمن الحصر الرسمي للقمم العادية، قمة «التضامن العربي» في بيروت عام 1956، التي عقدت لـ«دعم مصر ضد العدوان الثلاثي، وتأكيد سيادتها على قناة السويس».

أنشاص وبيروت

والقمتان «أنشاص» و«بيروت» عقدتا للتعامل مع أخطار محدقة، فالأولى كانت لمواجهة «الخطر الصهيوني على فلسطين»، والثانية جاءت رداً على العدوان الثلاثي على مصر.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، العميد السابق لمعهد البحوث العربية التابع لجامعة الدول العربية، الدكتور أحمد يوسف أحمد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «تاريخ القمم العربية يشير إلى أنها ولدت من رحم الأزمات، بدءاً من قمة أنشاص في عقد التأسيس عام 1946، التي عقدت في ظل اشتداد الخطر الصهيوني على فلسطين، وصولاً إلى أول قمة عربية في بيروت عام 1956، التي عقدت عقب العدوان الثلاثي على مصر».

ويتفق معه أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الأردن، الدكتور عبد الحكيم القرالة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «لعهود طويلة ارتبطت القمم العربية بالأزمات، وعقدت في ظروف وصفت بالاستثنائية، سواء كان ذلك مرتبطاً باعتداءات خارجية أو بخلافات داخلية».

يبدأ تعداد القمم العربية من مؤتمر القاهرة عام 1964، وهي القمة التي دعا إليها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر «لمواجهة مخططات إسرائيل الرامية لتحويل مجرى نهر الأردن»، بحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة. وقال يوسف إن «قمة القاهرة عقدت بعد نحو أسبوعين من دعوة عبد الناصر، وكانت واحدة من أكثر القمم تأثيراً في تصفية الأجواء العربية، وترتب عليها تنفيذ مشروعات مضادة للمخططات الإسرائيلية، وعمل قيادة عربية مشتركة واقتراح تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الاقتراح الذي اتخذ به قرار في قمة الإسكندرية في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه».

قمة القاهرة 1970 وفي الصورة الشيخ صباح السالم الصباح والملك فيصل بن عبد العزيز وعبد الناصر والنميري وعرفات (أرشيفية - متداولة)

قمة القاهرة 1964

ويعد القرالة قمة القاهرة واحدة من «القمم التي جاءت للتعامل مع أزمات»، لا سيما وأنها «شهدت تحولات مختلفة في إطار مسيرة العمل العربي المشترك»، وشددت على ضرورة تنقية الأجواء العربية من الخلافات ودعم مسيرة التضامن الفلسطيني، وهي القرارات التي عززتها قمة الإسكندرية في العام نفسه، حيث دعت لتعزيز القدرات الدفاعية، والترحيب بمنظمة التحرير الفلسطينية.

وأكد البيان الختامي لقمة القاهرة حينها «أهمية الإجماع على إنهاء الخلافات، وتصفية الجو العربي، وتحقيق المصالح العربية العادلة المشتركة، ودعوة دول العالم وشعوبها إلى الوقوف إلى جانب الأمة العربية في دفع العدوان الإسرائيلي». كما قرر إنشاء «هيئة استغلال مياه نهر الأردن» لها شخصية اعتبارية في إطار جامعة الدول العربية، ومهمتها تخطيط وتنسيق وملاحظة المشاريع الخاصة باستغلال مياه نهر الأردن.

وفي تلك القمة أيضاً تقررت دورية انعقاد اجتماعات الملوك والرؤساء العرب لتكون مرة واحدة سنوياً على الأقل تبدأ من قمة الإسكندرية التي عقدت في سبتمبر 1964.

قمتا الخرطوم والجزائر

وتعد قمة الخرطوم التي عقدت في أغسطس (آب) عام 1967، أو قمة «اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض»، كما اشتهرت في التاريخ العربي واحدة من «أبرز» القمم التي عقدت على نار الأزمات، بحسب القرالة. حيث جاءت رداً على «النكسة» وهزيمة الجيوش العربية في مواجهة إسرائيل. وشددت قمة الخرطوم على «وحدة الصف العربي، والالتزام بميثاق التضامن العربي، والدعوة للتعاون في إزالة آثار العدوان عن الأراضي الفلسطينية، والعمل على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية».

وجاء عام1970 حاملاً معه «أسرع قمة عربية في التاريخ» على حد قول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، حيث عقدت في القاهرة في سبتمبر من ذلك العام بعد يومين من دعوة الرئيس عبد الناصر لها، وسط «أزمة بالغة الخطورة في ظل الصدام بين السلطات الأردنية والمقاومة الفلسطينية»، وفق يوسف.

وأسهمت تلك القمة في «وضع خط أحمر بشأن الصدام بين أي دولة عربية وبين المقاومة». وانتهت قمة القاهرة عام 1970 بالدعوة إلى «الوقف الفوري لجميع العمليات العسكرية من جانب القوات المسلحة الأردنية وقوات المقاومة الفلسطينية».

ويتوقف القرالة أمام قمة أخرى عقدت في ظرف استثنائي وهي قمة الجزائر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1973. ويقول إن تلك القمة جاءت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول)، ووضعت شرطين للسلام مع إسرائيل، وهما انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها القدس، واستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية الثابتة.

خادم الحرمين الشريفين والأمين العام للجامعة العربية والرئيس التونسي خلال الجلسة الافتتاحية للقمة العربية بمكة المكرمة في مايو 2019 (واس)

«الرياض» الطارئة 1976

ويسترجع أستاذ العلوم السياسية في الأردن عدداً من القمم التي عقدت لمواجهة أزمات من بينها «قمة الرياض الطارئة» في أكتوبر 1976، التي عقدت لبحث الأزمة في لبنان ودراسة سبل حلها، بمشاركة ست دول عربية هي السعودية، ومصر، وسوريا، والكويت، ولبنان، ومنظمة التحرير الفلسطينية. وتلتها قمة القاهرة في العام نفسه التي «دعمت قرارات قمة الرياض السداسية، ودعت للمساهمة في إعادة إعمار لبنان»، بحسب القرالة.

بعد ذلك جاءت قمة بغداد في نوفمبر 1978 رداً على توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل، التي أعلنت رفض الاتفاقية، ونقل مقر الجامعة العربية وتعليق عضوية مصر.

وينتقل القرالة، بعد ذلك، إلى قمة الدار البيضاء في أغسطس 1985، التي ركزت على حد قوله على «الحرب العراقية الإيرانية».

ومن بين القمم التي عقدت في نار الأزمات، وفق العميد السابق لمعهد البحوث العربية، قمة القاهرة في أغسطس عام 1990، التي دعا إليها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عقب الغزو العراقي للكويت.

في السياق، أكد يوسف أن «الأصل في القمم كان أنها تعقد في مواجهة أزمات، لكن في السنوات الأخيرة ومع تغير الأوضاع العربية، لم تتفاعل القمم العربية مع الأزمات بالصورة نفسها، فلم يتم عقد قمة عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وكذلك حاولت اليمن الدعوة لعقد قمة عقب اعتداء إسرائيل على لبنان في 2006، لكم الدعوة لم تحظ بتأييد ثلثي أعضاء مجلس الجامعة العربية، وهو شرط انعقاد القمم الطارئة، وتكرر الأمر مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة نهاية عام 2008 حيث لم يكتمل النصاب لتلبية دعوة قطر لقمة طارئة، وعقدت بدلاً من ذلك قمة تشاورية غير رسمية في الدوحة». نفس الشيء تكرر 2011، في ظل أحداث ما يعرف بـ«الربيع العربي»، حيث تم تأجيل القمة لتعقد في مارس (آذار) من العام التالي في بغداد، داعية إلى حوار بين السلطات السورية والمعارضة.

بدوره، أشار القرالة إلى قمة شرم الشيخ في أول مارس2003 قبيل الغزو الأميركي للعراق، الذي تم في وقت لاحق من نفس الشهر. وأكدت القمة على «وحدة العراق وسيادة أراضيه». وأحدثت المبادرة الإماراتية التي اقترحت تنحي الرئيس العراقي صدام حسين من السلطة ردود فعل مختلفة بين القادة العرب، وكانت سبباً بعد ذلك في أزمة عميقة. وعام2015 كان العرب مع قمة شرم الشيخ التي أقرت تشكيل قوة عربية عسكرية مشتركة «لمواجهة التحديات وصيانة الأمن القومي العربي»، وأطلقت «عاصفة الحزم» التي قادتها السعودية في اليمن.

قمة مكة 2019

ثم جاءت قمة مكة المكرمة الطارئة عام 2019 رداً على «التدخل الإيراني في المنطقة»، إثر هجوم استهدف سفناً تجارية في المياه الإقليمية للإمارات وهجوم الحوثيين على محطتي ضخ نفطيتين بالسعودية. وخلالها أكدت الدول العربية «تضامنها وتكاتفها أمام التدخلات الإيرانية».

وتوقفت القمم العربية بسبب جائحة «كورونا»، قبل أن تستأنف نشاطها بقمة الجزائر نهاية عام 2022، تحت شعار «لم الشمل»، ثم قمة جدة في مايو الماضي، التي شهدت إقرار عودة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية. وفي نوفمبر الماضي عقدت القمة العربية - الإسلامية الطارئة لبحث سبل التعامل مع أزمة غزة.

القرالة أكد أيضاً أن «القمم العربية ارتبطت بالأزمات وبعضها لعب دوراً جوهرياً في إطار العمل العربي المشترك وطي الخلافات العربية، وبعضها ربما شهد تعليقاً للخلاف الموجود في ظل الانقسام وضعف النظام الإقليمي العربي»، مشيراً إلى «قضايا مصيرية ارتبطت بالقمم العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية». وأضاف: «مر تاريخ القمم العربية بمراحل من الشد والجذب... النجاح والإخفاق، فلم تكن كل قراراتها على القدر نفسه من الفعالية»، مشيراً إلى أن «قمة جدة العام الماضي شهدت عودة للاشتباك مع الفواعل الدولية للدفاع عن القضية الفلسطينية، كما أقرت عودة سوريا لجامعة الدول العربي».

بدوره، لفت يوسف إلى ما وصفه بـ«تطور ملحوظ» في أداء القمم العربية وتفاعلها مع الأزمات. ويقول أحمد إن «هناك تقدماً في التعامل مع الأزمة الحالية في قطاع غزة، حيث عقدت القمة العربية - الإسلامية في الرياض بعد نحو شهر من بدء الحرب على القطاع». وأضاف: «هناك تحسن في عقد القمم العربية لمواجهة الأزمات، والأنظار الآن مصوبة تجاه قمة المنامة وما ستتخذه من قرارات للتعامل مع الأزمة الحالية ومتابعة تنفيذ قرارات قمة الرياض الطارئة».

 

 

ibrahimgalal

DR . IBRAHIM GALAL

ibrahim galal ahmed fadloun

ibrahimgalal
Al-Monitor.com مصدر مستقل موثوق به وحائز على جوائز لأخبار وتحليلات الشرق الأوسط حائز على جائزة رواد الإعلام الحر »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

108,220