رؤية جديدة في البلاغة المعاصرة:
"الإنقاص البلاغي" لفراس حج محمد رؤية نقدية جديدة في الشعر والنثر

القاهرة - بوابة الوسط، الأربعاء 10 سبتمبر 2025
صدر حديثاً عن مكتبة كل شيء في حيفا لصاحبها صالح عباسي، كتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق" للباحث والناقد الفلسطيني فراس حج محمد، وهو دراسة أدبية تقدم مصطلحاً نقدياً فريداً يُضاف إلى المكتبة العربية في مجال الأدب والنقد.
ويُعد هذا الكتاب محاولة جادة لتأصيل مفهوم "الإنقاص البلاغي" وتوضيح تجلياته في الشعر والنثر على حد سواء. ويقع الكتاب في (135) صفحة، وصمم غلافه الفنان شربل إلياس. ويشتمل الكتاب على ملحق خاص ببعض الأعمال الأدبية التي درسها المؤلف في كتابه.
يقوم مفهوم "الإنقاص البلاغي" على "التخلي عن بعض ما لا ينفع العمل الأدبي في سبيل جعله أكثر فنية وأدبية". ويؤكد المؤلف في تصريح إلى "بوابة الوسط" أن هذا المفهوم نشأ لديه خلال عمله على كتاب "سرّ الجملة الاسمية" الذي يعتمد على فلسفة "التخلص من ثلث اللغة العربية" في بناء النصوص. ويشدد حج محمد على أن المصطلح أعمق من مجرد "الحذف" أو "التكثيف"؛ فهو تقنية شاملة تحكم النص وتخلق قانونه الخاص.
ويوضح المؤلف أن "الإنقاص البلاغي" يختلف عن الحذف التقليدي، الذي يتعمد استبعاد عناصر لغوية لغرض معين وله دليل يدل عليه، بينما الإنقاص البلاغي هو عملية استبعاد شاملة. كما أنه يختلف عن التكثيف الذي يعني غزارة المعاني، دون أن يلجأ بالضرورة إلى الحذف. فبينما يميل التكثيف إلى بناء لغوي مكتفٍ بذاته لإحداث معانٍ متعددة، يعتمد الإنقاص البلاغي على استبعاد بعض العناصر اللغوية.
يأخذنا المؤلف في رحلة تطبيقية لهذا المفهوم، محللاً عديد الأعمال الأدبية. في الشعر، يولي عناية خاصة للحذف في ديوان "أولئك أصحابي" للشاعر حميد سعيد ومقاطع من ديوان "بنات للألم" للشاعرة أمينة عبد الله، ليكشف كيف ساهم الإنقاص البلاغي في تعميق المعنى وإبراز الجانب الشعري.
وفي النصوص السردية، يتناول عدداً من الروايات المختلفة في بنيتها وطبيعة السرد. فيحلل رواية "مفاتيح البهجة" للكاتب عمر حمش، ورواية "حب في منطقة الظل" للمفكر عزمي بشارة، ورواية "عين التينة" للدكتور صافي صافي، ورواية "الحياة كما ينبغي" للروائي أحمد رفيق عوض. ويستعرض كيف اعتمدت هذه الروايات على تقنيات "الإنقاص البلاغي" لجعل السرد أكثر فنية. وفي القصة القصيرة والقصيرة جدا، يتناول المؤلف في التحليل أعمالا أدبية للكتّاب: محمد الكريم، وصلاح عويسات، وحلمي حسين شاكر.
كما يتوسع حج محمد في تطبيق مفهومه ليشمل عناصر أخرى في النص الأدبي. فهو يدرس علاقة "الإنقاص البلاغي" بالعنوان، معتبراً أن العنوان هو أحد تجليات هذا المفهوم. كما يتوقف عند علامات الترقيم، مبيناً أنها ليست رموزاً شكلية، بل تحمل مدلولات بلاغية عظيمة النفع. ويختتم تطبيق المفهوم بالحديث عن الصورة والبلاغة، وكيف يمكن أن تعمل بلاغياً في المتلقي بوقفة قصيرة.
دعوةلتأمل الأعمال الأدبية من منظور جديد
يأمل المؤلف أن يكون هذا الجهد إضافة نافعة للفكر النقدي العربي المعاصر. ويرى أن هذا المفهوم سيساعد الأدباء والكتاب على أن يكونوا أكثر وعياً بأساليب التأليف الأدبي، خاصة في مرحلة إعداد العمل، عبر ملاحظة "النتوءات" التي يجب التخلص منها ليصبح العمل أكثر تماسكاً وسلاسة. ويهدف إلى مساعدة النقاد على الكشف عن جماليات "الاستبعاد والانتقاء والاختيار"، التي ترفع من شأن العمل الأدبي وتجعله أكثر تأثيراً وجمالاً.
يُعد كتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق" دعوة للنقاد والدارسين لتأمل الأعمال الأدبية من منظور جديد يعالج جوانب الإبداع بأكملها، ويربط أجزاء العمل الأدبي بنظرة كلية شاملة. وهو خطوة مهمة نحو بناء منظومة فكرية نقدية عربية قادرة على اشتقاق أدواتها ومصطلحاتها الخاصة.


