تاج البردة المحمدية
يا منبعَ الخيرِ يا طُهرًا بلا تُهَمِ
يا سيِّدَ الخلقِ يا نورًا على القِمَمِ
يا من بعثتَ لنا قرآنَنا هُدًى
يَشفي القلوبَ ويُحيي ميتةَ الهِمَمِ
ناداكَ ربُّكَ يا طه فأشرقتِ الـ
أكوانُ بالوحيِ، بالآياتِ والحِكَمِ
يا صادقَ القولِ، يا مَن لا شبيهَ لهُ
ما ضلَّ قلبُكَ يومًا عن هُدى القِدَمِ
رحمةٌ وسعتِ الدنيا وأهلَها
فاللهُ أرسلكَ المنّانُ بالكرَمِ
ما زاغَ طرفُكَ عن حقٍّ، ولا كذَبَتْ
شفتاكَ في النطقِ بالقرآنِ والعِظَمِ
بل بشّرتْنا بفيضِ الخيرِ جامعةً
بينَ القلوبِ، وأحيتْ ميّتَ الأُمَمِ
يا سيِّدَ العربِ والإسلامِ أجمعِهِمْ
يا قاهرَ الشركِ يا هادِي إلى النِّعَمِ
صلّى عليكَ إلهُ العرشِ ما طَلَعَتْ
شمسٌ، وما غرّدَ الورشانُ في الحَرَمِ
صلّى عليكَ بليلٍ كلُّ مُبتهلٍ
يَرجو النجاةَ، ويُحيي ذِكرَكَ القَلَمِ
ما كنتَ إلا ضياءً شامخًا شرفًا
كالنورِ يعلو، فلا يُخفى على الأُمَمِ
يا سفرَ نورٍ، ويا بدرَ الدجى شرفًا
يا من جلوتَ الدجى عن ناظرِ الظُّلَمِ
جئناكَ بالمدحِ من صدقٍ ومن أملٍ
يا أكرمَ الرسلِ، يا ذا الطُّهرِ والقِيَمِ
علّمتَنا أن نُحِبَّ الخيرَ أجمعَهُ
وأن نكونَ كرامًا سادةَ الأُمَمِ
غرستَ فينا عُلوّ النفسِ قائلةً:
لن تنحني أمةٌ لله في القِمَمِ”
فكنتَ رمزَ ثباتٍ لا يزولُ، وقد
صنتَ العزيمةَ من ضعفٍ ومن وَهَمِ
جبريلُ جاءكَ بالوحيِ الأمينِ فهزّ
أركانَ قلبٍ، فصارَ الطُّهرُ في نَغَمِ
ما زاغَ فكرُكَ عن مولاكَ مُذ خُلِقَتْ
أرواحُنا، فغدوتَ الواثقَ الحَكَمِ
لم يعرفِ الناسُ في دنياهمُ أبدًا
قلبًا كقلبِكَ في إحسانِهِ العَمَمِ
تسقي العدوَّ إذا ما جاءَ معتذرًا
وتمنحُ الصفحَ في حالِ العدا الغَشَمِ
ما لانَ عزمُكَ في البأساءِ، بل ثبتتْ
أقدامُكَ الصُلبُ في الهيجاءِ كالعَلَمِ
بدرٌ أتيتَ، فذابَ الليلُ من شُعَلٍ
وانهدَّ صرحُ ضلالٍ، سَقطَ الصَّنَمِ
فاللهُ أصدقُ من أثنى، ومن مدحوا
يبقى الثناءُ لهُ في اللوحِ والقَلَمِ
ما قلتَ إلا الذي يرضى الإلهُ بهِ
ولا عملتَ سوى الإحسانِ للأُمَمِ
كأنما الكونُ لم يُخلَق سوى فرحًا
بذكركَ الطاهرِ الباقي مدى القِدَمِ
جبريلُ صافحَكَ التسليمَ مُبتسمًا
والأنبياءُ اصطفَوا يرجونَ ذاكَ دَمِ
من مهدِ مكةَ حتى طابَ يَثرِبُها
ذِكرُ الحبيبِ سرى في أُذنِ الأُمَمِ
ما فارقَ النورُ واديها ولا جبلًا
مذ جئتَ تمشي بها، يا سيّدَ القِيَمِ
يا أمةً فيكَ قد صارت مكرَّمةً
في الأرضِ أعظمَ من تيجانِ ذي قِدَمِ
ما ضلَّ فيكَ هُدى، ما غابَ فيكَ سَنًى
ما عابَ فيكَ صفاءُ الطبعِ من نَقَمِ
يا سيِّدَ الناسِ، يا بدرَ الدجى فخرًا
يا خاتمَ الرسلِ، يا منقذَ ذي السَّقَمِ
تبكي العيونُ إذا ما ذُكرَ اسمُكَ في
قلبٍ حزينٍ غدا يشكو من الألَمِ
كم قد رفعتَ ضعيفًا كان مُحتقَرًا
حتى غدا شامخًا يمشي على القِمَمِ
كم قد كسوتَ عُراةَ القومِ من كَرَمٍ
وكم أطعمتَ جياعًا بينَ ذي عَدَمِ
كنتَ الأمانَ لبيتِ اللهِ من يدِ مَنْ
راموا الخرابَ بسوءٍ، ظالمًا قَدَمِ
ناداكَ ربُّكَ يا محمودُ في شرفٍ
فاستبشرتْ بكَ أرواحٌ من العِظَمِ
صلّى عليكَ إلهُ العرشِ ما غَرَبتْ
شمسٌ، وما أورقتْ أغصانُ في أُدُمِ
صلّى عليكَ بليلٍ كلُّ مُرتَقبٍ
يرجو النجاةَ من العصيانِ والنِّقَمِ
يا رحمةَ اللهِ في دنيا الورى أبدًا
يا سيّدَ الخلقِ، يا دربَ الهُدى العَمَمِ
جئتَ الحياةَ، فأحيا الناسَ نورُهُمُ
وانداحَ في القلبِ ضوءُ الحقِّ والحِكَمِ
يا من محوتَ دجى الأوثانِ، وانتصرَتْ
بوجهِكَ الأمةُ الكبرى على الصَّنَمِ
يا منبعَ الصدقِ، يا مَن لا يُقاسُ بهِ
من سارَ في الأرضِ، من بادٍ ومن أُمَمِ
فاقت مديحَكَ أقلامُ البريّةِ، ما
نالوا سناكَ، وظلَّ الوصفُ كالحُلُمِ
نحنُ الضعافُ، وأنتَ الشافعُ العَظَمُ
يا سيّدَ الخلقِ، في الأولى وفي القِدَمِ
لولاكَ ما كانَ للإيمانِ مكرُمَةٌ
ولا تجلّى على الأكوانِ في عَلَمِ
أنتَ الذي جاءَ بالتوحيدِ متّصلًا
بالحقِّ يُنجي قلوبَ الناسِ من وَهَمِ
يا من أحبَّكَ ربُّ العرشِ واصطفَتِ
فيكَ النبوّةُ ما غشَّتكَ من ظُلَمِ
يا من خشيكَ عدوّ الدينِ فانكسرتْ
راياتُهُ، وبدا نورٌ على الأُمَمِ
تبقى القلوبُ على ذكراكَ مُزهِرةً
كالزهرِ في الروضِ لا يذوي مع القِدَمِ
وتبقى روحُكَ في الأرواحِ مُعجزةً
ما غابَ نورُكَ عن دُنيا ولا أُمَمِ
يا من هَدَيتَ قلوبَ الناسِ من عَمَهٍ
وبدّدتَ الشكَّ ما أبقيتَ من وَهَمِ
يا من أقمتَ صروحَ العدلِ شامخةً
تُنجي الضعيفَ وتَحمي الحائرَ السَّقَمِ
لو لاكَ ما ارتفعَ الإنسانُ في رُتَبٍ
ولا سمتْ بالهدى أرواحُنا الأُمَمِ
يا سِفرَ رحمةِ اللهِ، ويا بدرَ النورِ
في حُبّكَ صغرتْ أهواءُ ذي النِّعَمِ
علّمتَنا أن نكونَ أوفياءَ إذا
جارَ الزمانُ، وأن نحمي من الظُّلَمِ
في خُلقِكَ الصدقُ والإحسانُ مُجتمِعٌ
كالماءِ يَروي قلوبًا جفّتْ على القِمَمِ
يا من أتيتَ على بصيرةٍ وضاءةٍ
فجعلتَ الحقَّ يعلو على كلِّ لَغَمِ
يا من رفعتَ جباهَ القومِ مُكرمةً
وسُدتَ في الناسِ بالإحسانِ والقِيَمِ
يا من تَجلّى ضياءُ الحقِّ في يدِهِ
كالنورِ في الفجرِ يُحيي كلَّ ذي سَقَمِ
يا من هَديتَ أُناسًا بعد ما قَسَتْ
قلوبُهم، فغدوا في الطاعةِ الغَنَمِ
كم قد صبرتَ على أذًى يُذكي العَدا، فرأوا
حِلمًا عظيمًا، فذابوا من لَظى النِّقَمِ
ما زدتَ إلا ابتسامًا في مَواجِهِهِمْ
كالماءِ يُطفئُ نارًا في فؤادِ غَشَمِ
يا من أتيتَ لنا بالآياتِ جليّةً
تُحيي القلوبَ، وتُهدي كلَّ الأُمَمِ
في كلِّ آيةٍ نورٌ منك مُنتظِمٌ
كالسيفِ يقطعُ أوهامًا من الظُّلَمِ
يا من غدوتَ وسيطَ الخيرِ في أممٍ
طاشتْ عقولُهمُ في لهوِهمْ وصَمَمِ
ناداكَ ربُّكَ: قُم بالحقِّ مُجتهدًا
حتى تُنيرَ دروبَ الناسِ بالقِيَمِ
فكنتَ قُدوةَ صدقٍ لا يُضاهى بها
مَن جاءَ من بعدِكَ الساعينَ للعَلَمِ
لولاكَ ما اهتزّتِ الأرواحُ من أملٍ
ولا تنفَّسَ عطرُ الخيرِ في الأُمَمِ
بكَ استقامَ صراطُ اللهِ وانتظمتْ
خطوَاتُنا في سبيلِ العدلِ والحِكَمِ
بكَ اعتدلنا، وزالتْ عن قلوبِنا
أدرانُ جهلٍ وأوهامٌ من الظُّلَمِ
ما كانَ غيرُكَ في التاريخِ مقتدَرًا
يُبقي الفضائلَ حُكمًا صادقَ الكَلِمِ
ما كنتَ إلا مُعلّمَ الناسِ كلَّهمُ
بالحلمِ والصفحِ والإحسانِ ذي العِظَمِ
جئتَ اليتيمَ فصارَ العطفُ منزلَهُ
والطفلُ يأمنُ في كفَّيكَ ذي الحِكَمِ
جئتَ النساءَ فكنَّ الحرْفَ في شَرَفٍ
ما عادَ يُطفئُهُ جورٌ ولا عَدَمِ
كم قد نصرتَ ضعيفًا لا مُعينَ لهُ
حتى غدا آمنًا يمشي بلا سَقَمِ
ما كنتَ تَرضى بظُلمٍ أو بخُسرانٍ
أو أن يضيقَ على المظلومِ في الحُكُمِ
ما كنتَ إلا سراجًا يُستضاءُ بهِ
في ليلِ قومٍ غشاهم ظُلمةُ النِّقَمِ
ما كنتَ إلا شفيعًا للورى، فإذا
قاموا ليومٍ عظيمٍ هِمتَ بالرَّحِمِ
يا سيّدًا ملأَ الدّنيا بضيئِهِ، ما
زالَ يُزهِرُ في التاريخِ من قِدَمِ
يا من يُصلِّي عليهِ اللهُ ما وُجدَتْ
نفسٌ تُسبِّحُ أو طيرٌ على قَدَمِ
صلّى عليكَ إلهُ العرشِ ما قُرِئَتْ
آياتُ ربِّكَ في المِحرابِ حَلَمِ
صلّى عليكَ وما في القلبِ من شَجَنٍ
إلا انجلَى حينَ يُذكرْ اسمُكَ العَظَمِ
ناداكَ ربُّكَ: يا محبوبُ في شَرَفٍ
قد زانَكَ اللهُ بالإحسانِ والنِّعَمِ
صرتَ الختامَ لنورِ الأنبياءِ، فكمْ
طابتْ بكَ الأرضُ بعدَ الجَورِ والظُّلَمِ
بكَ استنارتْ عقولُ الناسِ قاطبةً
وزالَ عنهمْ عذابُ التيهِ والعَدَمِ
أنتَ الرسولُ الذي لا يَختفي أثرٌ
من نُورِهِ، ما بَقَتْ شمسٌ على الأُمَمِ
تبقى كريماً عظيمَ القدرِ في شرفٍ
فوقَ القلوبِ، كفوقِ السَّحْبِ في القِمَمِ
أنتَ الحبيبُ الذي ترجوهُ أُمّتُهُ
يومًا عصيبًا إذا ضاقتْ من النِّقَمِ
ما خابَ عبدٌ إذا ناجاكَ مُبتهلًا
يرجو الشفاعةَ منكَ الساميَ الكَرَمِ
نرجوكَ في ساعةٍ عظمى، فتَشفعُنا
في يومِ حَشرٍ عظيمٍ قائمٍ عَظُمِ
يا سيّدًا طابَ ذكرُ الأرضِ من شَرَفٍ
بذكركَ، وانجلى عن قَلبِها السَّقَمِ
ما طابَ عيشٌ إذا لم نذكرِ اسْمَكَ في
فجرٍ، ولم يزهرِ التسبيحُ في الحَرَمِ
يا من تركتَ لنا في الدينِ منهجَهُ
صافي الصفاتِ، قويًّا شامخَ العَلَمِ
أوصيتَ بالحبِّ والإحسانِ ما بَقِيَتْ
أرواحُنا، فغدونا أكرمَ الأُمَمِ
أوصيتَ أن لا نرى في الناسِ مُحتقَرًا
أو أن يُهانَ ضعيفٌ بينَ ذي كَرَمِ
أوصيتَ أن نزرعَ المعروفَ في كَرَمٍ
كالنهرِ يجري بلا مَنٍّ ولا سَقَمِ
أوصيتَ أن نحفظَ الأرحامَ من قَطَعٍ
ونصلَ رحمًا كريمًا طاهرَ القِدَمِ
أوصيتَ أن نطلبَ العلياءَ في أدبٍ
وأن نكونَ معَ الأخلاقِ كالحَلَمِ
ما كنتَ إلا كتابَ اللهِ يَحملُهُ
قلبٌ منيرٌ كصفوِ البدرِ في الظُّلَمِ
تبقى لنا نِعمةً في الدهرِ قائمةً
ما دامَ ذِكرُكَ في آذانِنا نَغَمِ
يا من بُعثتَ لنا نورًا نهتدي بهِ
في كلِّ دربٍ إذا ما أظلمَ السَّلَمِ
كنتَ الأمينَ، فصارَ الناسُ يَشهدُهمْ
صدقُ الحديثِ ونورُ الوعدِ في الكَلِمِ
ما خانَ عهدًا، ولا ضيَّعتَ ذِمَمًا
بل كنتَ أوفى الورى في الحَربِ والسَّلَمِ
ما زلتَ تبني على التقوى حضارتَنا
حتى غدَتْ أمّةُ الإسلامِ على القِمَمِ
كنتَ الإمامَ، وكانَ الحلمُ زينتَكَ
فارتاحَ خصمُكَ في خُلقٍ وفي كَرَمِ
يا سيّدًا ما درى الأعداءُ من خُلقٍ
إلا تواضعَكَ السامي عن النِّقَمِ
ما كنتَ تحمِلُ إلا الحبَّ في كَرَمٍ
ولا تُكافئُ إلا بالعُلا العَظَمِ
كنتَ السراجَ الذي أنارَ أُمّتَهُ
في ظُلمةٍ جهلُها طافَتْ على الأُمَمِ
ما كنتَ إلا شفيعًا في القيامةِ، إذْ
نادى المنادونَ: “يا رحمةَ ذي الكَرَمِ”
يا سيّدَ الرسلِ، يا بدرَ الدجى، شرفًا
يا من جمعتَ الورى تحتَ الهُدى العَمَمِ
فيكَ النبوّةُ ما زالتْ لنا أملًا
في يومِ حشرٍ عظيمٍ زُلزلَ الحَكَمِ
يا سيّدًا ما ونتْ خطوهُ في تعبٍ
حتى مضى بالهُدى في أعظمِ القِمَمِ
لم يعرفِ الدهرُ مثلكَ في تجرُّدِهِ
عن كلِّ ما لا يليقُ الطُّهرَ من شِيَمِ
كنتَ الزكيَّ، فظلَّ الناسُ يذكُرُهمْ
مدحُ الملائكِ في أسماعِ ذي الكَلِمِ
كنتَ الجليلَ، وكانَ الذكرُ منك شذاً
يَحيي القلوبَ كما يُحيي الصبا السَّلَمِ
فيكَ الصفاءُ الذي لا يُدرَكُ أبَدًا
كالنجمِ يَسطعُ في داجٍ من الظُّلَمِ
بكَ انكسرنا، فمدَّ اللهُ راحَتَهُ
فأيقظَ الروحَ من بؤسٍ ومن عَدَمِ
يا سيّدًا طابَ ذكرُ الكونِ من كَرَمٍ
بذكركَ العَطرِ الباقي مدى الأُمَمِ
ما كنتَ إلا رسولَ اللهِ نُكرمُهُ
بمدحِنا ما بقَتْ أرواحُ ذي القِدَمِ
يا من تركتَ على الدنيا بصائرَنا
تمشي إلى الحقِّ كالنورِ على العَلَمِ
أوصيتَ بالخيرِ للأرحامِ، فانتظمتْ
فينا المودّةُ ما عِشنا بلا سَقَمِ
أوصيتَ بالعدلِ والإحسانِ، فانتصرَتْ
فينا الفضائلُ، وانقادتْ لنا الأُمَمِ
أوصيتَ بالعلمِ، فانقشعتْ غشاوتُنا
وصارَ فكرُكَ مصباحًا من الحِكَمِ
أوصيتَ بالرحمةِ العظمى، فصارتْ لنا
خُلقًا كريمًا يُعانَى بينَ ذي نِعَمِ
من بعدِكَ اليومَ لو تاهَتْ جموعُهُمُ
يبقى حديثُكَ في الأسماعِ كالعَلَمِ
يا سيّدًا لم يَزلْ للناسِ مُلهمَهُم
في كلِّ جيلٍ، وما غابَتْ لكَ القِيَمِ
ما زالَ ذكركَ في الأرواحِ مُشتعلًا
كالشمسِ تُشرقُ في الأفقِ بلا عَدَمِ
ما زالَ حُبُّكَ في الأفواهِ مُتّقِدًا
يُروي القصائدَ بالأنغامِ والنَّغَمِ
ما زالَ مدحُكَ في الأشعارِ مُزدهرًا
كالنورِ يَسطعُ من أعماقِ ذي حَلَمِ
يا رحمةَ اللهِ في دنيا الورى أبدًا
ما زالَ نورُكَ في الآفاقِ لم يُهَمِ
يا من أتيتَ لنا بالحقِّ فاستقرتْ
أرواحُنا في سبيلِ اللهِ كالحَلَمِ
يا من أتيتَ لنا بالإسلامِ مُكرَمةً
فارتاحتِ الأرضُ من جورٍ ومن ظُلَمِ
يا من بنيتَ لنا في الدينِ قاعدَةً
قامتْ على العدلِ لا تخشى من النِّقَمِ
يا من حملتَ لنا آياتِ خالقِنا
تُحيي القلوبَ وتُروي ظامئَ الأُمَمِ
يا من تُناديكَ أمّتنا إذا عَثَرَتْ
في ليلِها فتُضيءُ الدربَ بالهِمَمِ
ما زالَ قلبُكَ فينا منبعًا كَرَمًا
يُروي النفوسَ، ويَحميها من السَّقَمِ
ما زالَ حُبُّكَ في الأرجاءِ منتشرًا
كالماءِ يسري إلى الجوزاءِ في القِمَمِ
تبقى الشفيعَ إذا ما جفَّ مَورِدُنا
في يومِ بعثٍ عظيمٍ قائمٍ عَظُمِ
تبقى الأمينَ الذي لم يُخدَعِ أبدًا
عن الحقائقِ في وادي العُلا العَلَمِ
تبقى الرؤوفَ الذي قد عاشَ في كَرَمٍ
يُعطي المحبَّينَ من فيضٍ ومن نِعَمِ
صلّى عليكَ إلهُ العرشِ ما طَلَعَتْ
شمسٌ، وما لاحَ بدرٌ بينَ ذي حَلَمِ
صلّى عليكَ بليلٍ كلُّ مُنكسِرٍ
يَرجو الأمانَ، فيَسقيه من العَدَمِ
صلّى عليكَ وما في القلبِ من وَلَهٍ
إلا انمحى حينَ ذِكرُ الاسمِ في العَلَمِ
صلّى عليكَ وما في الروحِ من شَجَنٍ
إلا تلاشى بنُطقِ الاسمِ في الحَرَمِ
ما زلتَ فينا أمانًا يُستَضاءُ بهِ
في كلِّ خوفٍ، وفي كلِّ العِظامِ
ما زلتَ فينا رجاءً لا يُفارِقُنا
ما دامَ يُذكَرُ ذِكرُ اللهِ في الأُمَمِ
ما زلتَ فينا شفيعًا يومَ محشَرِنا
حينَ الوقوفِ، وحينَ العرضِ في الحُكُمِ
ما زلتَ فينا إمامًا للهدى أبَدًا
تُحيي القلوبَ وتُحيي فكرةَ القِيَمِ
يا من خلعتَ رداءَ الكِبرِ عن نَفَرٍ
حتى تواضعَ فيكَ السادةُ العِظَمِ
يا من جعلتَ لنا في الأرضِ أُمَّتَنا
تزهو على الكونِ بالإيمانِ والحِكَمِ
يا من أنرتَ لنا الدّنيا بفطرتِنا
حتى غدونا على تقوى وعلى القِدَمِ
يا من بنيتَ لنا صرحَ اليقينِ هدىً
لا ينثني رغمَ كيدِ الحاقدِ الغَشَمِ
يا من غسلتَ قلوبَ الناسِ من دَنَسٍ
حتى استقامتْ على الطاعاتِ في الحِكَمِ
يا من تركتَ لنا دينًا نعيشُ بهِ
فوقَ الحياةِ، ونعلو سائرَ الأُمَمِ
يا من غدوتَ دليلَ الحقِّ في زَمَنٍ
ضلّتْ بهِ الناسُ بينَ الحقدِ والوَهَمِ
يا من أتيتَ كتابَ اللهِ مُعجزةً
تَفنى الدهورُ ويبقى صادقَ الكَلِمِ
آياتُهُ النورُ، فيها الحقُّ مُنتظِمٌ
كالسيفِ يقطعُ أوهامًا من الظُّلَمِ
آياتُهُ البحرُ، فيها العِلمُ مُنتشِرٌ
فيها الحياةُ وفيها طُهرُ ذي القِدَمِ
يا من حملتَ لنا الآياتِ واضحةً
فاستبشرَتْ بكَ أرواحٌ من النِّعَمِ
يا من دعوتَ إلى التوحيدِ فانتهضتْ
أركانُهُ وتلاشى باطلُ الصَّنَمِ
كم قد صبرتَ على جَورٍ ومُعترَكٍ
حتى غدوتَ عظيمَ الحلمِ في الأُمَمِ
كم قد غفرتَ، فصارَ الصفحُ سِمتَكَ الـ
عُظمى، وذابتْ قلوبُ القومِ من نَدَمِ
كم قد أتيتَ على الأعداءِ مبتسمًا
حتى غدوا فيكَ أهلَ العُرفِ والكرمِ
كم قد نصرتَ ضعيفًا في مظالمِهِ
حتى غدا آمِنًا يمشي بلا سَقَمِ
ما كنتَ يومًا سِوى البدرِ المنيرِ لنا
يُهدي الطريقَ ويُحيي القلبَ في الظُّلَمِ
ما كنتَ يومًا سِوى الرحمةِ الغَنّاءُ
تُظلّلُ الناسَ بالإحسانِ في الكَرَمِ
ما كنتَ يومًا سِوى العدلِ الذي سَكَنَتْ
بهِ القلوبُ وزالَ الحقدُ من الأُمَمِ
ما كنتَ يومًا سِوى الإنسانَ مُكرِمةً
زانَ الوجودَ وأعلى قَدرَ ذي القِيَمِ
يا سيّدًا طابَ مدحُ الناسِ فيكَ فما
أنصفتَكَ القصصُ الكبرى ولا القَلَمِ
يا سيّدًا طابَ ذِكرُ اللهِ فيكَ، فما
زالَ الثناءُ يَفيضُ الطيبَ في الحَرَمِ
يا سيّدًا فيكَ سرُّ اللهِ مُكتَمِلًا
ما زلتَ خيرَ الورى في البدءِ والخَتَمِ
يا سيّدًا قد سَموتَ العُظمى، فارتفعتْ
بكَ البريّةُ نحوَ الخيرِ في العَلَمِ
أنتَ الحبيبُ الذي لم يُدرِكِ البشرُ
معنى جلالتِهِ في الوصفِ والحُكُمِ
أنتَ الذي لم يَزلْ في القلبِ ساكنَهُ
يُحيي العقولَ ويُحيي فكرةَ القِيَمِ
أنتَ الذي لم يَزلْ في الروحِ مُشرِقَهُ
يُنهي عن الظلمِ ويُحيي الخيرَ في الأُمَمِ
أنتَ الرسولُ الذي لم يُدرِكِ القلمُ الـ
معنى العظيمَ فظلّ الوصفُ كالحُلُمِ
صلّى عليكَ إلهُ العرشِ ما هَطَلَتْ
سُحبٌ وما أشرقتْ أنوارُ في القِمَمِ
صلّى عليكَ بليلٍ كلُّ مُنكسِرٍ
يرجو الشفاعةَ، يا طه، سيّدَ العَلَمِ
يا رحمةَ اللهِ في الدنيا والآخرةِ
يا من شرفتَ الورى بالإيمانِ والحِكَمِ
يا من غدا نورَ اللهِ في الدُّنيا أبدًا
فتبقى الأرواحُ تَنتفعُ بذكركَ القِدَمِ
يا من علّمتَ الناسَ الصدقَ والأمانةَ
وقيّمُ الأخلاقِ في أمةٍ على العَلَمِ
يا من رفعتَ لنا رايةَ الحقِّ فارتفعتْ
أيدي الضعفاءِ، وانتصرتْ للأُمَمِ
ما زالَ فينا نورُكَ ساطعًا لا يزولُ
ما دامَ يُستقى من بئرِ الإلهِ العَمَمِ
ما زالَ حُبُّكَ في قلوبِنا مُزهِرًا
كالبدرِ في ليالي العُلا بلا قَلَمِ
يا سيّدًا ما زالَ التاريخُ يشهدُكْ
ويمتدحُ الخلقَ في صفحاتِ الحِلَمِ
ما زالتِ الأرواحُ تُناجيكَ بكلِّ حبٍّ
وتستنيرُ من نُورِكَ في الظُّلَمِ
ما زالتِ القلوبُ تنبضُ بذِكرِكَ
وتَرنو إليكَ في شوقٍ دونَ وَهَمِ
ما زالَ نورُكَ فينا يهدي العقولَ
ويُحيي فكرةَ الحقِّ في القِيَمِ
صلّى عليكَ إلهُ العرشِ ما غَرَبتْ
شمسٌ وما لاحَ نورُكَ في الأُفُقِ القِمَمِ
صلّى عليكَ بليلٍ كلُّ ملهوفٍ مُبتغيًا
رحمةَ اللهِ يا طهَ، سيّدَ العَلَمِ
صائغ القوافي الشاعر
فهد بن عبدالله فهد الصويغ
وزن القصيدة بحر البسيط



ساحة النقاش