الشرعية الثورية والانقلاب العسكري: أيهما أحق بالاعتراف؟

بقلم: روعة محسن الدندن 


في التاريخ السياسي، لا يوجد سؤال أشد إرباكًا من سؤال الشرعية: من يملك الحق في أن يحكم؟ هل الشرعية تُستمد من البندقية التي تُرهب الخصوم، أم من الجموع التي تهتف في الشوارع؟ وهل يمكن للقوة العسكرية أن تصنع عقدًا اجتماعيًا بحدّ السيف، أم أن الشرعية الحقيقية لا تُولد إلا حين يعترف الشعب بنفسه أنه مصدر السلطة ومصبّها؟


من هنا، ينبثق الجدل بين الشرعية الثورية و الانقلاب العسكري. كلاهما يُعلن أنه جاء "إنقاذًا"، وكلاهما يتحدث بلغة "التغيير"، لكن بينهما بونٌ شاسع في العمق الفلسفي والتاريخي.


الشرعية الثورية: صوت التاريخ في لحظة انقطاع


الثورة ليست مجرد اندفاع غاضب، بل هي لحظة يقول فيها الشعب إن العقد القديم قد تآكل، وإن الحاكم لم يعد يمثل الإرادة الجمعية. إنها تجسيد لفكرة روسو عن "الإرادة العامة"، ولحظة هيغلية يتجلى فيها "روح التاريخ". الشرعية الثورية تستمد قوتها من الجماهير، من الدماء التي سالت طلبًا للحرية، من الإصرار على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.


أمثلة تاريخية:


الثورة الفرنسية (1789): عبّر الشعب الفرنسي عن رفضه للملكية المطلقة، وأرسى مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة، رغم عنفها وصعوباتها، فإنها أسست لعقد سياسي جديد.


الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي (1925-1927): شكّلت المقاومة الشعبية شرعية أخلاقية للشعب، حتى وإن لم تنجح على الفور في إسقاط الاحتلال، فقد أرست مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.


لكن مأزق الشرعية الثورية أنها ولادة عسيرة؛ فهي تبدأ بانفجار عاطفي ضخم، وتفتقر غالبًا إلى المؤسسات التي تترجم الحلم إلى نظام راسخ، ما يجعلها أحيانًا قابلة للاختطاف أو التحول إلى استبداد جديد.


الانقلاب العسكري: شرعية البندقية لا الإرادة


أما الانقلاب العسكري فهو فعل "نخبوي من فوق"، يُبرَّر عادةً بخطاب حماية الوطن أو إنقاذ الدولة من الانهيار. لكنه في جوهره اغتصاب للسلطة من خلال احتكار القوة، لا من خلال التمثيل الشعبي. قد يمنح استقرارًا مؤقتًا، لكنه استقرار هش، لأنه لم يُبْنَ على رضى عام، بل على صمت قسري.


أمثلة تاريخية:


انقلاب عام 1952 في مصر: رغم النجاح في الإطاحة بالملك، إلا أن الشرعية كانت محل جدل كبير؛ الجيش استولى على السلطة دون استشارة مباشرة للشعب، واستند إلى شعارات الإصلاح أكثر من إرادة جماهيرية مباشرة.


الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية (تشيلي، الأرجنتين، البرازيل في الستينيات والسبعينيات): أدت إلى استقرار مؤقت لكنه غالبًا قائم على القمع، ولم يترك إرثًا شرعيًا حقيقيًا للشعب.


فلسفيًا، لا يجد الانقلاب العسكري أساسًا متينًا ليقف عليه: لا في العقد الاجتماعي لروسو، ولا في فلسفة الحق عند هيغل، ولا حتى في المنفعة العامة لبنثام، لأنه مهما ادّعى "المنفعة"، فإن غياب الإرادة الشعبية يحوّله إلى سلطة قائمة على الخوف لا على الاعتراف.


المفاضلة الفلسفية


إذا كان لا بد من المفاضلة، فإن الشرعية الثورية، برغم مخاطرها وفوضاها، أكثر أصالةً من الانقلاب العسكري، لأنها تعبير عن إرادة جمعية، حتى لو تعثرت. أما الانقلاب العسكري فمهما تلون بالشعارات، يبقى في جوهره مجرد قوة تفرض نفسها من خارج العقد الاجتماعي.


ختاماً


ليست الشرعية مجرد شعار يُرفع، بل هي "اعتراف متبادل": أن يقبل الشعب بالحاكم، وأن يحكم الحاكم باسم الشعب لا باسمه. الثورة، مهما عانت من التناقضات، تحمل في جوهرها بذرة الشرعية لأنها تنبع من الناس. أما الانقلاب العسكري، فإنه مهما طالت إقامته، يبقى غريبًا على الشرعية لأنه لم يولد من رحم الشعب، بل من فوهة البندقية.


وهكذا، يمكن القول إن الفرق بينهما هو الفرق بين صوتٍ يعلو من عمق الجماهير و صوتٍ يُفرض من فوهة السلاح؛ الأول امتداد للتاريخ، والثاني انقطاع قسري عنه. التاريخ نفسه يشهد أن الثورة، مهما اهتزت، تترك أثرًا فلسفيًا وأخلاقيًا عميقًا، بينما الانقلاب العسكري غالبًا ما يمرّ كنسيم عابر لا يحمل إرثًا حقيقيًا.

المصدر: الإعلامية والكتابة الصحفية السورية / روعه محسن الدندن
elmaystro2014

الموقع الرسمى لجريدة أحداث الساعة - رئيس التحرير: أشرف بهاء الدين

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 176 مشاهدة
نشرت فى 29 سبتمبر 2025 بواسطة elmaystro2014

ساحة النقاش

ASHRAF BAHAAUDDIN

elmaystro2014
جريدة أحداث الساعة : الصوت الحر من الشعب و الى الشعب »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

319,912