أمنا أم المؤمنين خديجةُ
سمتْ خديجةُ بالإيمانِ وازدهرتْ
أرضُ الرسالةِ بين العُرْبِ والعَجَمِ
آوتْ نبيَّ الهُدى والليلُ معتكرٌ
والشِّعبُ يطغى بأهوالٍ وبالظُّلَمِ
كانت لهُ الدَّارُ والملجـا إذا نزلتْ
شِدّةٌ، وهو في خوفٍ وفي أَلَمِ
فكمْ أزالتْ عن القلبِ المكدودِ غاشيةً
وكمْ غدتْ حصنَهُ في ساعةِ النِّقَمِ
جادتْ لهُ المالَ والإحسانَ مُخلِصةً
حتى غدتْ خيرَ نصْرٍ غيرَ مُنْهَزِمِ
والمصطفى في رُبا مكّةْ لهُ سندٌ
أمٌّ تفيضُ حناناً غيرَ مُتَّهَمِ
ما مسَّ كفَّيهِ منها غيرُ مُكرمةٍ
ولا أتاهُ سِوى صِدقٍ ولم يَثِمِ
تدثَّرَتْهُ بآياتِ الحنوِّ فما
أبقتْ لِبردٍ ولا خوفٍ ولا وَصَبِ
لولا خديجةُ لم تُزهِرْ رسالتُهُ
في مَهْدِها بينَ أصنافٍ من العَرَبِ
سارتْ بهِ نحوَ بدرٍ وهي واثقةٌ
أنَّ اليقينَ ضياءٌ غيرُ مُنْحَجِبِ
سلِ السَّماءَ التي نادى المليكُ بها
جبريلُ يُبشِّرُها بالخلدِ والنَّعَمِ
بيتٌ من اللهِ في الفردوسِ مكرمةٌ
من لؤلؤٍ خالصٍ مصونٍ عن التَّصَمِ
طهّرْتِ يا أمَّةَ الإسلامِ ساحتَنا
وزانَ ذكركِ فَوْقَ الشمسِ في العَلَمِ
وكلُّ أنثى سمتْ لم تبلغي شَرَفاً
أنتِ الكريمةُ بينَ الناسِ والأُمَمِ
أمُّ المؤمنينَ، وهل في الناسِ منزلةٌ
أسمى وأرفعُ من أمٍّ لكلِّ أُمِمِ؟
أمُّ الأمانِ، ومأوى كلِّ ذي عطشٍ
تسقي اليقينَ وتُحيي قلبَ ذي سَقَمِ
أمُّ الوفاءِ، وقد أثنى الإلهُ لها
في الذِّكرِ إذْ هيَ للإيمانِ كالعَلَمِ
يا أمَّ أحمدَ، يا سرّاً لنا وهَجاً
يا من غمرتِ حياةَ المصطفى بنِعَمِ
عشْتِ العفافَ، وزادَ الدينُ منزلةً
بكِ العفافُ إلى الأمجادِ لم يَسِمِ
قد كنتِ أوّلَ من لبّى وما تلكأتْ
نفسٌ عظيمةُ عزمٍ ثابتِ القَدَمِ
كنتِ السكينةَ، والإيمانُ يلوذُ بها
كالبحرِ يَحتضنُ الأنهارَ بالدِّيمِ
ما خابَ من كان في رُكنيكِ مُعْتصِماً
ولا تزلزلَ قلبٌ في ذُراكِ عَظُمِ
أمُّ الأوائلِ، يا فخراً لنا وبِنا
أنتِ الضياءُ لوجهِ الحقِّ والظُّلَمِ
فيكِ النساءُ جميعاً قد تضاءلتْ
إذْ لم تنلنَ الذي قد نِلْتِ من قِيمِ
فالمصطفى لم يُبدِلْ منكِ صاحبةً
طُهراً وصدقاً، فأنتِ الغُصنُ في الكَرَمِ
أمُّ النبيِّ، وهل في الكونِ منزلةٌ
أسمى وأرفعُ من أمٍّ لكلِّ أُمِمِ؟
أمُّ اليتامى، وأمُّ المؤمنين معاً
أمٌّ تفيضُ على الأرواحِ بالنِّعَمِ
بوركتِ يا تاجَ طهرٍ فوقَ مفرقِنا
يا درّةً في سماءِ الدينِ لم تُلَمِ
قد زيّنتْ سيرةُ المختارِ منزلكمُ
فأنتِ أكرمُ من يمشي على قَدَمِ
رحمكِ ربُّكِ يا مَن كنتِ سَندَ هُدىً
يا مَن حَميتِ رسولَ اللهِ من وَصَبِ
أمُّ النبيِّ، وأمُّ المؤمنينَ معاً
يا أمَّ صدقٍ، ويا أمَّ الندى الكَرِمِ
حتى إذا ما دَنا ميعادُ رحلتِها
بكى النبيُّ، وأجرى الدمعَ كالدِّيمِ
ذكراكِ يا طُهرُ، يا نبعاً بلا عِوَجٍ
تُحْيي القلوبَ وتروي ظمأةَ الهِمَمِ
صائغ القوافي الشاعر
فهد بن عبدالله فهد الصويغ
وزن القصيدة بحر الطويل



ساحة النقاش