الطبيب السياسي


يقول توماس باين في كتابه حقوق الإنسان: "إن الحكومات تنشأ إمّا من الشعب، أو فوق الشعب."


وعندما يعتلّ جسد المجتمع بخلل كبير، يفقد الناس حريتهم وأمانهم، وتتحوّل القوانين إلى ثياب بالية ممزّقة لا تناسب العصر، يصبح المشهد أشبه بمريض يواجه خيارين: إمّا غيبوبة مؤقّتة بانتظار العلاج، أو الحفظ في ثلاجة خوفًا من تحلّل الجسد وانتشار وباء يستعصي على السيطرة.


هكذا هي حال الشعوب حين تغيب عنها الحرية، وتُصاغ القوانين بيدٍ منفصلة عن نبض الشارع. فالناخبون أو المشرّعون الذين نولّيهم مهمة سنّ القوانين هم بمثابة الأطباء السياسيين، مهمتهم أن يشخّصوا الداء، ويصفوا العلاج، ويعيدوا الجسد الاجتماعي إلى عافيته. فالمجتمع لا يقوم إلّا بركنيه معًا: الشعب والحكومة، والعلاقة بينهما هي التي تحدّد المصير؛ إمّا ثمار خير ورخاء، أو نفور وانقسام وانهيار.


إن الطبيب الناجح لا يحافظ على "مومياء الفكر" من عصور سابقة، بل يسعى إلى إنقاذ المريض في اللحظة المناسبة. كذلك السياسة، إن جُمّدت في قوالب الماضي وتحوّلت إلى سلطة فردية متحكّمة برقاب الناس، فهي تناقض جوهر الحرية التي قامت عليها المجتمعات منذ الأزل، من أجل صون الحقوق وتنظيم الواجبات.


ولهذا، فإن الناخب أو المسؤول لا بدّ أن يكون طبيبًا سياسيًا في مجاله: يصغي إلى الأعراض، يكتشف مواضع الخلل، ويبحث عن سبل الإنقاذ قبل أن يستفحل المرض. فالمجتمع، مثل الجسد، قد يُصاب بعارض في عضو من أعضائه، لكن لا يجوز التضحية بالجسد كله بسبب ذلك. الحكمة تقتضي معالجة الفساد أو العطب بسرعة، لا تركه ليفتك بالكيان بأسره.


التجارب أثبتت أن الدول الناجحة هي التي جعلت سعادتها مرهونة بإسعاد شعوبها، والاستماع لنبضهم، وتدارك الداء في مهده. أمّا الدول التي قامت فوق شعوبها، فمصيرها الزوال مهما حاولت إنعاش نفسها بالمسكّنات أو تزويق صورتها بالدعاية.


السياسة في جوهرها، إذن، طبّ للروح العامة، وجراحة دقيقة في جسد المجتمع. وأخطر ما يواجه الأمم أن يتحوّل الطبيب السياسي إلى تاجر أدوية يبيع الوهم، أو إلى مُحنّط يفتخر بجثة ماضيه. فالحياة لا تعترف بالتحنيط، بل بالنبض المستمر.

المصدر: الكاتبة الصحفية/ روعة محسن الدندن _ سوريا
elmaystro2014

الموقع الرسمى لجريدة أحداث الساعة - رئيس التحرير: أشرف بهاء الدين

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 223 مشاهدة
نشرت فى 21 سبتمبر 2025 بواسطة elmaystro2014

ساحة النقاش

ASHRAF BAHAAUDDIN

elmaystro2014
جريدة أحداث الساعة : الصوت الحر من الشعب و الى الشعب »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

319,833