من سخافات القائلين بذكورية اللغة!
د. إبراهيم عوض
كان يقول في صوت متهدج غاضب: ما رأيك فيما انتشر في ساحة الكتابة النقدية في العقود الأخيرة من أفكار ومقولات سخيفة غاية السخافة؟ ثم أردف أكثر غضبا: ولا أظن أن من يروجون لها يعتقدون في صحتها أبدا، بل الذي أوقن به أنهم يرددون تلك السخافات عن وعى وسبق إصرار لغاية في نفس يعقوب. ذلك أن سخفها وفهاهة منطقها وقبح عوارها يبين حتى للأعمى الذي حرمه الله من النظر، فكيف بالمبصرين؟ وأنا، حين أقول ذلك، إنما أقصد الزعماء منهم، إن صح أن يكون هناك في ميدان السخف والتساخف زعماء وقادة، أما الصغار فهم ينجرّون وراء أولئك كما تنجر البهيمة بالرَّسَن يوضَع في عنقها فتُسْحَب به فلا تستطيع أن تقول لمن يسحبها: لا. وكلامي في المقام الأول إنما هو عن أولئك الزعماء، الذين هم في الواقع ليسوا بزعماء، إلا أنه هكذا تجرى اللغة في بعض الأحيان، فضلا عن أن المجاز يتسع لهذا، بل قد يستلزمه استلزاما. ألم يقل القرآن: "نَسُوا الله فنَسِيَهم" والله سبحانه وتعالى لا ينسى؟ ألم يقل القرآن: "وإن عاقبتم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به"، والعقاب إنما يكون للجاني، وهو هنا المشركون، لا للمظلوم، الذي يمثله في الآية الكريمة المؤمنون؟ ألم يقل القرآن: "فبشِّرْهم بعذاب أليم"، والتبشير لا يكون لمن ينتظره العذاب، بل لمن يُعفى منه على الأقل، إن لم يدخل الجنة منذ البداية؟ فهذا هكذا.
رددت وقد أعداني هذا التحمس من صاحبي وذلك الغضب: حقٌّ ما تقول يا صديقي. ومما انتشر في العقود الأخيرة في ميدان الكتابة، الذي أضحى كلأً مباحًا لا صاحب له بحيث أصبح يغشاه ويأكل منه ويشرب من آباره وعيونه كل من هب ودب، ما يثرثر به بعض من يمسكون بالقلم ويسحبونه على الورق مما يسمونه: "ذكورية اللغة". ثم أضفت متهكما: والحق أنني كنت ولا أزال كلما سمعت هذا الكلام لم أملك نفسي من الضحك، وبخاصة حين أرى مدى الجِدّ الذي يصطنعه مرددو هذا السخف إيهاما منهم للقراء بأنهم قد جاؤوا بالذئب من ذيله، أو فتحوا عكا، أو حرروا القدس ثم لم يأخذوا فترة راحة بل انتهزوا فرصة ارتفاع الروح المعنوية وشرعوا يحررون ما تبقى من أرض فلسطين السليبة.
قال صاحبي وقد بدت عليه علائم الحيرة: وما مبعث ضحكك يا صديقي؟ أجبته: مبعث ضحكي هو المقياس الذي ينبغي الاحتكام إليه لحسم هذا الموضوع وكسح هذا السخف إلى حيث ينبغى أن يُلْقَى به، ألا وهو بلاعات المجارى. أترى علينا مثلا أن نَنْضُوَ عن اللغة ملابسها: للنظر إلى أي جنس من الجنسين تنتمي؟ ولكن أين هي اللغة من أيدينا وأعيننا حتى يمكننا أن نفعل ذلك؟ هل اللغة كائن حى مثلنا نحن البشر أو أولاد عمومتنا الحيوانات، فهى شىء مادى نستطيع أن نمسك به ونعرّيه وننظر فيه بأعيننا ونجسّه بأيدينا؟ أجابنى صديقى: كلا بالطبع. فرددت متهكما: فكيف إذن نقطع بالأمر في أمرها؟ ألا ترى أيها الصديق أنه موضوع محير!
قال صديقى: لقد قرأت أشياء مما كتبه هؤلاء، وركبنى عفريتٌ وأنا أراهم يهرفون بما لا يؤمنون به في ضمائرهم، وإلا كانوا معاتيه أصلاء راسخين في العته، وكنت أحب أن أعرف رأيك في هذا التنطع الذى يسوّدون به الأوراق، ويسوّدون عيشتنا أيضا. وها هى ذى الأقدار تتيح لى من غير تدبير ولا تخطيط أن ألتقى بك على غير ميعاد فينفتح الموضوع من تلقاء نفسه، وأجدك تقف ذات الموقف الذى أقفه من تلك السخافات. فهل لى أن أسألك التوسع في الكلام وكتابة رأيك مفصلا، لا من أجلى فقط، بل من أجلى وأجل القراء ومن أجل التاريخ، فإنى لأتألم تألمًا شديدا كلما خطر ببالى أن الأجيال القادمة، حين تقرأ مثل ذلك السخف، سوف تستغرب أنه كان هناك ناس في عصرنا يكتبون تلك الكتابات دون أن يتصدى أحد لهم بالرد الذى يعيد الأمور إلى جادة الصواب، ومن ثم قد يظنون أنه لم يكن يوجد من يخالفهم في ذلك الموضوع. فهل لك إلى أن تستجيب لاقتراحى وتكتب شيئا في هذه المسألة تضع به النقط على الحروف كما يقال بحيث تعرف تلك الأجيال أن الحكاية لم تكن كلها سبهللا ومفتوحة على الباهلى، بل كان هناك رجال جادون لا يرضَوْن بهذه الميوعة الفكرية المتنطعة التى تنقل نقل القرود ما تقرؤه أو تسمعه في بلاد الغرب من تخبطات فكرية عن عمد وسبق إصرار، وأن هؤلاء الرجال لم يكتفوا بالرفض الصامت، بل كتبوا وصنفوا وتركوا للآتين من بعدهم رأيهم واضحا بينا لمن يريد الاهتداء إلى الصراط المستقيم؟
قلت: أَوَتقصد أن أكتب رأيى في موضوع ذكورية اللغة؟
قال: نعم.
قلت: الأمر أبسط مما قد يُظَنّ، ولا تحتاج القضية إلى حذلفات، بل كل ما علينا أن نفعله هو أن ننظر في أوضاع اللغة ونظامها وإبداعاتها لنرى مدى صدق أو كذب هذه الدعوى، ولسوف يأتيك الجواب سريعا.
قال: فلتبدأ إذن على بركة الله غير مأمور.
قلت: لننظر أولا في المفردات، ولنرَ، هل ثم ما يشير إلى أن فيها انحيازا للرجل على حساب المرأة. ترى هل هناك أشياء أو أحوال أو أمور تتصل بالمرأة قد تجاهلتها اللغة على حين اهتمت بنظيراتها عند الرجل؟ لا بكل يقين، فإن اللغة لم تترك شيئا يتعلق بالمرأة إلا وذكرته، كالأعضاء والأحوال التى تختص بها دون الرجل أو تغلب عليها مثلا، كالفرج والرَّحِم والحيض والنِّفَاس والخُلْع والعِدّة والحمل والولادة والرضاعة والسِّوَار والعِقْد والقُرْط والضفيرة والجارية والضَّرّة. كما خصصت اللغة ضمائر وصيغا للمؤنث مثلما فعلت مع المذكر. فهناك مثلا ضمائر للتأنيث مثلما هناك ضمائر للتذكير، فنقول: أنتَ وأنتِ، وهو وهى، وهم وهنّ، وإياكَ وإياكِ، وإياه وإياها، وإياهم وإياهن... والشىء نفسه قل في تصريف الأفعال، فلدينا مثلا فَعَلَ وفعلتْ، وفعلا وفعلتا، وفعلوا وفعلن، ويفعل وتفعل، وتفعل وتفعلين، وتفعلون وتفعلن، ويفعلان وتفعلان، ويفعلون ويفعلن، وافعل وافعلى، وافعلوا وافعلن... وما من شىء من الأسماء يعم الذكور والإناث إلا وجدت له صيغتين، واحدة لكل منهما: فهناك إنسان وإنسانة، وحمار وأتان، وجميل وجميلة، وعطشان وعَطْشَى، وأبيض وبيضاء... أما ما انفردت به المرأة فإن اللغة تكتفي في هذه الحالة بصيغة واحدة، مثل امرأة طالق، وحامل، ومرضع، وكاعب، وناشز.
وكما هو ملاحظ فقد استخدموا لها هنا الصيغة التى تستخدم للرجال، وهو ما يدل على أنه لا يوجد أى انحياز ناحية الرجل بناء على أنه أفضل من المرأة، وإلا لأصرت اللغة على استخدام صيغة التأنيث باعتبارها صيغة دونية. ليس ذلك فقط، بل ما أكثر الصيغ الاسمية المؤنثة التى استُخْدِمَتْ للرجال، مثل معاوية وسَمُرة وحمزة وعُمْدة... وفي هذه الحالة فإننا نجمعها جمع الألف والتاء كما نصنع مع أسماء الإناث بلا أية حساسية. بل إن اللغة حين تريد أن تبالغ في تسمية الرجال ووصفهم فإنها قد تعمد إلى صيغ تأنيثية فنقول: هُمَزَة وضُحْكَة ورَحّالة وتِلْعابة وتِلْعيبة، ولا يجد الرجال في ذلك ما يشينهم، وإلا ما رَضُوا به وأقروه. ويشبهه استعمالنا في بعض الأحيان صيغة "مفعال" التذكيرية للمبالغة في وصف المرأة، مثل مِعْطار، ومغناج، ومذكار، ومئناث. فأين الذكورية هنا؟ ومثل ذلك الأعداد، فكل الآحاد منها تقريبا تؤنث مع المذكر، وتذكر مع المؤنث، فنقول: ثلاثة رجال، وعشر نساء. ولو كانت اللغة تنظر إلى المرأة نظرة الضيق والاحتقار لما جعلتها تتبادل والرجل مكانيهما، وإلا عُدَّ هذا مهينا للرجل. ومثل ذلك أيضا استعمال تاء التأنيث التى تدخل على آخر الفعل الماضى وأول المضارع، إذ من الممكن في معظم الحالات استعمالها لجماعة الرجال، وإسقاطها مع جماعة النساء، فنقول: قالت العرب، أو تقول الفلاسفة، وقال النسوة، أو يقول الفتيات... ومرة أخرى ليس ذلك فقط، فإن اللغة حتى في المصادر والممنوع من الصرف والجمادات لم تنحز للرجل في أى شىء، وإلا لجعلت كل المصادر مذكرة. لكننا ننظر فنرى أن الأمر قائم على التقسيم بين الجنسين، ومن ثم كان لدينا في المصادر صيغ التذكير والتأنيث معا، مثل: العمل والمرة والهيئة، والإرشاد والإبانة، والتمزيق والتضحية، والجِدَال والمجادلة. وكذلك الأمر في الممنوع من الصرف، فمنه المذكر، ومنه المؤنث كما هو معروف، إذ لدينا مثلا "عمر" و"معاوية" و"جورج" و"عطشان" في ناحية التذكير، ولدينا "زينب" و"صحراء" و"حلوى" في ناحية التأنيث. والأمر كذلك في الجمادات، إذ قسمتها اللغة بين الذكورة والأنوثة غير مؤثرة الرجل بالجميل أو الجليل أو النظيف، بل نرى الشمس مثلا مؤنثة، والقمر مذكرا رغم أنها أقوى منه نورا وحرارة وتحتاج إليها النباتات مثلا في عملية التمثيل الغذائى. ونفس الشىء قد روعى في أسماء الآلة، إذ لدينا المكنسة والمنشار، والدبابة والخزّان. ويمكنك أن تقول الشىء ذاته في صيغ الجمع، فعندنا جمع المذكر، وعندنا في مواجهته جمع المؤنث، بل إن هذا الجمع ليشمل أيضا بعض ذكور البشر والجمادات المذكرة كما في "طلحات، و"حمزات" و"باشوات" و"حمامات". أما في جمع التكسير فلدينا منه ما هو مذكر الصيغة، مثل: "رُكّع"، و"أشدّاء"، و"نُوّام"، وما هو مؤنثها، مثل: "قِرَدَة"، و"أمزجة"، و"غِلْمَة"، و"عباقرة". ومرة أخرى ليس ذلك فقط، فقد آثرت اللغة الأنوثة ببعض الأشياء فقَصَرَتْها عليها، وهذا واضح في أعضاء الإنسان المزدوجة كالذراعين والكتفين والأذنين، فكلها، في القول الأعم على الأقل، مؤنثة... كذلك فالزهور والأشجار كلها تقريبا مؤنثة. كما أن هناك ألوانا من المصادر مغلقة على صيغة التأنيث، وهى المصادر الصناعية ومصادر الأفعال الثلاثية التى على وزن "فَعُل يَفْعُل"، ومصادر المهن والوظائف، مثل: الحرية والاشتراكية والواقعية والذاتية والغيرية والنرجسية والجنسية والقومية والوطنية والفردية والجماعية... من الأولى، ومثل: السهولة والصعوبة والبطولة والنعومة والخشونة والبلادة والأناقة واللباقة والطرافة والسماحة، ومثل: الوزارة والصناعة والتجارة والنجارة والنقاشة والحدادة والسباكة والحياكة والكتابة... من الثالثة.
ومرة أخرى ليس ذلك فقط، بل إن اللغة تختار للنساء أكرم الألفاظ، فهن عِرْض الرجل وشرفه، وهن حريمه. ومرة أخرى ليس ذلك فقط، بل إن اللغة لتزخر بروائع الأدب شعرا ونثرا في التغزل بالمرأة ورفعها مكانا ساميا حتى ليخلع عليها الرجل قدرة سحرية، وحتى ليتعبّد لها، كما هو الحال عند بعضهم!، وحتى ليقدم روحه فداء لها، ويخاف عليها من خطرات النسيم، ويترامى على قدميها، ويبذل في مرضاتها كل ما يقدر عليه، متمنيا أن تجود عليه بنظرة عطف ورضا، وساعتئذ يشعر وكأن الدنيا قد حِيزَتْ كلها له من أركانها الأربعة. يستوى في ذلك العُذْرِيّون الذين ينظرون إلى المرأة وكأنها روح شفاف أو ما إلى ذلك بسبيل، والذين ينظرون إلى جسدها في المحل الأول أو في المحل الأول والأخير، والذين يجمعون بين النظرتين. نعم يستوى في ذلك عنترة وجميل وكُثَيِّر والعباس بن الأحنف، وامرؤ القيس والعَرْجِىّ وبشار وربيعة الرَّقّىّ، وابن زيدون وأبو فراس الحَمْدانى والبهاء زُهَيْر مثلا. فكيف بالله يقال إن اللغة ذكورية؟ تَعِسَ من يقول ذلك وبَؤُس! ليس ذلك فقط، فاللغة المتهمة بأنها تنحاز للذكر ضد الأنثى هى نفسها ذات اسم مؤنث كما هو جَلِىٌّ حتى للأعمى الذى لا يبصر! صحيح أن هناك لفظ "اللسان"، وهو مذكَّر، إلا أن العرف قد استقر على استعمال لفظة "اللغة" منذ وقتٍ جِدِّ بعيد. كما أن الوحدات التى تتكون منها اللغة هى الجمل، ومفردها "جملة"، وهى مؤنثة، مثلما أن وحدات الجملة هى الكلمات، ومفردها كلمة، وهى مؤنثة. صحيح أن هناك اللفظ، وهو مذكر، إلا أن هناك أيضا اللفظة، وهى مؤنثة. وعندنا كذلك "الفصاحة" و"البلاغة" و"القراءة" و"الكتابة"، وكلها مؤنثة. حتى "الفحولة" التى يوصف بها الأسلوب ويتعلق بها بعضهم، كما سوف نرى عما قليل، للتدليل على أن الأمر في اللغة والتفوق فيها أمر ذكورة، هذه الفحولة هى أيضا مؤنثة رغم أنها تشير إلى صفة من صفات الرجل. وانظر إلى كلمة "القوة" ومقابلها: "الضعف" لترى كيف أن اللغة المتهمة بالانحياز إلى الرجل ضد المرأة قد جعلت القوة مؤنثة، والضعف مذكرا، مثلما جعلت "الحياة" مؤنثة، و"الموت" مذكرا. صحيح أن لدينا "الحيوان" بمعنى "الحياة"، وهو مذكر، إلا أنه استعمال شبه ميت، ولولا أنه ورد في القرآن مرة يتيمة إزاء لفظة "الحياة"، التى وردت فيها عشرات المرات لما تنبه إليها أحد، اللهم إلا من ينقّرون في خبايا اللغة وزواياها البعيدة. وقل الشىء ذاته في "الأبوة" و"الأمومة" و"الأُخُوّة" و"البنوة" و"العمومة" و"الخؤولة" في جانب، و"اليتم" في الجانب الآخر. وعندنا "المعجزة" و"الآية"، وكلتاهما مؤنثة.
وشىء آخر مهم شديد الأهمية، ألا وهو أن هناك كتبا في تراثنا وفي أدبنا الحديث تختص بالنساء وحدهن، ومؤلفوها من الرجال، ولهذا دلالته التى لا تخفي ، ولست أستطيع أن أذكر ما يماثلها للرجال. ومنها الكتب التى تتناول أخبار النساء وما إليها لابن الجوزى والسيوطى وأضرابهما من علماء الدين وغيرهم، وفيها يتناول مؤلفوها المرأة بالحديث عما يميزها عن الرجل وعما يُسْتَحْسَن أو لا يستحسن من صفاتها وطباعها وأخلاقها وعما تسببه للرجال من العشق والوله الذى قد يبلغ حد الجنون. ومن هذا اللون من الكتب أيضا ما كتبه داود الأنطاكى في "تزيين الأسواق في أخبار العشاق"، وابن حزم في "طوق الحمامة"، والسراج القارى في "مصارع العشاق"، والشهاب الحجازى في "الكُنَّس الجوارى في الحسان من الجوارى". وهناك من خصص لمن لهن مشاركة في الأدب قسما من بعض كتبه ترجم لهن فيه كما صنع أبو الفرج الأصفهانى في كتابه: "الأغانى"، ولسان الدين بن الخطيب في كتابه: "الإحاطة في أخبار غرناطة"، والدكتور مصطفي الشكعة في كتابه: "الأدب الأندلسى" على سبيل المثال. وهناك من كسر كتابه كله على أدبهن، كما صنع المرزبانى في "أشعار النساء"، والأصفهانى في "الإماء الشواعر"، وابن طيفور في "بلاغات النساء"، والمفجَّع البصرى في "أشعار الجوارى"، والسيوطى في "نزهة الجلساء في أشعار النساء"، وبشير يموت في "شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام"، وعبد البديع صقر في "شاعرات العرب" ... وهكذا. ومن هذا ترى أن النساء، قبل ذلك كله، لم يجدن عائقا أمامهن إن أردن أن يخطبن أو ينظمن شعرا أو يضربن مثلا. والنتيجة التى لا مفر من الانتهاء إليها بعد ذلك كله هو أنه لا معنى لاتهام اللغة ولا أهل اللغة وآدابها بما يسمى: "الذكورية". ولست أقصد بهذا أن اللغة تنحاز إلى المرأة ضد الرجل، بل الذى أريد التنبيه عليه ولفت الأنظار إليه هو أنها ليست منحازة ضد المرأة. والحق أنها عادلة تنظر إلى الذكر بعين، وإلى الأنثى بعين، ولا تظلم أحدا منهما لحساب الآخر.
وهذا هو الأمر الطبيعى، فالمجتمعات البشرية تتكون من الرجال والنساء جميعا: لا الرجال وحدهم، ولا النساء وحدهن. ومن ثم فاللغة، وما اللغة سوى انعكاس للواقع، قد أعطتنا الصورة الصحيحة للمجتمعات البشرية من هذه الناحية. وكل قول آخر فإنما هو كذب وادعاء فائل لا ظل له من الحقيقة. وهذا بالنسبة للخبثاء الخطرين الذين يقودون، عن وعى بالتخريب والإفساد الذى يأتونه، الجموع الحمقاء الجاهلة التى تردد ما تسمعه دون أن تتركه يمر بعقولها فتلقى عليه نظرة تسلط عليه فيها حاستها النقدية، بل تأخذه من آذانها إلى ألسنتها على الفور. أما بالنسبة لتلك الجموع الجاهلة الحمقاء فهى لا تشغّل عقلها ولا تعرف أن هناك شيئا في دنيا البشر يسمى: النقد والتحقيق والتمحيص. وهؤلاء يظنون أن كل ما يأتينا من أمريكا وأوربا لا يمكن إلا أن يكون صحيحا. وأذكر أن طالبة عربية وافدة لاستكمال دراساتها العليا في مصر في ميدان الأدب والنقد كانت تناقشنى في مكتبى بالجامعة منذ عدة سنين في بعض الموضوعات المتصلة بهذا الميدان، وجاءت سيرة التيارات والمقولات النقدية الجديدة، فكان رأيى أنها لا ينبغى أن تسارع إلى متابعتها أو إنكارها دون أن تعرضها على عقلها. وإذا بها تجيب في الحال: لكن لا بد أن يعيش الإنسان عصره. أى أنها ترى أن كل ما يجد في ميدان النقد هو الصواب الذى لا صواب غيره. وهذه الطالبة قد أتت من بلد عربى تقليدى، إلا أن كثيرا من الكتاب هناك يظنون أنهم، بمسايرتهم للجديد الغربى، سوف يتحولون بقدرة قادر في التو واللحظة إلى ناس عصريين، مع أن كل ما يقولونه ويرددونه إنما يدل على أنهم رغم ذلك متخلفون. وأول وأقوى مظهر من مظاهر التخلف هو تلك الإمَّعِيّة التى تردد دائما أنها مع الناس: إن أساء الناس أن تسىء، وإن أحسن الناس ألا تتابعهم في إحسانهم، بل تظل متمسكة بالإساءة!
رددت وقد أعداني هذا التحمس من صاحبي وذلك الغضب: حقٌّ ما تقول يا صديقي. ومما انتشر في العقود الأخيرة في ميدان الكتابة، الذي أضحى كلأً مباحًا لا صاحب له بحيث أصبح يغشاه ويأكل منه ويشرب من آباره وعيونه كل من هب ودب، ما يثرثر به بعض من يمسكون بالقلم ويسحبونه على الورق مما يسمونه: "ذكورية اللغة". ثم أضفت متهكما: والحق أنني كنت ولا أزال كلما سمعت هذا الكلام لم أملك نفسي من الضحك، وبخاصة حين أرى مدى الجِدّ الذي يصطنعه مرددو هذا السخف إيهاما منهم للقراء بأنهم قد جاؤوا بالذئب من ذيله، أو فتحوا عكا، أو حرروا القدس ثم لم يأخذوا فترة راحة بل انتهزوا فرصة ارتفاع الروح المعنوية وشرعوا يحررون ما تبقى من أرض فلسطين السليبة.
قال صاحبي وقد بدت عليه علائم الحيرة: وما مبعث ضحكك يا صديقي؟ أجبته: مبعث ضحكي هو المقياس الذي ينبغي الاحتكام إليه لحسم هذا الموضوع وكسح هذا السخف إلى حيث ينبغى أن يُلْقَى به، ألا وهو بلاعات المجارى. أترى علينا مثلا أن نَنْضُوَ عن اللغة ملابسها: للنظر إلى أي جنس من الجنسين تنتمي؟ ولكن أين هي اللغة من أيدينا وأعيننا حتى يمكننا أن نفعل ذلك؟ هل اللغة كائن حى مثلنا نحن البشر أو أولاد عمومتنا الحيوانات، فهى شىء مادى نستطيع أن نمسك به ونعرّيه وننظر فيه بأعيننا ونجسّه بأيدينا؟ أجابنى صديقى: كلا بالطبع. فرددت متهكما: فكيف إذن نقطع بالأمر في أمرها؟ ألا ترى أيها الصديق أنه موضوع محير!
قال صديقى: لقد قرأت أشياء مما كتبه هؤلاء، وركبنى عفريتٌ وأنا أراهم يهرفون بما لا يؤمنون به في ضمائرهم، وإلا كانوا معاتيه أصلاء راسخين في العته، وكنت أحب أن أعرف رأيك في هذا التنطع الذى يسوّدون به الأوراق، ويسوّدون عيشتنا أيضا. وها هى ذى الأقدار تتيح لى من غير تدبير ولا تخطيط أن ألتقى بك على غير ميعاد فينفتح الموضوع من تلقاء نفسه، وأجدك تقف ذات الموقف الذى أقفه من تلك السخافات. فهل لى أن أسألك التوسع في الكلام وكتابة رأيك مفصلا، لا من أجلى فقط، بل من أجلى وأجل القراء ومن أجل التاريخ، فإنى لأتألم تألمًا شديدا كلما خطر ببالى أن الأجيال القادمة، حين تقرأ مثل ذلك السخف، سوف تستغرب أنه كان هناك ناس في عصرنا يكتبون تلك الكتابات دون أن يتصدى أحد لهم بالرد الذى يعيد الأمور إلى جادة الصواب، ومن ثم قد يظنون أنه لم يكن يوجد من يخالفهم في ذلك الموضوع. فهل لك إلى أن تستجيب لاقتراحى وتكتب شيئا في هذه المسألة تضع به النقط على الحروف كما يقال بحيث تعرف تلك الأجيال أن الحكاية لم تكن كلها سبهللا ومفتوحة على الباهلى، بل كان هناك رجال جادون لا يرضَوْن بهذه الميوعة الفكرية المتنطعة التى تنقل نقل القرود ما تقرؤه أو تسمعه في بلاد الغرب من تخبطات فكرية عن عمد وسبق إصرار، وأن هؤلاء الرجال لم يكتفوا بالرفض الصامت، بل كتبوا وصنفوا وتركوا للآتين من بعدهم رأيهم واضحا بينا لمن يريد الاهتداء إلى الصراط المستقيم؟
قلت: أَوَتقصد أن أكتب رأيى في موضوع ذكورية اللغة؟
قال: نعم.
قلت: الأمر أبسط مما قد يُظَنّ، ولا تحتاج القضية إلى حذلفات، بل كل ما علينا أن نفعله هو أن ننظر في أوضاع اللغة ونظامها وإبداعاتها لنرى مدى صدق أو كذب هذه الدعوى، ولسوف يأتيك الجواب سريعا.
قال: فلتبدأ إذن على بركة الله غير مأمور.
قلت: لننظر أولا في المفردات، ولنرَ، هل ثم ما يشير إلى أن فيها انحيازا للرجل على حساب المرأة. ترى هل هناك أشياء أو أحوال أو أمور تتصل بالمرأة قد تجاهلتها اللغة على حين اهتمت بنظيراتها عند الرجل؟ لا بكل يقين، فإن اللغة لم تترك شيئا يتعلق بالمرأة إلا وذكرته، كالأعضاء والأحوال التى تختص بها دون الرجل أو تغلب عليها مثلا، كالفرج والرَّحِم والحيض والنِّفَاس والخُلْع والعِدّة والحمل والولادة والرضاعة والسِّوَار والعِقْد والقُرْط والضفيرة والجارية والضَّرّة. كما خصصت اللغة ضمائر وصيغا للمؤنث مثلما فعلت مع المذكر. فهناك مثلا ضمائر للتأنيث مثلما هناك ضمائر للتذكير، فنقول: أنتَ وأنتِ، وهو وهى، وهم وهنّ، وإياكَ وإياكِ، وإياه وإياها، وإياهم وإياهن... والشىء نفسه قل في تصريف الأفعال، فلدينا مثلا فَعَلَ وفعلتْ، وفعلا وفعلتا، وفعلوا وفعلن، ويفعل وتفعل، وتفعل وتفعلين، وتفعلون وتفعلن، ويفعلان وتفعلان، ويفعلون ويفعلن، وافعل وافعلى، وافعلوا وافعلن... وما من شىء من الأسماء يعم الذكور والإناث إلا وجدت له صيغتين، واحدة لكل منهما: فهناك إنسان وإنسانة، وحمار وأتان، وجميل وجميلة، وعطشان وعَطْشَى، وأبيض وبيضاء... أما ما انفردت به المرأة فإن اللغة تكتفي في هذه الحالة بصيغة واحدة، مثل امرأة طالق، وحامل، ومرضع، وكاعب، وناشز.
وكما هو ملاحظ فقد استخدموا لها هنا الصيغة التى تستخدم للرجال، وهو ما يدل على أنه لا يوجد أى انحياز ناحية الرجل بناء على أنه أفضل من المرأة، وإلا لأصرت اللغة على استخدام صيغة التأنيث باعتبارها صيغة دونية. ليس ذلك فقط، بل ما أكثر الصيغ الاسمية المؤنثة التى استُخْدِمَتْ للرجال، مثل معاوية وسَمُرة وحمزة وعُمْدة... وفي هذه الحالة فإننا نجمعها جمع الألف والتاء كما نصنع مع أسماء الإناث بلا أية حساسية. بل إن اللغة حين تريد أن تبالغ في تسمية الرجال ووصفهم فإنها قد تعمد إلى صيغ تأنيثية فنقول: هُمَزَة وضُحْكَة ورَحّالة وتِلْعابة وتِلْعيبة، ولا يجد الرجال في ذلك ما يشينهم، وإلا ما رَضُوا به وأقروه. ويشبهه استعمالنا في بعض الأحيان صيغة "مفعال" التذكيرية للمبالغة في وصف المرأة، مثل مِعْطار، ومغناج، ومذكار، ومئناث. فأين الذكورية هنا؟ ومثل ذلك الأعداد، فكل الآحاد منها تقريبا تؤنث مع المذكر، وتذكر مع المؤنث، فنقول: ثلاثة رجال، وعشر نساء. ولو كانت اللغة تنظر إلى المرأة نظرة الضيق والاحتقار لما جعلتها تتبادل والرجل مكانيهما، وإلا عُدَّ هذا مهينا للرجل. ومثل ذلك أيضا استعمال تاء التأنيث التى تدخل على آخر الفعل الماضى وأول المضارع، إذ من الممكن في معظم الحالات استعمالها لجماعة الرجال، وإسقاطها مع جماعة النساء، فنقول: قالت العرب، أو تقول الفلاسفة، وقال النسوة، أو يقول الفتيات... ومرة أخرى ليس ذلك فقط، فإن اللغة حتى في المصادر والممنوع من الصرف والجمادات لم تنحز للرجل في أى شىء، وإلا لجعلت كل المصادر مذكرة. لكننا ننظر فنرى أن الأمر قائم على التقسيم بين الجنسين، ومن ثم كان لدينا في المصادر صيغ التذكير والتأنيث معا، مثل: العمل والمرة والهيئة، والإرشاد والإبانة، والتمزيق والتضحية، والجِدَال والمجادلة. وكذلك الأمر في الممنوع من الصرف، فمنه المذكر، ومنه المؤنث كما هو معروف، إذ لدينا مثلا "عمر" و"معاوية" و"جورج" و"عطشان" في ناحية التذكير، ولدينا "زينب" و"صحراء" و"حلوى" في ناحية التأنيث. والأمر كذلك في الجمادات، إذ قسمتها اللغة بين الذكورة والأنوثة غير مؤثرة الرجل بالجميل أو الجليل أو النظيف، بل نرى الشمس مثلا مؤنثة، والقمر مذكرا رغم أنها أقوى منه نورا وحرارة وتحتاج إليها النباتات مثلا في عملية التمثيل الغذائى. ونفس الشىء قد روعى في أسماء الآلة، إذ لدينا المكنسة والمنشار، والدبابة والخزّان. ويمكنك أن تقول الشىء ذاته في صيغ الجمع، فعندنا جمع المذكر، وعندنا في مواجهته جمع المؤنث، بل إن هذا الجمع ليشمل أيضا بعض ذكور البشر والجمادات المذكرة كما في "طلحات، و"حمزات" و"باشوات" و"حمامات". أما في جمع التكسير فلدينا منه ما هو مذكر الصيغة، مثل: "رُكّع"، و"أشدّاء"، و"نُوّام"، وما هو مؤنثها، مثل: "قِرَدَة"، و"أمزجة"، و"غِلْمَة"، و"عباقرة". ومرة أخرى ليس ذلك فقط، فقد آثرت اللغة الأنوثة ببعض الأشياء فقَصَرَتْها عليها، وهذا واضح في أعضاء الإنسان المزدوجة كالذراعين والكتفين والأذنين، فكلها، في القول الأعم على الأقل، مؤنثة... كذلك فالزهور والأشجار كلها تقريبا مؤنثة. كما أن هناك ألوانا من المصادر مغلقة على صيغة التأنيث، وهى المصادر الصناعية ومصادر الأفعال الثلاثية التى على وزن "فَعُل يَفْعُل"، ومصادر المهن والوظائف، مثل: الحرية والاشتراكية والواقعية والذاتية والغيرية والنرجسية والجنسية والقومية والوطنية والفردية والجماعية... من الأولى، ومثل: السهولة والصعوبة والبطولة والنعومة والخشونة والبلادة والأناقة واللباقة والطرافة والسماحة، ومثل: الوزارة والصناعة والتجارة والنجارة والنقاشة والحدادة والسباكة والحياكة والكتابة... من الثالثة.
ومرة أخرى ليس ذلك فقط، بل إن اللغة تختار للنساء أكرم الألفاظ، فهن عِرْض الرجل وشرفه، وهن حريمه. ومرة أخرى ليس ذلك فقط، بل إن اللغة لتزخر بروائع الأدب شعرا ونثرا في التغزل بالمرأة ورفعها مكانا ساميا حتى ليخلع عليها الرجل قدرة سحرية، وحتى ليتعبّد لها، كما هو الحال عند بعضهم!، وحتى ليقدم روحه فداء لها، ويخاف عليها من خطرات النسيم، ويترامى على قدميها، ويبذل في مرضاتها كل ما يقدر عليه، متمنيا أن تجود عليه بنظرة عطف ورضا، وساعتئذ يشعر وكأن الدنيا قد حِيزَتْ كلها له من أركانها الأربعة. يستوى في ذلك العُذْرِيّون الذين ينظرون إلى المرأة وكأنها روح شفاف أو ما إلى ذلك بسبيل، والذين ينظرون إلى جسدها في المحل الأول أو في المحل الأول والأخير، والذين يجمعون بين النظرتين. نعم يستوى في ذلك عنترة وجميل وكُثَيِّر والعباس بن الأحنف، وامرؤ القيس والعَرْجِىّ وبشار وربيعة الرَّقّىّ، وابن زيدون وأبو فراس الحَمْدانى والبهاء زُهَيْر مثلا. فكيف بالله يقال إن اللغة ذكورية؟ تَعِسَ من يقول ذلك وبَؤُس! ليس ذلك فقط، فاللغة المتهمة بأنها تنحاز للذكر ضد الأنثى هى نفسها ذات اسم مؤنث كما هو جَلِىٌّ حتى للأعمى الذى لا يبصر! صحيح أن هناك لفظ "اللسان"، وهو مذكَّر، إلا أن العرف قد استقر على استعمال لفظة "اللغة" منذ وقتٍ جِدِّ بعيد. كما أن الوحدات التى تتكون منها اللغة هى الجمل، ومفردها "جملة"، وهى مؤنثة، مثلما أن وحدات الجملة هى الكلمات، ومفردها كلمة، وهى مؤنثة. صحيح أن هناك اللفظ، وهو مذكر، إلا أن هناك أيضا اللفظة، وهى مؤنثة. وعندنا كذلك "الفصاحة" و"البلاغة" و"القراءة" و"الكتابة"، وكلها مؤنثة. حتى "الفحولة" التى يوصف بها الأسلوب ويتعلق بها بعضهم، كما سوف نرى عما قليل، للتدليل على أن الأمر في اللغة والتفوق فيها أمر ذكورة، هذه الفحولة هى أيضا مؤنثة رغم أنها تشير إلى صفة من صفات الرجل. وانظر إلى كلمة "القوة" ومقابلها: "الضعف" لترى كيف أن اللغة المتهمة بالانحياز إلى الرجل ضد المرأة قد جعلت القوة مؤنثة، والضعف مذكرا، مثلما جعلت "الحياة" مؤنثة، و"الموت" مذكرا. صحيح أن لدينا "الحيوان" بمعنى "الحياة"، وهو مذكر، إلا أنه استعمال شبه ميت، ولولا أنه ورد في القرآن مرة يتيمة إزاء لفظة "الحياة"، التى وردت فيها عشرات المرات لما تنبه إليها أحد، اللهم إلا من ينقّرون في خبايا اللغة وزواياها البعيدة. وقل الشىء ذاته في "الأبوة" و"الأمومة" و"الأُخُوّة" و"البنوة" و"العمومة" و"الخؤولة" في جانب، و"اليتم" في الجانب الآخر. وعندنا "المعجزة" و"الآية"، وكلتاهما مؤنثة.
وشىء آخر مهم شديد الأهمية، ألا وهو أن هناك كتبا في تراثنا وفي أدبنا الحديث تختص بالنساء وحدهن، ومؤلفوها من الرجال، ولهذا دلالته التى لا تخفي ، ولست أستطيع أن أذكر ما يماثلها للرجال. ومنها الكتب التى تتناول أخبار النساء وما إليها لابن الجوزى والسيوطى وأضرابهما من علماء الدين وغيرهم، وفيها يتناول مؤلفوها المرأة بالحديث عما يميزها عن الرجل وعما يُسْتَحْسَن أو لا يستحسن من صفاتها وطباعها وأخلاقها وعما تسببه للرجال من العشق والوله الذى قد يبلغ حد الجنون. ومن هذا اللون من الكتب أيضا ما كتبه داود الأنطاكى في "تزيين الأسواق في أخبار العشاق"، وابن حزم في "طوق الحمامة"، والسراج القارى في "مصارع العشاق"، والشهاب الحجازى في "الكُنَّس الجوارى في الحسان من الجوارى". وهناك من خصص لمن لهن مشاركة في الأدب قسما من بعض كتبه ترجم لهن فيه كما صنع أبو الفرج الأصفهانى في كتابه: "الأغانى"، ولسان الدين بن الخطيب في كتابه: "الإحاطة في أخبار غرناطة"، والدكتور مصطفي الشكعة في كتابه: "الأدب الأندلسى" على سبيل المثال. وهناك من كسر كتابه كله على أدبهن، كما صنع المرزبانى في "أشعار النساء"، والأصفهانى في "الإماء الشواعر"، وابن طيفور في "بلاغات النساء"، والمفجَّع البصرى في "أشعار الجوارى"، والسيوطى في "نزهة الجلساء في أشعار النساء"، وبشير يموت في "شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام"، وعبد البديع صقر في "شاعرات العرب" ... وهكذا. ومن هذا ترى أن النساء، قبل ذلك كله، لم يجدن عائقا أمامهن إن أردن أن يخطبن أو ينظمن شعرا أو يضربن مثلا. والنتيجة التى لا مفر من الانتهاء إليها بعد ذلك كله هو أنه لا معنى لاتهام اللغة ولا أهل اللغة وآدابها بما يسمى: "الذكورية". ولست أقصد بهذا أن اللغة تنحاز إلى المرأة ضد الرجل، بل الذى أريد التنبيه عليه ولفت الأنظار إليه هو أنها ليست منحازة ضد المرأة. والحق أنها عادلة تنظر إلى الذكر بعين، وإلى الأنثى بعين، ولا تظلم أحدا منهما لحساب الآخر.
وهذا هو الأمر الطبيعى، فالمجتمعات البشرية تتكون من الرجال والنساء جميعا: لا الرجال وحدهم، ولا النساء وحدهن. ومن ثم فاللغة، وما اللغة سوى انعكاس للواقع، قد أعطتنا الصورة الصحيحة للمجتمعات البشرية من هذه الناحية. وكل قول آخر فإنما هو كذب وادعاء فائل لا ظل له من الحقيقة. وهذا بالنسبة للخبثاء الخطرين الذين يقودون، عن وعى بالتخريب والإفساد الذى يأتونه، الجموع الحمقاء الجاهلة التى تردد ما تسمعه دون أن تتركه يمر بعقولها فتلقى عليه نظرة تسلط عليه فيها حاستها النقدية، بل تأخذه من آذانها إلى ألسنتها على الفور. أما بالنسبة لتلك الجموع الجاهلة الحمقاء فهى لا تشغّل عقلها ولا تعرف أن هناك شيئا في دنيا البشر يسمى: النقد والتحقيق والتمحيص. وهؤلاء يظنون أن كل ما يأتينا من أمريكا وأوربا لا يمكن إلا أن يكون صحيحا. وأذكر أن طالبة عربية وافدة لاستكمال دراساتها العليا في مصر في ميدان الأدب والنقد كانت تناقشنى في مكتبى بالجامعة منذ عدة سنين في بعض الموضوعات المتصلة بهذا الميدان، وجاءت سيرة التيارات والمقولات النقدية الجديدة، فكان رأيى أنها لا ينبغى أن تسارع إلى متابعتها أو إنكارها دون أن تعرضها على عقلها. وإذا بها تجيب في الحال: لكن لا بد أن يعيش الإنسان عصره. أى أنها ترى أن كل ما يجد في ميدان النقد هو الصواب الذى لا صواب غيره. وهذه الطالبة قد أتت من بلد عربى تقليدى، إلا أن كثيرا من الكتاب هناك يظنون أنهم، بمسايرتهم للجديد الغربى، سوف يتحولون بقدرة قادر في التو واللحظة إلى ناس عصريين، مع أن كل ما يقولونه ويرددونه إنما يدل على أنهم رغم ذلك متخلفون. وأول وأقوى مظهر من مظاهر التخلف هو تلك الإمَّعِيّة التى تردد دائما أنها مع الناس: إن أساء الناس أن تسىء، وإن أحسن الناس ألا تتابعهم في إحسانهم، بل تظل متمسكة بالإساءة!

