فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

 

الرسالة الرابعة عشرة

لست حزينا بتاتا وإن كنت غير سعيد أيضا

الجمعة: 14-9-2018

فراس حج محمد

سلام من القلب، أما بعد:

في حادثة قديمة تعود إلى أكثر من أربع وعشرين سنة طويلة، قال لي زميل في الجامعة: "من كان مثلك لا يحق له الحب"، كانت جملة موجعة بالتأكيد ما زالت تحفر في أعصابي، كل النساء اللواتي رغبت في الارتباط بهن وقد أصبحتُ موظفا نفرن مني نفورا شديدا، كوني فقيرا ومعاقا، ما زلت أسترجع موقف تلك المرأة "المثقفة" التي طلبتها للزواج نظرت إلي باحتقار شديد بعد أن تواعدنا لتراني وأراها، وقالت: "لا أفكر بالزواج الآن". هي أرادت أن تقول إنك لا تناسبني، بعد أن خاب ظنها في رؤيتي وقالت: "أهو أنت؟" قالت الجملة بازدراء شديد. زميلات الجامعة لم يكنّ يُعِرنني أي اهتمام حتى أنهن لم يكنّ يلقين عليّ التحية. صديقي رائد بعد أن قرأ كتاب "نسوة في المدينة"، ولاحظ الانفجار الشهواني في القسم الثالث منه قال: إن سبب ذلك هو الحرمان منك، ذلك الحرمان الذي وضحته في القسم الثاني من الكتاب. لذلك فقد سيطرت عليّ الأحلام كثيرا في هذا القسم.

لا شك في أن تحليله صحيح، لقد كانت علاقتنا قوية جدا ونحن عاشقان افتراضيان، ولكن عندما تعرفتِ إليّ في الواقع نفرت مني أيضا، لقد صحَتْ فيك رغبات كل امرأة؛ تريدين رجلا عاشقا وسيما وغنيا ومعافى بدون إعاقات. الآن أفهم بُعدك عني بهذه الطريقة القاسية. أنا أجمل في عيونك ما دمت افتراضيا، هذا ما قلته في كتاب "نسوة في المدينة"، فلا داعي لتعاتبيني على الغياب أو على هذا الجفاء، وقد اختبرتُ كل ذلك، وخصوصا في لقاءاتنا الأولى.

لم يعد يقنعني بتاتا قولك ونظرياتك المثالية المدعاة، وأنا أرى ما أرى. لكن لا يهم، المهم هو أنني أصبحت أقدر على معرفة الحقيقة وتقبلها. عندما كتبت قصيدة "الفقير لا يصلح للحب" كنت صادقا مع نفسي صدقا حقيقيا، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنني حزين أو سلبي، على العكس تماما. كانت هذه التجربة، وكل التجارب الأخرى متسقة مع ما استقر في نفس المرأة، وقد عبر عنها الشاعر القديم "إذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له من ودهنّ نصيب"، وأنا ليس لي نصيب من ودك غير التقلب في مرارة الحب التي لم تأت إلا بمزيد من وضوح الرؤيا.

هل كنت مهووسا عندما صدقت أنك تحبينني؟ أظن أنني كنت خياليا مغرقا في توقع النتائج الإيجابية. لعلك كنت تسألين نفسك: "كيف نسير معا، وأنت تعرج، إنك تلفت النظر إلينا، لذلك علينا ألا نسير معا في نزهة أو شارع. كل ما هنالك كان الرضا بالجلوس معا في مقهى أو مطعم، هذا الجلوس الذي يخفي إعاقتي وفقري.

من حقك أن تحلمي بعاشق جميل ومعافى وإن كان من حقي أيضا أن أحب امرأة جميلة، حتى وإن قال ذلك الزميل ما قال. ناضلت كثيرا لأسعد بهذا الحب، ولكنه كان شقاء مطلقا، إنه يؤول إلى ما آل إليه من هذا الذي تشاهدينه ونعايشه بمرارة، لكنني لا أخجل من إعاقتي أو فقري المدقع، فكلنا فقراء ومعاقون في نهاية المطاف، أو لنكن إيجابيين ونقول: كلنا أغنياء وأصحاء أيضا ما دمنا أحياء ونمارس شهوة الحياة ودفء الحب وإن كان بالوهم.

لا تحاولي أن تفسري الأمور بغير هذا المنطق، أو تدعي غير هذا، فرسالتك الأخير عابثة جدا، ولا معنى لها غير أنه أصبح لديك فسحة من الوقت لتتسلي بي، وإلا ما معنى تلك التخاريف التي قلتها: "واضح أنني أنسى، لكن ذاكرتي المثقوبة تعيد لي بعض نزواتك التي لا تنتهي، ولتهنأ بهيامك أبدا". هذا هو الوهم الذي عشش في ذاكرتك المثقوبة، فلست بالتأكيد كما لمحت إليه إطلاقا، فأي هيام أهنأ به ونحن على ما نحن عليه؟ إنه موجع جدا لو ظننت غير هذا وخاصة في جملتك الأخيرة غير المفهومة "ولتهنأ بهيامك أبدا". أي جنون يستعمر عقلك لو أن ما وصلني من معنى هو المعنى الذي تسلق جدران عقلك؟ لا أريد أن أوضح أكثر، فليس من حقنا أن نعتدي على حرمة الآخرين حتى ونحن نناقش مسألة عاطفية غاية في التعقيد.

أما بخصوص رسالتك الأخرى: "أبهجتني رسالتك الأخيرة، أحب هذا التفاؤل في كتاباتك وأشعر  أننا نستحق أن نعيش الحياة كما ينبغي لا كما تفرضه علينا، ابق بهذه الروح وهذا الجمال. هل لي بنسخة (pdf) من كتاب "نسوة في المدينة؟"، فقد كتبت ببرود واضح، فلم أشعر بحرارة الحب فيها، لقد دفعك الفضول لكتابتها، بعد أن قرأتِ مقالة رائد حول الكتاب، ولولا ما جاء في مقالته من مقاطع استفزّتك لم تكوني لتكتبي لي شيئا، فقد وصلتك بالتأكيد كل الرسائل السابقة، ولكنك لم تردي عليها، وبقيت صامتة. أصبحت أعرفك على نحو أكثر حزنا للأسف. لن أرسل لك نسخة من الكتاب وعليك الانتظار حتى يطبع، وإن أحببت قراءته واقتناءه فلك ذلك. ليس لؤما بطبيعة الحال وليس تشويقا للكتاب، ولكن لعلمي أنه لا فرق بينه وبين كل كتبي السابقة، سيأخذ مكانه على رف الكتب دون أن يكون له بهجة ما.

وأخيرا أريد أن أقول إنني لست حزينا بتاتا، وإن كنت غير سعيد أيضا. دمت كما أنت ولعلنا نلتقي، أين؟ ومتى؟ فلنترك ذلك للصدفة الجارحة.

فراس حج محمد

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 101 مشاهدة
نشرت فى 14 سبتمبر 2018 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

310,593

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.