authentication required

الحرفوش الصغير على شطّ النيل
بقلم: محمد بن يوسف كرزون
إيمتى الزمان يسمح يا جميل
أسهر معاك على شطّ النيل
خطرتْ ببالي هذه الأغنية عصراً، وقرّرْتُ أن أعيشَ هذه السهرة ليلاً، هذه الليلة تحديداً، سأذهبُ إلى شاطئ نيلنا العظيم، ومعي العدّة اللازمة، وهي (كيس الشيبس) اللذيذ، وكميّة من الفستق السوداني، وزجاجة ماء باردة من عند السمّان حمدي، الذي يضع لي ثلاث زجاجات يومياً في ثلاّجة محلّه، منذ أن اشتدّ الحرّ هذا العام.
أعرف كورنيش جميل جداً يطلّ على النيل، وموزّع عليه مقاعد ممتازة من الخشب.
سأذهبُ بعدَ المغرب مباشرةً، قبل أن تمتلئ المقاعد بالناس.
أخذْتُ مقعداً عريضاً يبدو أنّه متجدّد، ويختلف عن المقاعد القديمة التي أكل عليها الدهر وشرب، كما يقولون.
بعد أقلّ من ساعة استأذنني شاب في الثلاثين من عمره، فأذنْتُ له، وقلتُ له مُدَّعيا: مؤقتاً، لأنّ أصحابي قادمون.. لن يتأخّروا.
أجاب بهزّة من رأسه أنّه موافق، وجلس في طرف المقعد، وأنا في الطرف الآخر، بعيدَينِ عن بعضِنا. وأنا أنظر إليهِ، وهو ينظر إليّ، وبعد أكثر من ثلث ساعة نظر انفجرنا في نفس الوقت نتكلّم معاً بشكل عفويّ، وكلٌّ منّا يشير إلى الآخر:
- ألسْتَ أنتَ؟
- ألسْتَ أنتَ الحرفوش الصغير؟
- نعم، أنا هو
وهجمنا على بعضِنا، إنّه صديق الطفولة، في المدرسة الابتدائيّة، وكأنّه لم يتغيّر سوى في الصلعة التي تزيّن دماغه، وطول القامة الممتدّ حتّى أعلى النخلة، والبدانة الواضحة جداً فهو يزيد على المئة وعشرين كيلو... وما عدا ذلك لم - يتغيّر فيه شيء...
- كيف أحوالك يا رجل؟
- الحمد لله، وأنتَ؟
- أنا بخير، وما زلتُ حرفوشاً صغيراً كما ترى...
- لا.. ما شاء الله.. أصبحتَ حرفوشاً بحقّ وحقيق.
- شكراً.
- ماذا تعمل أنتَ؟
- في مطعم، دوام ليلي، وأنتَ؟
- آخر عمل لي في تجارة....
- تجارة؟ ما شاء الله.. ما هذا؟ ربّنا يعطي الطيّبين ما يستحقّون.
- أقصد تجارة....
- أيّ تجارة تكون هي حلوة.
لم أجدْ من مهرب سوى أن أبقى لابساً للدور، تاجر، ولماذا لا أكون كذلك؟ هل سأبقى حرفوشاً صغيراً؟ يجب أن أتغيّر.
واقتربْتُ منه أسأله:
- ممكن سؤال صغير؟ من أينَ جئتَ بكلّ هذا الوزن في بدنك؟
- من المطعم، الذي أعمل فيه منذ أكثر من خمس سنوات.
- وكيف؟
- آكل أكثر من ثلاث وجبات في اليوم، وآكلّ بعضَ ما يزيد من صحون الزبائن الذّوات.
- وهل يسمحونَ لك؟
- طبعاً، هم يجدون مَنْ يخفّف من وزن الفضلات التي تزيدُ من أكل بعض الزبائن.
- وحياتك، وحياة ربّنا احسب حسابي ببعض الزيادات يومياً...
- لا.. عيب.. لا يجوز أن أعطي تاجراً كبيراً مثلك من فضلات المطعم.
- يا صديقي أنا لستُ سوى تاجر حبّ الترمس منذ زمان، وخسرتُ وتركتُ هذه المهنة.
ضحكَ ضحكةً طويلة لم أستطع أن أقاطعه لأسأله عن اسم المطعم، ثمّ نهض واستأذنَ، وذهبَ بسرعة إلى عمله، وترك أمر لقائه من جديد للمصادفة البحتة.
صدّ نفسي عن أكل كيس (الشيبس)، أو الفستق السوداني، ووجدتُ نفسي أنسحبُ من شطّ النيل، دونَ أن أجدَ أيّ جميل أغنّي له.
في اليوم التالي ذهبْتُ من العصر، وجلسْتُ على نفس الكرسيّ، وكذلك فعلتُ في اليوم الثالث والرابع... حتى اليوم الثلاثين.
وإذا بصاحبي يمرّ مسرعاً.
لحقْتُهُ، وأمسكتُ بمعطفهِ من الخلف، ففوجئ، وسلّمَ عليّ سلاماً حارّاً. قلتُ له:
- اليوم لن أتركك حتى تدلّني على المطعم الذي تعمل فيه.
- مطعم؟ أيّ مطعم؟ أنا أبحثُ عن عمل...
كانت مفاجأتي مذهلة، فهو يبدو أنّ النحافة قد بدأتْ تهاجمه، ولم أجدْ بدّاً من أن أعرضَ عليه أن يشاركني في أكل كيس الشيبس وكمية الفستق التي كنتُ أحتفظ بها من شهر، فنحن الاثنان عدنا للبداية من الصفر.
محمد بن يوسف كرزون

المصدر: عالم الحرافيش فيس بوك

عدد زيارات الموقع

14,983