أهمية تدريس مقدمة في علم الفلسفة في الجامعات العربية

 

يُعدّ تدريس مقدمة في علم الفلسفة في الجامعات العربية ضرورة فكرية وتربوية، إذ تُسهم الفلسفة في تنمية الوعي النقدي لدى الطالب الجامعي، وتساعده على فهم تطوّر الفكر الإنساني من المراحل الأسطورية إلى مراحل التفكير العقلاني والعلمي. فالفلسفة لا تقتصر على التأمل المجرد، بل هي تدريب على التفكير المنطقي والتحليل المنهجي، وتمكين الإنسان من مساءلة الواقع بدلاً من الاكتفاء بتلقي الأفكار الجاهزة.

 

 

الفكر الأسطوري في العصر اليوناني

 

بدأ الفكر الإنساني في شكله الأول بالاعتماد على الأسطورة لتفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية. فقد كانت الشعوب القديمة، ومنها الإغريق، تعزو البرق والمطر والخصب إلى قوى خارقة يمثلها الآلهة مثل “زيوس” و”بوسيدون” و”أفروديت”. كانت الأسطورة محاولة لفهم الكون، لكنها اعتمدت على الخيال لا على العقل والملاحظة.

ومع ظهور فلاسفة الطبيعة مثل طاليس وأنكسمندر وهيراقليطس، بدأ الإنسان يسأل: كيف تحدث الظواهر؟ وما المبادئ التي تحكم الكون؟ وهكذا بدأ العقل اليوناني يخطو أولى خطواته نحو الفكر الفلسفي والعلمي، مبتعدًا عن التفسير الغيبي.

 

 

الفكر الغيبي في العصور الوسطى

 

في العصور الوسطى الأوروبية، ساد الفكر الغيبي والديني الذي أخضع المعرفة لتفسيرات الكنيسة. فقد جُعل الإيمان معيارًا للحقيقة، والعقل في خدمة اللاهوت. وأصبح البحث العلمي أو النقد الفلسفي يُعد خروجًا عن العقيدة.

ومع ذلك، حاول بعض المفكرين، مثل توما الأكويني، التوفيق بين العقل والوحي، لكن القيود الفكرية ظلت تحدّ من حرية التفكير، فكان هذا العصر من حيث الإنتاج المعرفي أضعف من العصور السابقة واللاحقة.

 

 

دور المفكرين المسلمين والعرب

 

بينما كانت أوروبا تعيش في ما يسمى بعصر الظلام، ازدهرت في العالم الإسلامي حركة فكرية عظيمة جمعت بين الإيمان والعقل. فقد ظهر المعتزلة الذين أكدوا على حرية الإنسان ومسؤوليته، ودعوا إلى استخدام العقل في فهم النصوص الدينية، معتبرين أن العدل الإلهي لا يتحقق إلا إذا كان الإنسان حرّ الإرادة.

كما أسهم الفلاسفة المسلمون مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد في تطوير الفكر الفلسفي والعلمي، حيث سعوا إلى التوفيق بين الدين والعقل، وفتحوا الطريق أمام التفكير النقدي في قضايا الوجود والمعرفة.

أما ابن خلدون، فقد كان رائدًا في الفكر الاجتماعي والتاريخي، واعتُبر مؤسس علم الاجتماع الحديث من خلال “المقدمة” التي وضع فيها منهجًا علميًا لدراسة العمران البشري وقوانين تطور المجتمعات. لقد تجاوز ابن خلدون التفسير الغيبي للأحداث التاريخية، فربطها بعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، مما جعل فكره خطوة رائدة نحو المنهج العلمي الحديث.

 

 

الفكر التجريبي الحديث

 

مع العصر الحديث، ظهر تيار الفلسفة التجريبية على يد مفكرين مثل جون لوك وديفيد هيوم. رفض لوك فكرة المعرفة الفطرية، مؤكدًا أن الإنسان يولد صفحة بيضاء، وأن التجربة الحسية هي مصدر كل معرفة. أما هيوم فركز على تحليل الإدراك الإنساني، مؤكدًا أن العقل لا يعرف إلا ما تنقله الحواس، مما أسس لروح المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجريب بدلاً من التأمل أو التفسير الميتافيزيقي.

 

 

الفكر المعاصر والمسؤولية الأخلاقية

 

في الفكر الفلسفي المعاصر، أصبح الإنسان مركز الاهتمام الأخلاقي والمعرفي. فالفيلسوف الوجودي جان بول سارتر، مثلاً، يرى أن الإنسان “محكوم عليه بالحرية”، أي أنه مسؤول عن أفعاله واختياراته، ولا يستطيع التذرع بأي قوى خارجة عنه لتبرير سلوكه.

هذا الوعي بالمسؤولية الفردية يعكس نضج الفكر الإنساني، الذي انتقل من الاتكال على القوى الغيبية إلى تحمّل الإنسان نفسه مسؤولية قراراته الأخلاقية والعقلانية.

 

 

خاتمة

 

إن تدريس الفلسفة في الجامعات العربية لا يهدف فقط إلى تعريف الطلاب بتاريخ الفكر الإنساني، بل إلى تدريبهم على التفكير النقدي والتحليل العلمي، وإدراك أن العقل العربي والإسلامي كان ولا يزال جزءًا أصيلاً من هذا التطور الحضاري. فالفلسفة تزرع في النفس احترام العقل، وتُحرّر الإنسان من التبعية الفكرية، وتمكّنه من المشاركة الفاعلة في بناء مستقبل يقوم على العلم والمسؤولية الأخلاقية.

بقلم الدكتور حسن عثمان دهب 

جامعة كوبنهاجن 

المصدر: تدريس الفلسفة في الجامعات العربية
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 148 مشاهدة
نشرت فى 22 أكتوبر 2025 بواسطة hassan200

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

49,292