في عالم العلاقات الإنسانية، يتسلل التعلق المرضي إلى الأرواح في ثوب الحب، فيغري القلوب بوعود الدفء، لكنه في الحقيقة إدمان عاطفي يلتهم صاحبه كما تفعل السموم البطيئة. التعلق ليس شغفًا طبيعيًا، بل حالة من الاعتماد النفسي يفقد فيها الإنسان ذاته، ويحوّل الآخر إلى “جرعة” يسكن بها خوفه وفراغه. هذه الحالة التي يشبّهها الأطباء بإدمان المخدرات قد تتخذ أشكالًا ساحرة تخدع من يقترب، تمامًا كما فعلت ريم، الطبيبة النفسية التي تحولت من معالجة للعقول إلى مصيدة مدمّرة للقلوب.
ريم – أو “الحباري” كما يسميها البعض في السر – وُلدت في بيت يختلط فيه التناقض بالقسوة. والد ضابط متقاعد لا يعرف للحنان لغة، وأمّ مهووسة بالمظاهر والمقارنات، تزرع في بناتها شعور النقص والخوف من الهزيمة. من هذا المزيج خرجت ريم بوجهين: الطبيبة اللامعة التي تنصح مرضاها بالاتزان العاطفي، والمرأة المضطربة التي تخفي خلف ابتسامتها عطشًا لا يروى للسيطرة والإغواء. كانت تحاضر عن الصحة النفسية في النهار، وتعيش ليلًا حياة سرية لا يشكّ فيها أحد، مستغلة مكانتها العلمية ستارًا لمغامراتها.
تزوجت ريم من فارس، المصرفي الطموح، وأنجبت ولدين، لكنها حولت بيتها إلى ميدان تجارب قاسٍ. سيطرت على زوجها حتى أرهقته تقلباتها، فهرب بطلاقٍ لم ينهِ معاناته بل كشف له عن وجه آخر لامرأة اعتادت اللعب بالعقول. بعد الطلاق، عادت إلى شقة العائلة محافظة أمام الناس على صورة الأم المثالية، بينما كانت في الخفاء تدير شبكة من الأكاذيب: سفرات مزعومة بحجة العمل أو العمرة، لقاءات سرية، وعلاقات متشابكة مع رجال من مختلف الطبقات.
لم تكن نزواتها مجرد رغبات عابرة، بل خطة إغواء ممنهجة. بنظرة محسوبة، ولمسة عابرة، كانت تصطاد ضحاياها، ثم تبدأ لعبة السيطرة النفسية، فتقنعهم أنهم يعيشون حبًا استثنائيًا بينما هم مجرد أدوات لإشباع هوسها. كانت تتلذذ بتعلقهم بها، ترى في ضعفهم إثباتًا لقوتها، وتنتقل من رجل إلى آخر كما ينتقل المدمن من جرعة إلى أخرى، غير قادرة على التوقف مهما تراكمت الفضائح.
ومع الوقت، بدأت شروخ صورتها تتسع. مرضى مركزها النفسي – الذي استخدمته واجهةً لرحلاتها – اكتشفوا أسرارها وابتزوها. شقيقاتها بدأن يشككن في أسفارها، أولادها أحسوا بالاغتراب عنها، وزوجها السابق حذرهم من الاقتراب. حتى زملاؤها في الوسط النفسي بدأوا يتساءلون عن تصرفاتها الغامضة. ورغم ذلك، استمرت ريم في لعبتها، لا تعرف سوى الهروب إلى مزيد من العلاقات التي تمنحها نشوة لحظية يعقبها فراغ أعمق.
خطورة ريم لا تقف عند حدود حياتها الشخصية؛ فهي نقمة اجتماعية تهدد كل من يقترب منها. رجال يستنزفهم التعلق، أسر تتفكك، أطفال يكبرون في ظلال الشك، وسمعة عائلات تتلطخ. إنها مثال صارخ على كيف يمكن أن يتحول العلم إلى قناع، والمهنة الشريفة إلى أداة تدمير، حين يسكن المرض قلب صاحبه.
قصة ريم ليست مجرد فضيحة، بل جرس إنذار لكل أسرة ومجتمع. فهي تؤكد أن التعلق المرضي ليس حبًا، بل هوس يفتك بالعقول والقلوب. الحذر من أمثالها واجب، فخلف كلماتها المعسولة وعلمها البراق يختبئ فراغٌ قاتل، يبتلع من يقترب حتى يفقد ماله وكرامته ونفسه. ريم هي الدرس القاسي الذي يذكّرنا بأن أخطر الأمراض ليست تلك التي تُرى في الجسد، بل تلك التي تتخفى في ثياب الحب وتنهش الأرواح في صمت.



ساحة النقاش