مادة من كتاب "صوت النص وضغوط النسق"
قراءة ثقافية على المنهج الغذّامي في ديوان "منارات لتضليل الوقت"

فراس حج محمد| فلسطين
في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد أن أصدرت الشاعرة والروائية اللبنانية حنين الصايغ روايتين لها، أخذت موقعاً لافتاً في المشهد الثقافي، وحققت حضورا بارزا على مستوى القراءة، وتناول أعمالها نقديا، واللقاءات الصحفية والتلفزيونية، كما حققت إنجازات على مستوى الترجمة، فقد ترجمت روايتها "ميثاق النساء" إلى الألمانية، وأعلنت في معرض الكتاب الدولي في فرانكفورت (أكتوبر 2026) عن ترجمة روايتها "ثمرة النار" إلى الألمانية كذلك ووقعتها للقراء في أروقة المعرض.
إن لهذا الحضور أهميته، إذ يكرّس الشاعرة صوتا أدبيا ذا تجربة إبداعية تتخذ من الكتابة أداة واعية للتصدي للمناخات الثقافية والاجتماعية المحافظة، وينطلق أدبها شعرا وسرداً؛ بدءاً من ديوانيها "فليكن" و"روح قديمة" وصولاً إلى ديوانها الثالث "منارات لتضليل الوقت" روايتيها المذكورتين أعلاه من حساسية وجودية حادة تجاه أسئلة الهوية، والحرية، وتفكيك بنى السلطة الأبوية.
يتحدد التجلي الأهم لشعر حنين الصايغ في كونه ممارسة نصية تتجاوز الشغف بالجماليات البلاغية التقليدية، لتصبح استجابة واعية لأزمات الأنساق الثقافية المهيمنة، فحنين تكتب بوعي لافت بهدف تكسير تلك الأنساق الخفية التي اختزلت الوجود الأنثوي طوال عقود في أدوار هامشية صامتة، إذ تمتاز قصيدتها بلغة شفافة، مكثفة، وتأملية، تمتلك جرأة التسمية والمكاشفة، وتعمل على تعرية آليات الإخضاع والتنميط، صانعةً مسافة نقدية تتيح للذات الكاتبة أن تفهم مخاوفها وتتجاوزها، محولةً التجربة الذاتية من وثيقة انكسار إلى فعل انعتاق وتأسيس لصوت أنثوي فريد ومستقل.
وأول ما يلفت النظر في ديوان "منارات لتضليل الوقت" تجلي "المؤلف المزدوج" وسؤال كتابة الشعر، وما يعنيه ذلك من ضرورة الانعتاق من سلطة الوصاية التراثية والتحرر من عقدة بناء الجمل الشعرية تحت ضغط الجمل الثقافية المعهودة، حيث يشكل مفهوم "المؤلف المزدوج" أداة منهجية لتقصي التنازع المضمر بين الذات المبدعة الواعية وبين النسق الثقافي التاريخي الذي يتسلل إلى القول ويمارس سلطته القاهرة على المبدع دون وعي مباشر منه، فالمؤلف الأدبي- ويمثله هنا الشاعرة حنين الصايغ- ربما لا يستطيع أن يكتب مفرداته بكامل الحرية، بل ينطق في كثير من الأحيان عبر "جمل ثقافية" وأعراف مؤسسية رسختها الثقافة المتوارثة، والتي حددت للمرأة الشاعرة مساراً ضيقاً للتعبير لا يتعدى البكاء، أو ندب الحظ، أو القيام بدور الوسيط الناقل لحكمة الآباء، فالشاعرة- أية شاعرة- لا شك في أنها تقع ضمن عنف نسقي ولغوي يجعلها مضطرة للتعامل معه ودخول حظائره حتى وهي تريد التفلت منه، فلا تستطيع أن تنسى كل تلك الألفاظ التي شكلت معجمها اللغوي حتى وإن أدخلت في السياق ألفاظها الأنثوية، وهذا الأمر في نهاية المطاف جزء من معركة لها جانبان: جانب التخلص من الهيمنة اللغوية الثقافية وجانب بناء الذات ببصمتها المميزة، إذاً ستقع هذه المواجهة النسقية، فتتجلى بوضوح في ديوان "منارات لتضليل الوقت"، وتحديداً في نص "سيرة مقتضبة"، حيث تلتقط الشاعرة هيمنة النسق الثقافي التقليدي في القرية، وهو نسق يتغذى على إعادة إنتاج مآسي النساء وتحويل عذاباتهن إلى قيمة أخلاقية يُحتفى بها. تقول الشاعرة:
من فرط ما تكلمت نساء قريتنا عن مآسيهن
اخترت أن أصمت
كُن يتكلمن عن ظلم أزواجهن
وكنت أسمع المجد للألم.
كُنّ أسيرات معاركهن الصغيرة
وكنت ذاهبة بالمستحيل إليك.
يكشف هذا المقطع عن عمل النسق المضمر؛ فالنساء في هذا الفضاء الثقافي، حين يمارسن الكلام، يمارسنه عبر توجيه خفي من "المؤلف المزدوج" الذي يمارس سلطته خارج نطاق الكتابة إلى ممارسة اللغة اليومية والشفاهية البينيّة التي تتكلم بها النساء حتى خلف الجدران المغلقة، هنا تترسخ مقولة "المجد للألم" بوصفها استراتيجية تعويضية يمنح من خلالها النسق الذكوري مشروعية لاستمرار الظلم عبر إسباغ القداسة عليه، ولذا فإن الصايغ تدرك أن الانخراط في هذا النمط من الكلام هو امتثال للنسق ذاته، فتختار الصمت بوصفه موقفاً نقدياً ورفضاً للمشاركة في إنتاج الخطاب التقليدي.
وتصل هذه المواجهة النسقية ذروتها النقدية في المقطع الأخير من النص نفسه، حيث تفكك الشاعرة الوظيفة التاريخية التي فرضتها الثقافة التراثية على المرأة في مجال القول والكتابة:
صنعت أمي من مأساتها باحة خلفية
ليمضي بها أولادها طفولتهم
كان هذا كل ما لديها
وكان لا بد أن نكبر.
وفي نص "حصاة في داخلي" يرد التجلي ذاته وإن بألفاظ أخرى ومعنى مختلف، لكنّ الموجّه واحد في الحالتين، تقول الصايغ:
فقدت يدي حين رفضت
أن أكون ساعي بريد
يحمل رسالة من رجل ميت
إلى رجل ميت آخر.
ثم تسترسل قائلة عن النساء وأوضاعهنّ:
النساء لا يكتبن الرسائل
النساء فقط يوصلنها
ليحافظن على وصايا الأموات.
تتشكل عبارة "النساء لا يكتبن الرسائل/ النساء فقط يوصلنها" بوصفها "جملة ثقافية" مشحونة بدلالات التاريخ النسقي، فالجملة الثقافية هنا تلخص اختزال الثقافة التقليدية للمرأة في وظيفة الوساطة والشكلية السلبية؛ فهي لا تملك حق التأسيس أو إنتاج المعنى، وإنما وظيفتها الحفاظ على "وصايا الأموات"، أي حراسة النسق البطريركي الموروث ونقله بين أجيال الرجال.
وهنا ينكشف تجلي "المؤلف المزدوج"؛ فالخطاب التراثي يريد للشاعرة أن تكون مجرد ناقل وموصل للرسائل، غير أن حنين الصايغ تعلن القطيعة الناجزة مع هذا الدور من خلال صياغة رمزية عالية الكثافة تمثلت في "فقدان اليد"، فرفض الشاعرة لأن تكون ساعي بريد يقترن بفقدان اليد المطيعة للنسق، وهو فقدان إيجابي يرمز إلى قطع الصلة بالأدوات القديمة لإنتاج الكتابة، لتوليد يد جديدة قادرة على صياغة لغتها الخاصة، لتخرج الشاعرة من سلطة "المؤلف المزدوج" لتكتب صوتها وبطريقتها الأنثوية، محولة الشعر من وسيلة لحراسة وصايا الأموات إلى أداة لتكسير الأنساق وتعرية آلياتها القمعية من خلال بناء لغة أنثوية خاصة.
يغتني ديوان "منارات لتضليل الوقت" بمعجم أنثوي كثيف يفيض بألفاظ الجسد وحرارته، متضمناً مفردات صريحة مثل: "النهد، الصدر، الجسد، الرحم، القدم". وفي الوقت الذي يقرأ فيه النقد الأدبي التقليدي هذه المفردات ضمن أطر الإغواء الأنثوي في التعبير الحسي الرومانسي، ينفذ النقد الثقافي إلى العمق النسقي ليرى فيها تشكلاً لتورية ثقافية ومجاز كلي يعيدان تعريف الجسد الأنثوي ويمتزجان بفعالية التحرر من الهيمنة، ويتجلى هذا الطرح بصورة مكثفة في قصيدة "أستعيد جسدي"، حيث تتناول الشاعرة الوشم بوصفه شكلاً علوياً من أشكال الكتابة المضادة، واستعادة سيادية للجسد من أيدي المؤسسات التي صادقته تاريخياً:
أفكر بوشم جديد كل يوم
أتخيله على كتفي
على صدري
على قدمي
الوشم طريقتي المثلى
لاستعادة جسدي
من العقود
وجلاليب الأمهات
وصناديق الرسائل المقفلة
من الآباء والشيوخ
من الإعلانات
والمنحفات
من النشوات المصطنعة
والمشدات التي تكبل الأرداف والبطون
وتحفر عميقاً في الجلد
كأنها تلامس
العمق الذي دفن فيه
شعورنا بالذل.
إن الوشم في هذه القصيدة يخرج عن معناه الظاهري المتعلق بالزينة أو التجميل، ليتحول عبر "التورية الثقافية" إلى ممارسة نقدية وسياسية، وكما أن التورية البلاغية الكلاسيكية ذات معنيين قريب وبعيد، فإن التورية الثقافية لها معنيان، فالمعنى القريب للوشم يعكس رغبة جمالية أنثوية احتفالية بالجسد حيث هو أداة من أدوات الزينة والإغراء معاً، بينما المعنى البعيد المضمر يتضمن عملية نزع ملكية الجسد من الأنساق والذاكرة الثقافية المثقلة بالمعنى السلبي، لاسترداد هذا الجسد واستعادته وتخليصه من عملية الاستلاب التاريخي الثقافي.
ولتوضيح معنى التورية الثقافية، لا بد من ملاحظة أن هذا الاستلاب الجسدي ينقسم في النص إلى مستويين ثقافيين متضامنين؛ يتعلق الأول بالأنساق التقليدية والبطريركية المتمثلة في "العقود"، و"جلاليب الأمهات"، و"صناديق الرسائل المقفلة"، و"الآباء والشيوخ"، وهي بنى نسقية عملت على تغطية الجسد الأنثوي، وتحنيطه، وحصره في أدوار ملكية وتكاثرية محددة، وكل هذه الألفاظ تومئ أو ترمز إلى بيئة اجتماعية قروية مغلقة، فحنين الصايغ على المستوى الشخصي لا تستطيع الاحتفال بجمالية جسدها لو أنها ما زالت تسكن في تلك البيئة المغلقة، كما تحتفل الآن وهي في بيئة أخرى مختلفة، حيث صورها التي يبدو فيها الجسم معرضا جماليا لأنوثتها وما اشتمل عليه من بعض أوشامها، وبذلك يصبح النص الشعري ليس نصا جماليا خاويا من الدلالة الواقعية، بل هو وثيقة واقعية يندمج فيه المساران معاً الشعري والواقعي لرسم نسق حياة مضاد للنسق المعهود الذي هو نسق طارد بالقدر الذي هو نسق ثقافي وسياسي مهيمن.
ويتعلق المستوى الثاني بالأنساق الحداثية والاستهلاكية المتمثلة في "الإعلانات"، و"المنحفات"، و"المشدات التي تكبل الأرداف والبطون"، وهي أدوات حداثية لا تقل قسوة عن الأنساق القديمة، إذ تسلّع الجسد الأنثوي وتخضعه لمقاييس جمالية تجارية قسرية تحفر عميقاً في الجلد لتكرس الشعور الموروث بالذل، هذا النسق الذي أوجدته "الليبرالية الجديدة" وحرية السوق أيضاً التي تتعامل مع الإنسان وخاصة المرأة على اعتبار أنه منفعة اقتصادية وأداة من أدوات الربح، وآخر ما يعني هذا النسق الوحشيّ الإنسان بجمالية أفكاره وإنسانية ثقافته، وهنا يلتقي النسقان التراثي والليبرالي عند نقطة واحدة وهي الاستلاب الوجودي للجسد الأنثوي، بكل ما يعنيه هذا الاستلاب من تشييء الذات وتغييب صوتها وكيانيتها.
بمقابل هذين النسقين، وفي معركة نضال ثقافي إنساني مزدوجة تحارب الشاعرة فيها على جبهتين صارمتين، تستخدم الشاعرة الوشم بوصفه حبراً أسود وخريطة سرية بطلاسم خاصة؛ لإعادة تملك الجسد، فالوشم كتابة دائمة لا يمكن محوها أو نزعها كما تنزع الجلابيب والمشدات، وهو خياطة ذاتية للمساحة الخاصة، وتصل هذه الاستعادة إلى ذروتها الثقافية حين تعلن الشاعرة رغبتها في وشم رحمها:
أضع على رحمي فراشة
على قدمي مرساة
على قلبي ريشة
أستعيد جسدي بحبر أسود
بخريطة سرية
لا يفك طلاسمها إلاي.
يحمل وشم "الرحم" بالفراشة دلالة نسقية بالغة الأهمية؛ فالرحم- سواء أكان بمعناه الحقيقي أو تورية بلاغية بمعنى "الفرج"- فإنه في الأنساق الثقافية الموروثة هو المقر الأبرز لوظيفة المرأة البيولوجية الحامية لسلالة الذكور، وهو موضع محاط بالتحريم والتكتم الاجتماعي، وهو مكان خاص جداً لا يولج إلا برضا وإذن خالصين من المرأة، فحين تختار الشاعرة أن ترسم على رحمها/ فرجها "فراشة"- وهي كائن يرمز للخفة، والتحول، والحرية- فإنها تنزع هذا المكان من المفهوم البيولوجي والمؤسسي الفحولي، وتحوله عبر "المجاز الكلي" إلى موضع للشهوة المستقلة، والجمال الخالص، والسيادة الذاتية.
إن ربط هذه الاستعادة الجسدية بسؤال كتابة الشعر يظهر أن الأنثى لا تستطيع أن تكتب بصوتها المستقل ما لم تستعد جسدها أولاً من ملكية تلك المؤسسات؛ سواء أكانت دينية أم تجارية، فالجسد الموشوم يصبح النص الأول، والكتابة الشعرية تغدو امتداداً لهذا الحبر الأسود الذي يرسم خريطة سرية لا يملك طلاسمها ولا يوجه معانيها سوى الذات الأنثوية الكاتبة، وبذلك تصل الذات إلى أقصى رغباتها وهو السيطرة على اللغة ومعانيها، ولذا فإنها تستحضر صورة الصمت الأولى التي كانت مؤشرا على المقاومة للنسق الموروث، فتصبح الكتابة أيضا مجالا آخر من مجالات مقاومة ذلك النسق.
هذا يقودني للحديث عن البصمة الشخصية ومقاومة الصقل والكوي النسقي الممارس ضد المعنى واللغة والذات معاً، ففي قصيدة "الوجه الآخر"، تحوك الشاعرة خطاباً نقدياً ينطوي على تحذير صريح موجه للذات الكاتبة أثناء عملية تشكيل وجودها النصي والسيري، فتطرح تحذيرات متتالية تجسد استشعاراً عالياً لمخاطر الأنساق الثقافية التي تحاول دائماً نمذجة الأفراد وتجريدهم من ملامحهم الخاصة، وكأن هدف تلك الأنساق تأكيد انتماء الشخص في القطيع وكما ذاب صوته فإنها تعمل على إذابة صورته:
وأنت تكتب نفسك
انتبه من تسرب الحبر
إلى الصفحات التالية
في سيرتك
وأنت تصقل نفسك
احذر من خشونة المبارد
التي قد تمحو بصماتك
وأنت تكوي نفسك
لا تنس الثنية التي تخلفها المكواة
على الوجه الآخر
لوجهك.
تحمل هذه القصيدة بنية "الجملة الثقافية" التي تحدث تحولاً مسارياً بين حالتين: حالة الاستسلام لعمليات التنميط والتجميل النسقي، وحالة التمسك بالفرادة والبصمة الخاصة التي تجعل من الفرد ذاتاً لا تتكرر، وتنبه الشاعرة منذ البداية إلى خطورة "تسرب الحبر إلى الصفحات التالية في سيرتك"، وهو تحذير نسقي يتعلق بالكتابة السيرية؛ إذ تعي الصايغ أن السيرة الذاتية قد تتحول إلى مصيدة إذا ما تسربت إليها القوالب النمطية الجاهزة، أو إذا سمح المبدع لتجربة ماضية أن تهيمن على حاضره ومستقبله وتفرضه كسياق مكرر، وبقدر ما تحمل هذه الجملة من تحذير من الوقوع في مغبة النسق، فإنها تحمل هواجس حقيقية من دواعي الكتابة بحرية عن الذات، لأن ذلك النوع من الكتابة يجلب لصاحبه الكثير من المشاكل في ظل مجتمع مكتظ بأنساق الهيمنة والتسلط، وفي تجارب الشاعرات العربيات الكثير من الأمثلة قبل تجربة الصايغ وبعدها.
غير أن التفكيك الأهم يكمن في استحضار أزواج الاستعارات: "تصقل نفسك/ المبارد"، و"تكوي نفسك/ المكواة"، فالمبارد والمكواة تجسدان الآلات الثقافية والمؤسسية التي تمارس عملها على الخطاب والذات؛ فالثقافة السائدة تميل دائماً إلى "صقل" الأفراد وتنعيم زواياهم الحادة وغضبهم وتمردهم كي يصبحوا مقبولين اجتماعياً وبلاغياً؛ أي بمعنى آخر مدجّنين، وتحذر الشاعرة من أن "خشونة المبارد"- وإن بدت في الظاهر عملية تهذيب وتشذيب جمالي- تعني عملياً محو "البصمات" والتفاصيل الفريدة للشخصية، وكأنها من قبيل ما اعتبره الناقد عبد الله الغذامي استخدام تلك الجمل التي في ظاهرها الحق لكنها تخفي باطلاً "كلمة حق أريد بها باطل".
كذلك ترمز عملية "الكوي" إلى محاولة إزالة التجاعيد والتضاريس الحرة التي تخلفها المكابدة والزمن على وجه الذات وروحها، وتطالب الشاعرة بضرورة الانتباه إلى "الثنية التي تخلفها المكواة على الوجه الآخر لوجهك"؛ فهذه الثنية الخفية هي الأثر المتبقي من مقاومة الذات لعملية الفرد والمحو الكلي، هي الهوية التي لا تظهر على السطح المصقول بل تختبئ في الوجه الآخر، وترتبط هذه الرؤية حول البصمات المقاومة للمحو والإلغاء بما أوردته الشاعرة في قصيدة "لو"، حيث كتبت "صدر المرأة بصمة جبين حبيبها والبصمات لا تموت"، إذاً فالشاعرة تكتب بوعي كامل حول مقاومتها للأنساق الثقافية المهيمنة.
وعليه، تتحول البصمات، سواء أكانت طبعة الجبين أم على الصدر أم التضاريس الخاصة للوجه والروح، إلى رموز ثقافية عصية على الموت والمحو، وإن القبلات والبصمات والوشوم تشكل في مجموعها أرشيفاً حياً للذات الفردية وتجربتها الحياتية الروحية والسلوكية والثقافية، ينظر إليه النقد الثقافي بوصفه خط دفاع أخير ضد الأنساق المهيمنة التي تسعى لتسوية الجميع وإلغاء ملامحهم الخاصة.
تختتم الشاعرة الديوان بقصيدة ذات بنية كشفية تحت عنوان "الفهم المقدس"، حيث تختزل حنين الصايغ مسار التحول الوجودي والوعي النسقي النهائي للذات الكاتبة، وتبيّن القصيدة الحال التي أصبحت عليها الذات، نتيجة هذه الخبرة الحياتية:
لسنوات كنت زهرة
لا تعرف عن نفسها شيئاً
ولسنوات أخرى كنت حجراً
لا يعرف عن الزهور شيئاً
ولكن الحب صيرني تراباً
ففهمت
وعشت
وأحييت.
تتبدى هذه القصيدة بوصفها "مجازاً كلياً" يتناول سيرورة التحول الإنساني عبر ثلاث حالات نسقيه متدرجة، فالحالة الأولى حالة الزهرة؛ "كنت زهرة لا تعرف عن نفسها شيئاً"، وتجسد الوجود البدائي العفوي الفاقد للوعي الذاتي؛ حيث تكون الأنثى كائناً جمالياً يراه الآخرون ويستمتعون به دون أن يمتلك هو معرفة بذاته أو بالأنساق التي تحيط به وتصوغ وجوده، وإن بدا الأمر كذلك إلا أنه يؤشر على حالة بدائية وفطرية من الوعي لدى المرأة في أولى مراحل تفتحها الأنثوي، بما يحمله من تدفق جمالي ووعي خاص بها الجمال.
ومن المؤكد لا تظل الأمور على ما هي عليه، فيصبح الوعي أكثر تقدمية ليتجلى في الحالة الثانية "حالة الحجر" "كنت حجراً لا يعرف عن الزهور شيئاً"، وربما أشارت إلى تجسد مرحلة الانغلاق والتصلب والمقاومة القاسية؛ وهي حالة تشكلت كردة فعل على اكتشاف مآسي الأنساق والتعرض للظلم، حيث تحتمي الذات بالصلابة والقسوة والصمت لتمنع الأذى، لكنها في الوقت نفسه تفقد اتصالها بالحياة وبالرقة الأولى.
ثم تصل الذات إلى حالتها الأعلى؛ حالة التراب "ولكن الحب صيرني تراباً / ففهمت / وعشت / وأحييت"، وهي المآل الذي تحققت فيه الاستنارة أو "الفهم المقدس"، فالتراب بما يمثله من المادة الأم الطبيعية وأحد عناصر الوجود الأساسية مع الماء والنار والهواء، قد يومئ عن طريق الرمز للخصوبة، والتواضع الكوني، والاحتضان، والقدرة على المنح والإنبات، وتكمن الدلالة الثقافية الحاكمة في أن التحول نحو التراب لم يحدث عبر القسر أو الترويض النسقي، وإنما تم بواسطة "الحب"، فالحب في نهاية المطاف ينفك عن كونه ممارسة عاطفية فردية أو قالباً غرامياً موروثاً، ليصبح قوة كونية تفكك قسوة الحجر وجهل الزهرة، هذا الفهم المقدس هو الوعي النسقي الأصيل الذي يسمح للشاعرة بأن تعود إلى الحب ليس من موقع الضعف أو الخضوع للهيمنة الفحولية، وإنما من موقع التراب الذي يستوعب الجذور، ويفهم التحولات، ويمنح الحياة للذات وللآخرين "ففهمت / وعشت / وأحييت".
يستخلص هذا التحليل لديوان "منارات لتضليل الوقت" للشاعرة حنين الصايغ قدرة النص الشعري الحديث على أن يكون ساحة حقيقية لتفكيك الأنساق الثقافية المضمرة وتكسير قوالبها المهيمنة، فمن خلال الاشتباك الواعي مع مفهوم "المؤلف المزدوج"، استطاعت الصايغ أن تتجاوز دور "ساعي البريد" الموصل لوصايا الأبوات والأموات، متخلية عن اليد القديمة المطيعة للنسق لتعيد صياغة صوتها الأنثوي بذاتية حرة ومستقلة.
كما عكس استثمار الشاعرة للمعجم الأنثوي ولرمزية الوشم على الجسد- وبخاصة وشم الرحم ومناطق الشهوة- صياغة لمجاز كلي وتورية ثقافية تنزع ملكية الجسد من عقود السلطة الأبوية وأدوات التسليع الاستهلاكي، وتحوله إلى كتابة حرة وخريطة سرية غير قابلة للإلغاء والتهميش، وفي الحين الذي قدمت فيه قصيدة "الوجه الآخر" تحذيراً نقدياً من آلات الصقل والكوي النسقي لحماية البصمة الشخصية والثنية الخاصة للروح، جاءت خاتمة الديوان في "الفهم المقدس" لتعلن العودة إلى الحب بوصفه تراباً كلي الخصوبة، يمنح الذات الأنثوية وعيها الأقصى وقدرتها على الفهم، والعيش، والإحياء.
من منشورات صحيفة الحدث، عدد 199، أكتوبر 2026



