فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

الفواعل الشعرية في ديوان هوناً مّا للشاعرة رولا سـرحان

فراس حج محمد| فلسطين

تشكّل التجربة الشعرية للشاعرة رولا سرحان في ديوان هوناً مّا منعطفاً مهماً في مسار قصيدة النثر الفلسطينية الراهنة؛ حيث تتقاطع في نتاجها الأدبي أدوات الباحثة في علم الاجتماع الثقافي مع رؤية الشاعرة الحداثية، لتنتج نصاً يتجاوز المألوف الشعري التقليدي نحو فضاءات فلسفية ووجودية بالغة التعقيد، وتتبدى هذه التجربة في نضجها الكامل، حيث تستحضر الذاكرة الجمعية الفلسطينية لا بوصفها قوالب جامدة من الرثاء أو المديح أو الوصف، بل كعناصر حية تتفاعل مع الجسد والحب واليوميات المثقلة برائحة الموت والبرتقال على حد سواء.

تدرك الشاعرة تماماً أن الكلمة هي آية الوجود الوحيدة المتبقية في مواجهة محو الجغرافيا وتفكيك الهوية، وفي هذا ارتباط لمشروعها البحثي؛ إذ إنها تتابع دراساتها العليا في برنامج الدكتوراه في جامعة بيرزيت حول سوسيولوجيا الذاكرة، عدا أنها تشغل منصب رئيس تحرير صحيفة الحدث الشهرية، الصادرة في مدينة رام الله، ما يمنحها رؤية سياسية ذات اتصال بالواقع المعيش؛ ليأتي هذا الديوان معززا لمشروعها الثقافي المرتبط بالقضايا السياسية والوطنية والهموم الذاتية بوصفها شاعرة ومواطنة فلسطينية تعيش تحت الاحتلال، فقد سبقه ديوانان وهما: حراً على آخرك (بيروت، 2013)، والسِّوَى (عمان، 2017).

تتخذ الشاعرة من تعبيـر هوناً مّا عنواناً عامّاً، مستعاراً من عنوان أحد نصوص الديوان، وعلى الرغم من أن هذه العنونة يمكن أن تدرج ضمن إستراتيجية إطلاق اسم الجزء على الكل، إلا أن هذا الجزء، والمقصود قصيدة هوناً مّا، تمثل لبّ الفكرة الشعرية التي يتحصّل عليها القارئ للديوان، إلا أنّ هذا الجزء/ القصيدة لا يُغني عن بقية الديوان، وبذلك تكون العلاقة مركبة بين الجزء والكل، تقوم على التفاعل النص والفكرة معاً.

 وتستحضر هذه الصيغة اللغوية هوناً ما حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدعو فيه إلى الاعتدال في الحب والبغض: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما، هذا الاختيار يجسد موقفا جمالياً وسياسياً تقفه الشاعرة في بيئة فلسطينية تتسم بالاستقطاب الحادّ، والمبالغة في المشاعر الوطنية أو الشخصية، فالعنوان يشير إلى الرغبة في إيجاد منطقة وسطى، لا تعني الحياد، بل تعني نوعاً من البصيرة تسمح للمرء برؤية الضحية والجلاد، والحب والحرب، والضعف والقوة في إطار إنساني واحد إلا أنها تجنح للضعف على المستوى الإنساني في العاطفة الشخصية معتبرة أن الضعيف في الحبّ بطل، كما جاء في نهاية النصّ.

وفي السيميائية المصاحبة لهذا العنوان، فإن هذه الهونا أو الهوينا، هي ممر لعشب اليد، وهي إستراتيجية للبقاء في ظل واقع يضغط على الفرد ليكون إما بطلاً أو قتيلاً، وتحاول الشاعرة في نصوصها أن تمنح البطل حق الضعف، وللقاتل فرصة للندم، وللعاشق مساحة للتأرجح بين الحبلين، يتضح هذا في قصيدة برج، حيث تضع نفسها في المسافة بين حبلين؛ حبل الأرجوحة المربوطة بمشنقة، والعالم السفلي والحب العلوي، لتعلن أنها كائنة لينة النبض تنكفئ على وجهها محاولةً ألا يكون هناك شهود على قلبها، هذا الهروب من الشهادة الجمعية نحو الشهادة الذاتية هو ما يميز أسلوبها الخاص في بناء الجملة الشعرية، بل وظهر جليا في إستراتيجيتها في عنونة نصوص الديوان بأن جعلت عنوان كل نص هو جزءاً منه، فلا يمكن أن تقرأ النص دون عنوانه، فالعنوان أول كلمة في كل نص من هذه النصوص.

لعل الشاعرة تستعير هذه التقنية في العنونة من لغة الصحافة التي تشكّل فيها العناوين أهمية بنيوية لا تنفصل عمّا بعدها من مادّة، سواء أكانت تقارير أم أخباراً، وربّما شمل هذا أيضاً عناوين بعض التحليلات الصحفية على اختلاف أنواعها، كما لم تغب المفردة الصحفية عن النصوص نفسها، فذكرت الشاشة، وشريط الأخبار، وعناوين الصحف، والصحيفة التي تُشبّه الحبيبة بها، كما في هذا النص المتجسد من صورة شعرية طريفة، ونادرة:

يمزج الأخبار في البلادِ ويمزقها؛

وكان يتذكَّر في الساعات المتأخِّرة

أنَّ الحبيبة مثلُ الصحيفةْ؛

تُحمَلُ بينَ اليدين.

ومن جانب آخر، بعيد عن الأفق الصحفي، تحيل هذه الإستراتيجية البنيوية في بناء عناوين النصوص الداخلية إلى ما فعله محمود درويش في ديوانه ورد أقل (1986)، حيث جعل عنوان كل قصيدة من قصائده القصيرة أول جملة من النص، وأعاد العنوان مرة أخرى في بداية كل نص، كما أنه خرج عن هذه الإستراتيجية وأخلّ بها في بعض العناوين، في حين التزمت الشاعرة باستراتيجيتها تماماً في النصوص الـ (109)، ما منح الديوان شخصية موحدة في هذا الجانب، إضافة إلى أن درويش كانت عناوينه جملاً، وأما الشاعرة فكانت كلمة أو كلمتين على الأكثر ما عدا عنوانا واحدا جاء تركيبا بثلاث كلمات الوريث الوحيد للحبّ دون أن يؤلف هذا العنوان جملة كاملة، كما أنها افتتحت الديوان بجملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر عنوانه غريب، ومن الملاحظ أن عناوين درويش كانت جملا فعلية، تُغلّب السردي على الشعريّ، أما عناوين ديوان رولا سرحان فتخلق شعريتها من المفردة ذاتها التي اعتمدت الاسمية في صياغتها.

لا يمكن فصل نتاج التفكير الأكاديمي والصحفي للشاعرة رولا سرحان عن مشروعها الشعري الثقافي، حيث تركز في أطروحتها للدكتوراه- كما هو عنوانها- على الذاكرة السوية: الممارسات التذكرية للنكبة في الإعلام الفلسطيني (1994-2024)، هذا الاهتمام بالذاكرة يظهر في الديوان كآلية لإعادة بناء الهوية المبعثرة، ففي قصيدة الخزاف، نجد استحضاراً للمذبحة ليس عبر الخطابة، بل عبر شقوق الصلصال وأصوات الميتين التي تخرج دون اختصار، الخزاف هنا هو الشاعر/ الفنان الذي يبني الحكاية دون حبكة، يُعلَّقُ جرساً فوق القلب ويمضي.

تتعامل الشاعرة مع الجغرافيا الفلسطينية كجسد حي، ففي قصيدة البنت، تشبه وجه الفتاة بـ صخرة في عكا، وتستنطق اللون الأحمر في الدم والرمان لتسأل عن الفرق بين دم الدورة الشهرية ودم المخاض ودم الرصاص، إنها سوسيولوجيا الأنوثة في ظل الاحتلال، حيث تتحول التفاصيل البيولوجية إلى أسئلة سياسية وجودية، فالجسد هنا ليس عورة، بل هو خارطة العدو التي تبحث فيها الشاعرة عن حبيبها، معلنةً أن أنوثتها ونضجها هما جزء من مقاومة لمقاومة ومن احتلال لاحتلال، وبالتالي سيكون هناك لنا متسعٌ، كي نحب، وكي نكتب.

يبرز في قصائد هذا الديوان توظيف مكثف لقصص الأنبياء والشخصيات التوراتية والقرآنية، ولكن برؤية إنسانوية؛ تخضع هذه المقدسات لمنطق الحب والألم البشري، ففي قصيدة السامري، نجد قلباً شاعرياً هو الذي أنزل السامري من جبل الوحدة، ليضعه في حقل مع فتيات أورشليم، طارحةً السؤال الإشكالي: يا سامري أحبّك أطيبُ أم ربك؟، هذا السؤال يمثل جوهر الصراع في الديوان بين الانتماء للعقيدة أو الأيديولوجيا، وبين الانتماء للحب كاختيار بديل محايد ليس فيه أي لون من ألوان الأيدلوجيا أو العقيدة الخاصة، وكأن ما يوجه الشاعرة في اللا وعي، في السياق ذاته، قول محيي الدين بن عربي في بيته المشهور: أَدينُ بِدينِ الحُبِّ أَنّي تَوَجَّهَت رَكائِبُهُ فَالحُبُّ دَيني وَإيماني.

كذلك نجد حضوراً لشخصيات مثل موسى، ويعقوب، والمجدلية، وداوود، لكن الشاعرة تنزع عنهم القداسة التقليدية؛ لتجعلهم شركاء في الحيرة، ففي قصيدة الـ لا- أدري، يبرز التساؤل حول الخلق والموت والجاذبية، لينتهي النص بـ طاقة الصفر والاعتراف بـ لا أدري، هذا الانفتاح على الشك ومفتاحه السؤال، هو ما يمنح نصوص الديوان بعداً فلسفياً يتجاوز محدودية المكان، رغم انغراسه فيه، فالإله عند الشاعرة قد يكون إلهة من الخوف لا تستجيب لدعاء المساء، بل تنشر سحابها الفضي المسحور على جنون المشافي.

يتداخل في الديوان الحب والحرب لدرجة يصعب معها الفصل بين القبلة والرصاصة، ففي قصيدة الرصاصة، تتساءل الشاعرة عما إذا كانت الرصاصة يمكن أن تفكر قبل أن تصل إلى وجهتها، وعن الفرق بين قلب مطلقها جندياً كان أم حبيباً، هذا التوازي- كما أنه يكسر الصورة النمطية للمقاتل، ويحول الفعل العنيف إلى تساؤل حول المسافة والمنطق- فإنه يستنطق أدوات العنف ذاتها لتمنح حق التفكير في منطقية وجودها ومسارها، ما يشكل التعبيـر بهذه الطريقة فعل إدانة أشدّ من الإدانة الصريحة للجندي القاتل الذي يملك إرادة القتل لكنه لا يفكر بمنطقية فعله.

الحب في هوناً ما هو خسارة ليس لها قاع وليس لها سقف، وهو رهان على طاولة الحظ التي يجلس عليها حبيب وحبيبة وموزع بطاقات لعينة، وفي قصيدة الجيش، ثمة تداخل بين الثائر والمستعمَرَة، حيث يحاول الجيش تسلق جدار الملح الذي تبنيه المرأة، ليس لإخضاعها، بل للدخول إليها، هذا القلب للمفاهيم العسكرية واستخدامها في سياق العاطفة يمنح النص كثافة وتعلي من شعريته الخاصة، حيث منطق الشاعرة غير محكوم إلا برؤيتها الذاتية التي تبنيها بتوجهات فلسفية وفكرية عابرة للزمن، ومتحررة من منطلقاتها التاريخية على الرغم من تعاملها الواعي مع أدوات العمل الصحفي ما يعني الانغراس في اللحظي والراهن، لكن دون أن تخسر الاتكاء على مطلق المعنى المتحرر من التأطير الصحفي الجافّ حتى وهي توظف في سياق الشعر مفردات لها علاقة بالصحافة، إلا أن السياق قادر على أن يشحنها بطاقة شعرية يجعلها تعلو على الخبر المجرّد الخاوي من أي معنى سوى معناه الحرفي الحادّ. إنها- وبلغة أخرى- تبلّل حوافّ المفردات لتجعلها أكثر جمالاً بشعرية السياق.

ويلاحظ في الديوان كذلك أن المكان فيه ليس ذا خلفية جامدة، بل فاعل درامي، ففي قصيدة القصة، تظهر مفردات مثل المخيم، والتينة، والحاجز العسكري، والمقابر، لتطرح الشاعرة سؤالاً حول أزمة انتصار الحذف، فماذا لو حذفنا المخيم؟ ماذا سيفعل المحارب؟ هذا التساؤل يعكس وعياً سوسيولوجياً عميقاً بمدى ارتهان الهوية الفلسطينية بالمكان الفيزيائي، ويبيّن مدى ارتباط المخيم بالذاكرة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني المحيل على نكبةٍ، بدأت عام 1948 ولكنها ما زالت مستمرة، وجزء من آليات استمرارها حذف المخيم من المشهد السياسي ومن الفضاء العام للحياة الفلسطينية، وفي الوقت ذاته، تحاول الشاعرة تحرير الحبيب من هذه الذاكرة الغشاشة ليكون وجهه حديقة وعودة مذهلة للعاطفة؛ بمعنى أنها تحاول أيضاً بناء ذاكرة موازية للمحو والإلغاء الذي يمثله حذف المخيم.

وتنتقل الشاعرة ببراعة من الحي الأرمني في القدس إلى مذابح بيروت في أيلول، وصولاً إلى لوحة حرب إسبانية ونساء قرطبة، هذا الاتساع الجغرافي يعكس تجربة الشاعرة التي ولدت في بيـروت وتعيش في فلسطين، وتسافر إلى غير مكان حول العالم إما حقيقة أو مجازا عبر الاهتمام الصحفي والبحثي، ما جعل نصها عابراً للحدود الضيقة، ونظرا كذلك لامتداد معاناة الفلسطيني التي توزعت على عدة جغرافيات عربية وعالمية.

يزخر الديوان بشخصيات تتحرك كأقنعة للمواقف الوجودية:

الجنرال: هو الشخصية التي تصنع الخبز وتعد الميتين، لكنه أيضاً يتحف التاريخ بوضعه في متاحف باردة، ومع ذلك يسأل: أبقلبي شرّ؟ لتكشف عن الرعب القابع خلف برود السلطة عبر هذا السؤال الجهنميّ:

معي السكاكين، والطواحين، وقادةُ الحرب،

وصكوك العفو، والفتوى والشكوى،

وإن مشينا بأحزمةٍ ناسفةٍ إلى الرَّبّْ.

الطريقُ معبَّدٌ والطريقُ معدٌّ للسيرْ،

أبقلبي شرّْ؟

هذه المشهدية في وقاحتها لدى الجنرال تحيل إلى ما فعلته الحيوانات المفترسة في مسرحية شريعة الغاب للشاعر أحمد شوقي حيث كل فعل من أولئك الفواعل الشريرة تنتهي بسؤال مشابه: هل تحسبوني مذنباً؟ أو ذاكَ فيّ مذمّة؟ وكأن الجنرال هو الترجمة الحقيقية لرمزية شخوص أحمد شوقي الشعرية (الأسد والنمر والدبّ).

الأمير والراعي: في قصيدة الأمير والراعي، ثمة صراع على قلب الحبيبة، وعلى رائحة تبدأ من الغابة، الأمير مهزوم في الحب، والراعي يحاول منافسة الأمراء بناي تحت قميصه، وفي النهاية يضيع الثلاثة، هذا الضياع هو تعبير عن فشل النماذج التقليدية (السلطة والبساطة) في احتواء تعقيدات الروح الحديثة، ونافية بذلك فلسفة الثنائيات مؤكدة فلسفة التعددية في الأشياء والآراء والمواقف والتوجهات المنسجمة مع توجهاتها الشاعرة الشخصية المبنية على الليبرالية التي ترى الجميع متساوين، وتتفق مع رؤيا الديوان الشعرية القائمة على الاعتدال المعلن عنه منذ البداية في العنوان.

دليلة: في قصيدة دليلة إعادة قراءة لأسطورة شمشون ودليلة، حيث تتحول الحيلة إلى كفاءة في الحب وفي الحرب، وتدعو الشاعرة الحبيب ليحرق جثة النحل فوق الأحجية وينام بسلام، إن استحضار دليلة الفلسطينية مع شمشون الجبار اليهودي، هو تجلٍّ آخر من أوجه الرؤيا الشعرية التي لا تسلّم بالهزيمة، حتى والفلسطيني يهدم المعبد على من فيه وما فيه، لأنه إنما يفعل ذلك لينعم بالسلام المنشود.

وتقدم رولا سرحان في قصيدة المغفرة رؤية نقدية للعلاقة بين الجندي والمراسلة الحربية، وكلاهما مضرج بالجغرافيا، السؤال هنا هو: هل الغلبة للقوة أم لفكرة المنطق؟ الجواب يأتي صريحاً: الكلمة، وحدها، وفقط، كانت آية، هذا الإيمان بسلطة الكلمة هو الذي يدفع الشاعرة لكتابة الشعر وممارسة العمل الصحفي عبر الكتابة أيضاً، ومعهما الاشتغال البحثي المعتمد على التفكير بالكتابة، كلها تعبّر فيها عن ممارسة نوع من السلطة متمثلاً في قوة المعنى المستكن وراء الكلمات، مؤمنة بأن الزمان الوحيد الذي سنفوز به هو ما نكتبه الآن وما ننجزه عبر هذه التجليات الثلاث لسلطة واحدة، هي سلطة العقل والتفكير والكلمة.

كما يفتتح الديوان بؤرا جديدة في المعنى، حيث الانتقال من فتات اللغة التي تولد الصراع واللا معنى إلى صناعة الأولاد كفعل حقيقي عملي تعويضي لخسائر الحرب إذ إننا:

سنصنعُ، الليلةَ، أنا وأنت، الأولاد.

ليس بدافعِ النزوةِ أو الشَّهوةِ، بل لتعويض خسائر الحرب والحياة.

سنُنجِبُ مقاتلين جدُداً حتى وإن انتهى العشقُ والحربُ بالهزيمةِ.

كلُّ الدَّمالِجِ والأقراطِ والخواتمِ والأساور لن تَكفِي شُحَّ الانتصار؛

فالحربُ تجارةٌ، والدَّم بيعٌ، وخسارةْ،

والغنيمةُ بينَنا في الليل، الذي يبقينا معاً، في الليلْ؛

ننجب أولادنا، وأعداءهم

تتجلى الرؤية في السطر الأخير حيث أولادنا نحنُ أعداؤهم هم؛ هنا يتحول الفعل البيولوجي (الإنجاب) إلى استراتيجية سياسية للبقاء، وتتحول الغنيمة من مادية إلى ليل يبقينا معاً، دون أن تحفل بذلك الفتات اللغوي الذي لا يوفر الأمان والنسيج المعنوي على مستوى النص، فما بالكم في الحياة الواقعية؟ فالشاعرة بهذا التعبير الفتات اللغوي لا تتراجع عن دور الكلمة وسلطتها، وإنما تؤكد هذه السلطة في ضرورة أن تتجاوز اللغة مرحلة الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع إلى مرحلة أكثر نضجاً، فنوجد اللغة المؤثّرة المعبّرة عن الرؤيا والمشروع والإستراتيجيات الحيوية لضمان العيش معاً، أي لضمان العيش كشعب في هذه الجغرافيا.

وبهذا، يمثل ديوان هوناً ما للشاعرة رولا سرحان صرخة عالية في وجه القوالب الجاهزة الشعرية والسياسية، إنها الشاعرة التي ترفض أن تكون أطرافاً صناعية في معركة الآخرين، بل تختار أن تعبر نقيضاً على النقيض من خلال هذا النوع من الشعر المكثف، كما استطاعت أن تثبت أن الضعيف في الحب بطل، وأن الهزيمة ضوء واضح يكشف انطفاء لمعان الأشياء التي كنا نحبها.

وعدا هذا وذاك، فإن الديوان وثيقة اجتماعية وسياسية مصوغة بجمالية ذات شعرية عالية ومميزة، تعيد الاعتبار لقيمة الاعتدال في زمن الانفجارات، وقيمة الحب في زمن الكراهية، وقيمة الكلمة في زمن الصمت المطبق، فالشاعرة من خلال هذه النصوص لا تكتب شعراً فحسب، بل إنها: تدخُلُ القلعةَ وتُغلِقُ الباب خلفها/ وتُردِّدُ: اللهُ للهِ، والموقفُ للموقف! محققة الرؤيا الشعرية التي أعلنتها منذ البداية في هذا العنوان هوناً ما الذي لا يُدرك على وجهه العميق إلا بالقراءة التأملية الواعية لنصوص الديوان جميعاً التي تفتح شهية النقد على مقال آخر في كتابة قادمة، بعون الله.

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 1 مشاهدة
نشرت فى 16 فبراير 2026 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

976,757

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021. وديوان "على حافّة الشعر: ثمّة عشق وثمّة موت"، دار البدوي، ألمانيا، 2022. وكتاب "الكتابة في الوجه والمواجهة"، الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان، 2023. وكتاب "متلازمة ديسمبر"، دار بدوي، ألمانيا، 2023. وكتاب "في رحاب اللغة العربية"، دار بدوي، ألمانيا، 2023، وكتاب "سرّ الجملة الاسميّة"، دار الرقمية، فلسطين، 2023. وكتاب "تصدّع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمّان، 2023، وديوان "في أعالي المعركة"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2023، وكتاب "مساحة شخصية- من يوميات الحروب على فلسطين"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "الثرثرات المحببة- الرسائل"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "فتنة الحاسة السادسة- تأملات حول الصور"، دار الفاروق للثقافة، نابلس، 2025، وكتاب "الصوت الندي- تأملات في الأداء والأغاني"، دار الرعاة وجسور الثقافية، رام الله وعمّان، 2025، وكتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق"، مكتبة كل شيء، حيفا، 2025. الإصدارات الإلكترونية: كتاب "في ذكرى محمود درويش"، الطبعة الثانية المنقحة، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "صدى النص- رحلة القصيدة من الكتابة حتى التحليل الإلكتروني"، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "في النقد والنقد المضاد- على هامش كتاب "المشهد الروائي الفلسطيني"، إصدار شخصي، 2025، و كتاب " Translations About Firas Haj Muhammad"، ناشرون فلسطينيون، 2025، وكتاب "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993"، ناشرون فلسطينيون، 2025.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن هذه التجربة الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معي عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.