جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
جهلاء الأعاجم يخطئون القرآن؟ واعجبا!
د. إبراهيم عوض
فى عَسَّة من عَسّاتى فى المشباك وقعتُ على مقال بالإنجليزية يخطِّئ لغة القرآن المجيد جرَّنى بدوره إلى موقع تبشيرى يهاجم الإسلام، فأخذت أدور فى أرجائه، وإذ بكتاب بعنوان "BEHIND THE VEIL: UNMASKING ISLAM" يتناول مؤلفه كتاب الله الكريم بالتخطئة والنقد فى كل جانب من جوانبه بما فيها لغته وأسلوبه. لغته وأسلوبه حتة واحدة؟ إى والله لغته وأسلوبه حِتَّة واحدة وليس حِتَّتَيْن! وللأسف لم يذكر الموقع اسم المؤلف، ومن ثم فوَّت علينا شرف التعرف إلى هذا العبقرى الذى سوَّلَتْ له نفسه الإقدام على تخطئة القرآن، وبالذات أنه خواجةٌ أعجمى! وهذا النقد موجود فى الفصل الثامن من الكتاب تحت عنوان: "Qur'anic Language and Grammatical Mistakes"، هكذا خَبْط لَزْق دون إِحِمْ ولا دستور! وهو نفسه المقال الذى قادنى إلى الموقع كما ذكرت آنفا. فتعالَوْا نَرَ ماذا كتب الرجل، وماذا يمكن أن نقول فى الرد عليه: يقول المؤلف إن "إخوانه المسلمين" (أرجو ألا تفوتكم هذه الرقة والإنسانية فى تسميته لنا بــ"إخوانه المسلمين"! الواقع أن الدموع تكاد تطفر من عينى تأثرا بهذا الحنان الأخوى الذى يبديه لنا ذلك الثعلب!)، يقول إن "إخوانه المسلمين" يردِّدون أن بلاغة القرآن وسموّ لغته وجمال أسلوبه هو دليل قاطع على أنه من عند الله، ذلك أن إعجازه إنما يكمن عندهم فى أسلوبه الجميل. ثم يمضى قائلا إنه لا ينكر أن أسلوب القرآن (فى بعض آياته وسوره) هو أسلوب بليغ ومعبر حقا، وهو ما لا يمكن أن يشك فيه أحد ممن يستطيعون تذوق اللسان العربى. إلا أن هذا (كما يقول) لا يعنى أبدا أن القرآن يخلو من كثير من الأخطاء الواضحة التى تخرج على أبسط قواعد النحو والصرف وأساليب التعبير الأدبى فى لغة العرب. كما أن فيه كثيرا من الألفاظ التى لا وجود لها فى أية لغة، فضلاً عن احتوائه على عدد كبير من المفردات التى لا يمكن أن يفهمها أحد، وهو ما أقرّ به الصحابة أنفسهم.
كذلك يرى المؤلف أن روعة الأسلوب فى كتاب ما لا يمكن أن تكون برهانا على عظمة ذلك الكتاب ولا على أنه من وحى السماء، إذ ليست العبرة بالأسلوب بل بالمضمون وما يشيعه فى النفس والمجتمع من سلام وحب وسكينة. ثم إن الله لا يشغل نفسه بتعليم البشر فى أنحاء العالم قواعد اللغة العربية ومبادئها، فهو سبحانه ("سبحانه" هذه من عندى أنا) ليس معلِّما للغةٍ مندثرةٍ كاللغة العربية، بل الإله الحقيقى هو قائدنا الروحى فى طريق الحب والغبطة. وعلى هذا فالمهم أن نعرف: هل يستحق المضمون القرآنى فعلاً أن ننسبه إلى الله أَوْ لا؟ وبالإضافة إلى هذا فإن بلاغة القرآن وسموّ اللغة الفصحى التى صِيغَ فيها قد خلقا مشكلة لمن يريدون أن يقرأوه ويفهموه حتى من العرب أنفسهم، فما بالنا بغير العرب؟ وحسبما يقول فإنه لا يكفى أن تعرف اللغة العربية كى تستطيع أن تفهم القرآن، بل لا بد أن تدرس الأدب العربى دراسة مستفيضة شاملة، فهناك مئات الألفاظ القرآنية التى حيَّرت الصحابة فى تحديد معانيها، علاوة على مئات أخرى لم يستطيعوا فهمها البتة.
ويشير المؤلف إلى أن فى "الإتقان فى علوم القرآن" لجلال الدين السيوطى فصلاً كاملاً يزيد على مائة صفحة بعنوان: "فيما وقع فيه بغير لغة العرب" خصَّصه كله لـلكلمات القرآنية الصعبة التى تحتاج إلى شرح، كما يؤكد قائلا إن مفردات اللغة العربية الفصحى وبعض تعبيراتها لم تعد تستعمل الآن البتة حتى من قِبَل العرب أنفسهم، فضلا عن أن العربية ذاتها هى من التنوع والتشعب حتى لقد قال الشافعى عنها إنها لا يحيط بها إلا نبى. وهو من ثم يتساءل: ما الفائدة يا ترى التى يمكن أن يجنيها العالم من كتاب الله إذا كان هذا الكتاب مصوغا بلغة صعبة حتى على العرب أنفسهم بما فيهم صحابة النبى، وبخاصة أن العلماء المسلمين يصرون على أنه لا يجوز ترجمة القرآن، بل لا يمكن معرفة وجه إعجازه عن طريق الترجمة، ولا بد من قراءته بالعربية، وكأن الله عربى، ولا يريد لأحد من غير العرب أن يقرأ القرآن؟
ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث عن وضع الخط العربى حين نزول القرآن الكريم مبينًا أنه كان يفتقر آنذاك إلى تنقيط الحروف وتشكيلها، وهو ما كان يجعل قراءة الكلام المكتوب شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا: فمثلاً الكلمات التالية: "تُبْت" و"بَيْت" و"نَبْت" و"بِنْت" و"ثَبَت" كانت تُكْتَب جميعا على هيئة واحدة (يقصد أنها كانت تُكْتَب على شكل ثلاث سِنَن، السِّنَّة الأخيرة منها سِنّة طويلة، وكلها مجردة من النقط والشكل)، فكيف يستطيع القارئ أن يعرف أية كلمة من هذه الكلمات الخمس هى الكلمة المرادة؟ وبتطبيق ذلك على آيات القرآن الكريم يشير إلى أن قوله تعالى: "...أن اللهَ برىء من المشركين ورسوله" يمكن أن يُفْهمَ بمعنيين مختلفين حسب إعراب كلمة "رسوله"، لأننا إذا شكَّلنا لام "الرسول" بالضم كان المعنى أن الله ورسوله بريئان من المشركين، بخلاف ما لو ضبطناها بالكسر، إذ يكون المعنى حينئذ أن الله برىء من المشركين ومن رسوله أيضا. وهو يتساءل عن الحكمة فى أن الله لم ينزل القرآن فى لغة عربية كاملة التنقيط والتشكيل حتى لا يقع القراء فى مثل هذا الخطإ.
ثم يقول: ترى لو أن طالبا كتب لأستاذه الآن بحثا خاليا من النَّقْط والشَّكْل، أيعطيه الأستاذ عندئذ شيئا آخر غير الصفر؟ وهؤلاء الذين أضافوا للخط العربى التنقيط والتشكيل، أوقد نزل عليهم ملاكٌ أَوْحَى لهم ما ينبغى عمله؟ يقصد أنه كان من الأفضل أن يقوم النبى نفسه بهذه المهمة منذ البداية حتى يضمن ألا تقع فيها أخطاء. أم ترى الله وجبريل والرسول وخلفاءه كانوا يجهلون أن الخط العربى يفتقر لهذا وذاك؟ ألم يكونوا يعرفون أن الاختلاف فى قراءة النص بسبب عدم تنقيطه وتشكيله سوف يؤثر فى استنباط الأحكام الشرعية من هذا النص؟ إنها لمفاجأة (كما يقول) ألاّ تخطر هذه المشكلة لله وجبريل والنبى والصحابة والخلفاء جميعا، ثم يتنبه لها أولئك العلماء الذين اخترعوا النقط والشكل وأضافوهما إلى الخط العربى! وهو يسوق من كتاب "الإتقان" للسيوطى مثالا على اختلاف الحكم الشرعى تبعا للاختلاف فى ضبط الحروف من قوله تعالى فى الآية 38 من سورة "النساء"، التى تتحدث عن الأسباب الموجبة للغسل، ومنها لمس (أو ملامسة) النساء: "يا أيها الذين آمنوا، إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين. وإن كنتم جُنُبًا فاطَّهَروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمَّموا صعيدًا طيبًا...". فالذين يقرأون الكلمة على أنها "لامستم"، أى بألف بعد اللام، يقولون إن الطهارة لا تجب إلا بملامسة النساء، أى بمجامعتهن. أما الذين يقرأون الكلمة بدون هذه الألف، أى "لمستم"، فيَرَوْنَ أنه يكفى أن يلمس الرجل المرأة بيده اللمس العادى حتى تجب الطهارة.
ويستمر المؤلف فيقول إن جميع العلماء المسلمين يقرون بأن فى القرآن ألفاظا لم يكن يفهمها أقرباء الرسول أو صحابته. ثم يستشهد على كلامه بالسيوطى، الذى يقول فى كتابه: "الإتقان": "هذه الصحابة، وهم العرب العرباء وأصحاب اللغة الفصحى ومن نزل القرآن عليهم وبلغتهم، توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها فلم يقولوا فيها شيئا. فأخرج أبو عبيد في الفضائل عن إبراهيم التميمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: "وفاكهةً وأَبًّا"، فقال: أيّ سماءٍ تُظِلّني، وأيّ أرضٍ تُقِلّني إنْ أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ وأخرج عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: "وفاكهةً وأَبًّا"، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. وأخرج من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال: أحدهما: أنا فطرتها. يقول: أنا ابتدأتها. وأخرج ابن جريج عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله: "وحَنَانًا من لَدُنّا"، فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يجب فيها شيئًا". وينتهى إلى القول بأنه إذا كان هؤلاء لم يفهموا بعض ألفاظ القرآن، فمن يا ترى يمكنه أن يفهم ما لم يفهموه؟ ثم يتابع قائلا بكل يقين: لا شك أنهم قد سألوا محمدا عن معانى هذه الكلمات، لكنه لم يجبهم إلى ذلك لأنه هو نفسه لم يكن يعرف معناها، وإلا لكان قد قاله لهم!
وبالإضافة إلى ذلك هناك كلمات أخرى يبلغ عدها أربع عشرة كلمة ليس لها أى معنى، وهى تلك الحروف المقطعة الموجودة فى أوائل تسع وعشرين سورة، مثل: "ألم، ألمر، ألمص، طه، ص، ق، حم...". بل إن بعض هذه الحروف قد جُعِلَت عناوين لعدد من السور، وهى: "طه" و"يس" و"ص" و"ق"، ومعنى هذا أن عددا من سور القرآن يحمل عناوين لا معنى لها! وهذه الرموز التى لا معنى لها فى أية لغة من اللغات هى سمة من سمات البلاغة العربية التى قد تتضمن كلمات لا تعنى شيئا بالمرة! وفى القرآن: ويل لمن يسأل عن المعنى! (The Qur’an says woe to anyone who asks for the meaning!). وفى الآية السابعة من سورة "آل عمران" نقرأ أن هناك كلمات فى القرآن لا يعرف معناها إلا الله، وهو ما يسمَّى بالآيات المتشابهات. والسؤال هو: إذا كان الأمر كذلك فلم جاءت هذه الكلمات فى القرآن؟ لكن ليس فى القرآن جواب عن هذا السؤال.
كذلك يوجد فى القرآن ما يسمَّى بـ"ألفاظ الأضداد"، ومعنى هذا أن لغة القرآن ليست دائما صحيحة كما يظن البعض. ومن ذلك كلمة "بَعْد"، التى وردت فى آيتين بمعنى "قبل" كما جاء فى "الإتقان" للسيوطى، وهذا نص ما قال: "قال ابن خالويه: ليس في القرآن "بَعْد" بمعنى "قَبْل" إلا حرف واحد: "ولقد كتبنا في الزَّبُور من بعد الذكر". قال مغلطاي في كتاب "الميسر": قد وجدنا حرفا آخر، وهو قوله تعالى: "والأرضَ بعد ذلك دَحَاها". قال أبو موسى في كتاب "المغيث": معناه هنا "قَبْل" لأنه تعالى خلق الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء، فعلى هذا خَلَق الأرض قبل السماء". وهنا يتساءل الكاتب: هل لمثل هذا العيب وجود فى أية لغة من لغات الأرض؟ وهل يتمشى هذا مع خصائص العربية وبلاغتها وطرائقها فى التعبير الفنى؟ وهل يُعْقَل أن الملاك جبريل قد أراد "قبل"، لكنه رغم ذلك قال لمحمد أن يكتبها: "بعد"؟ أليس معنى هذا أن القارئ سيجد نفسه فى حيص بيص؟ على أن المشكلة لا تقتصر على هذه الكلمة، فقد أورد السيوطى عددا آخر من الألفاظ على نفس الشاكلة خصص له ثمانى صفحات من كتابه المذكور. ومن ذلك قوله: "أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا؟" (الرعد/ 31). ترى هل "ييأس" معناها: "يعلم" مثلما هو الأمر فى هذه الآية؟ وهل "شهداء" بمعنى "شركاء" كما هو الحال فى الآية 23 من سورة "البقرة" التى تقول: "وإن كنتم فى ريب مما نزَّلْنا على عبدنا فَأْتُوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين"؟ وهل كلمة "بَخْس" تعنى "حرام" فى قوله فى الآية 20 من سورة "يوسف": "وشَرَوْه بثمنٍ بخس"؟ وهل يمكن أن يكون الفعل "يَرْجُم" معناه: "يلعن" كما فى الآية 46 من سورة "مريم": "لإِنْ لم تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّك"؟
ترى لماذا لم يقل القرآن مباشرة: "أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا؟" "بدلا من "أَفَلَمْ ييأس الذين آمنوا...؟"؟ هل "اليأس" هو "المعرفة"؟ وحين يقول القرآن: "أفلم يعلم...؟" هل يكون المقصود: "فقدان كل أمل"؟ ونفس الشىء يقال عن كلمتَىْ: "بَخْس" و"شُهَداء". أليس لكل كلمة من هذه مَعْنًى يختلف عن ذلك المعنى الذى ورد فى القرآن؟ أتكون إحدى مميزات اللغة أنها تستخدم كلمات لها معنى يختلف عن معناها الحقيقى؟
ثم يسوق إلى القارئ أمثلة أخرى أشار إليها السيوطى فى كتابه، بادئًا بكلمة "النجم" فى قوله: "والنجم والشجر يسجدان"، التى تعنى النبات الذى ليس له ساق، لا الجِرْم السماوى كما ينبغى أن يكون الكلام، إذ لا يمكن (حسبما يقول) أن يتخيل أحد أن معنى كلمة "نجم" هو هذا النوع من النبات! ولهذا كان من الطبيعى أن نجدها فى الترجمة الإنجليزية التى قام بها السعوديون بمعنى "النجم السماوى"، وهذا هو المعنى الصحيح لا المعنى الذى نص عليه السيوطى وغيره من المفسرين كالبيضاوى والجلالين والزمخشرى، فهؤلاء كلهم مخطئون، وإلا فليصلح السعوديون من ترجمتهم، مع أنها هى الصواب لا كلام هؤلاء المفسرين! ومثلها كلمة "وَسَط"، التى يقول السيوطى عنها: "ولما كان الخطاب لموسى من الجانب الغربي وتوجهت إليه اليهود (يقصد أنهم توجهوا إليه فى قِبْلَتهم) وتوجهت النصارى إلى المشرق كانت قِبْلَة الإسلام وَسَطًا بين القبلتين (قال تعالى: "وكذلك جعلناكم أمةً وَسَطًا"، أي خِيَارًا. وظاهر اللفظ يوهم "التوسط" مع ما يعضده من توسط قبلة المسلمين)، صَدَقَ على لفظة "وَسَط" هاهنا أن يسمى تعالى بها لاحتمالها المعنيين. ولما كان المراد أبعدهما، وهو الخيار، صلحت أن تكون من أمثلة التورية".
ومن الأمثلة التى يسوقها أيضا قوله تعالى: "لئلا يعلم أهل الكتاب ألاّ يَقْدِرُون على شىء من فضل الله وأن الفضل بيد الله" (الحديد/ 29)، الذى يؤكد أن معناه الحرفى هو: "كيلا يعلم أهل الكتاب"، بيد أن المفسرين والمترجمين يقولون إن معناه: "فلربما يعلم أهل الكتاب"، قالبين المعنى الحرفى هكذا رأسا على عقب! ومنها أيضا ما جاء فى عدد من الآيات القرآنية من قوله: "لا أُقْسِم بكذا"، على حين أن المراد، حسبما يقول المفسرون والمترجمون، هو: "أُقْسِم بكذا"، أو "لا. إننى أُقْسِم بكذا". ومن الشواهد على ذلك:"لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة" (القيامة/ 1- 2)، "لا أقسم بهذا البلد* وأنتَ حِلٌّ بهذا البلد" (البلد/1- 2).
ولا يكتفى المؤلف بهذا، بل يضيف أن فى القرآن ألفاظا محذوفة كان ينبغى أن تُذْكَر، وعبارات غير تامة، وجُمَلاً مبنية بناءً خاطئًا. ومن ذلك حسبما جاء فى كلامه: "فإنها من تقوى القلوب" (الحج/ 32)، إذ يذكر السيوطى أن هاهنا حذفا لأكثر من كلمة، وأن المعنى: "فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب"، ومنه قوله: "فقبضتُ قبضةً من أثر الرسول" (طه/ 96)، على حين أن المراد هو "فقبضتُ قبضةً من أثر حافر فرس الرسول". ومنه كذلك قوله: "فأَرْسِلونِ:* يوسفُ أيها الصِّدِّيق، أَفْتِنا فى سَبْعِ بقراتٍ سِمَانٍ يأكلهنّ سبعٌ عِجَافٌ..." (يوسف/ 45- 46)، إذ المعنى: " فأرسِلون إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، ففعلوا فأتاه فقال له: يا يوسف، أَفْتِنا فى سبع بقرات..."، ففى هاتين الآيتين لم تُذْكَر إلا كلمتان اثنتان فقط فى أول الكلام وأُخْرَيَان فى آخره، أما باقى الكلام فمحذوف، وهو ما يجعله بلا معنى. ومنه أيضا قوله: "فلا تُعْجِبْكَ أموالهم ولا أولادهم. إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون" (التوبة/ 85)، فقد فسرها السيوطى استنادا إلى ابن أبى حاتم عن قتادة قائلا: "هذا من تقاديم الكلام. يقول: لا تُعْجِبْكَ أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا. إنما يريد الله ليعذبهم في الآخرة" برغم أنه لا ذكر للآخرة فى الآية على الإطلاق. ومنه قوله: "أفرأيتَ من اتخذ إلهه هواه...؟" (الفرقان/ 34)، إذ يقول السيوطى إن الأصل هو: أفرأيتَ من اتخذ هواه إلهه؟ "لأن من اتخذ إلهه هواه غَيْرُ مذموم، فقدم المفعول الثاني للعناية به".
وهنا يورد الكاتب ما قاله السيوطى من أن هناك "من الآيات ما أَشْكَلَتْ مناسبتها لما قبلها. من ذلك قوله تعالى في سورة "القيامة" (13- 19): "لا تُحَرِّكْ به لسانَك لِتَعْجَل به"، فإن وجه مناسبتها لأول السورة وآخرها عَسِرٌ جدًّا، فإن السورة كلها في أحوال القيامة...".
كما يشير الكاتب إلى أن هناك كثيرا من التكرار الممل فى القرآن مثل قوله: "فبأى آلاء ربكما تكذِّبان؟"، الذى تكرر فى سورة "الرحمن" إحدى وثلاثين مرة رغم أن آيات السورة كلها لا تتجاوز ثمانى وسبعين آية، وكذلك قصص الأنبياء التى تكرر كل منها فى عدة سور.ثم يختم كلامه قائلا إن فى القرآن من الأخطاء النحوية ما يتراوح بين خمسة عشر وعشرين خطأً، وإن لم يقف منها إلا عند قوله تعالى: "إن هذان لَساحران"، الذى كان ينبغى، بناءً على ما يقول، أن يجىء على النحو التالى: "إنّ هذين لَساحران" (طه/ 63) بنصب كلمة "هذين" بوصفها اسم "إن" على ما يعرفه أى طالب ثانوى عنده إلمام بأساسيات القواعد العربية. أما أن تجىء فى القرآن مرفوعة فهو "خطأٌ بالثُّلُث: completely wrong" كما يقول.
هذا مجمل كلام الكاتب فى انتقاده للقرآن، والآن نبدأ النظر فيما قال: فأولا ليس صحيحا أن المسلمين يحصرون إعجاز القرآن فى الناحية البلاغية والأسلوبية وما أشبه مما يوحى به كلام الرجل، فالواقع أن هذا ليس سوى رأى من الآراء، وهو رأى قلة منهم قليلة، أما الآراء أخرى فتجعل الإعجاز متوزعا على عدة وجوه. ولو أن الكاتب الذى صدَّع أدمغتنا بالنقل عن السيوطى لإيهامنا بصدق ما يقول، قد اهتم ذات الاهتمام بالنقل عن السيوطى فى هذه النقطة لما قال هذا الذى قال، فقد أفرد السيوطى فصلا كاملا لهذا الموضوع عنوانه "في إعجاز القرآن" أورد فيه الآراء المختلفة: فمن العلماء من قال بالصرفة، أى أن الله سبحانه وتعالى قد صرف عزائم العرب عن التفكير فى مواجهة تحدى القرآن لهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سُوَرٍ منه أو حتى بآية واحدة من آياته، فلم تتحرك لهم إرادة نحو هذه الغاية. ومنهم من اعترض على هذا التفسير قائلا إن هذا يعنى أنهم لو كانوا قد عزموا على معرضة القرآن والإتيان بقرآن مثله فلربما نجحوا فى ذلك، ومن ثم لا يمكن أن يكون هذا إعجازا، إذ الإعجاز إنما هو استحالة الفعل مع الرغبة فيه وتوفر الدواعى له. ومن العلماء من تريث عند الجانب البيانى والبلاغى فعلا بما يُفْهَم منه أن هذا الوجه هو أظهر وجوه إعجازه.
لكن الاتجاه العام، كما قلنا، هو عدم قصر الإعجاز القرآنى فى وجه واحد. وليس هذا الرأى وليد اليوم، بل هو موجود منذ وقت مبكر. ولقد أورد السيوطى نفسه آراء بعض العلماء فى هذا السبيل: "وقال قوم: وجه إعجازه ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة ولم يكن ذلك من شأن العرب. وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحضرها. وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك بقول أو فعل كقوله: "إذ همَّتْ طائفتان منكم أن تفشلا"، "ويقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله". وقال القاضي أبو بكر: وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ومباين لأساليب خطاباتهم. قال: ولهذا لم يمكنهم معارضته. قال: ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشعر لأنه ليس مما يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به كقول الشعر ورصف الخطب وصناعة الرسالة والحذق في البلاغة، وله طريق تسلك. فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى ولا إمام يقتدى به ولا يصح وقوع مثله اتفاقًا". ولعل القارئ قد تنبه إلى أن من العلماء من لا يَعُدّ البلاغة والبيان، أو على الأقل لا يعد جزءا من هذه البلاغة والبيان، وهو البديع ومحسناته، داخلا فى الإعجاز لأنه كما قالوا يمكن تعلمه لمن رامه.
وبالمثل ينقل السيوطى عن الإمام الخطابى أن وجوه الإعجاز متعددة لا تنحصر فى جانب واحد: " وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام. فأما أن توجد مجموعةً في نوع واحد فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمَّنًا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ودعائه إلى طاعته وبيانه لطريق عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أَوْلَى منه ولا يُتَوَهَّم في صورة العقل أمرٌ أليق به منه مودعًا أخبار القرون الماضية وما نزل من مَثُلاَت الله بمن مضى وعاند منهم منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان، جامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا إليه وأداء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه. ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر يعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أومناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة إنه شعر لمّا رأوه منظومًا ومرة أنه سحر لمّا رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعًا في القلوب وقرعًا في النفوس يرهبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة بجهلهم يقولون: أساطير الأولين اكتتبها فهي تُمْلَي عليه بكرة وأصيلا، مع علمهم أن صاحبهم أُمِّيّ، وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز. ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجهًا ذهب عنه الناس، وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا ولا منثورًا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ذوي الروعة والمهابة في حال آخر ما يخلص منه إليه. قال تعال:ى لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيتَه خاشعًا متصدعًا من خشية الله. وقال: الله نزَّل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مَثَانِيَ تقشعرّ منه جلود الذين يخشَوْن ربهم. وقال ابن سراقة: اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن فذكروا في ذلك وجوهًا كثيرة كلها حكمة وصواب، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءًا واحدًا من عشر معشاره، فقال قوم: هو الإيجاز مع البلاغة.وقال آخرون: هو البيان والفصاحة. وقال آخرون: هو الوصف والنظم. وقال آخرون: هو كونه خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر، مع كون حروفه في كلامهم ومعانيه في خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيلٌ غير قبيل كلامهم، وجنس آخر متميز عن أجناس خطابهم، حتى إن من اقتصر على معانيه وغيَّر حروفه أذهب رونقه، ومن اقتصر على حروفه وغير معانيه أبطل فائدته، فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه. وقال آخرون: هو كون قارئه لا يكلّ، وسامعه لا يمل، وإن تكررت عليه تلاوته. وقال آخرون: هو ما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية. وقال آخرون: هو ما فيه من علم الغيب والحكم على الأمور بالقطع. وقال آخرون: هو كونه جامعًا لعلوم يطول شرحها ويشقّ حصرها. وقال الزركشي في البرهان: أهل التحقيق على أن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد على انفراده، فإنه جمع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع بل وغير ذلك مما لم يسبق: فمنها الروعة التي له في قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقر والجاحد. ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضًّا طريًّا في أسماع السامعين وعلى ألسنة القارئين. ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر. ومنها جعله آخر الكتب غَنِيًّا عن غيره، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد تحتاج إلى بيانٍ يرجع فيه إليه كما قال تعالى: إن هذا القرآن يقصّ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون. وقال الرماني: وجوه إعجاز القرآن تظهر من جهات ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة والتحدي للكافة والصَّرْفة والبلاغة والإخبار عن الأمور المستقبلة ونقض العادة وقياسه بكل معجزة. قال: ونقض العادة هو أن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة: منها الشعر ومنها السجع ومنها الخطب ومنها الرسائل ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة ويفوق الموزون الذي هو أحسن الكلام".
ونضيف إلى ذلك ما يثبت كل يوم من إعجاز القرآن العلمى، سواء التاريخى أو الجغرافى أو الطبى أو الكيميائى أو الصيدلى أو الفيزيائى... مما أفاض ويُفِيض فيه العلماء المختصون، وما كان بعضه سببا فى إسلام عدد من كبار علماء الغرب أنفسهم. وهناك مواقع مشباكية خاصة بذلك الجانب الإعجازى فى القرآن المجيد. ولا يقدح فى الأمر أن بعض من يتناولون هذا الموضوع قد يغالون فى تفسير الآيات بحيث تدل على تناول القرآن لهذه النقطة أو تلك رغم أن الأمر ليس كذلك، فما من شأن من شؤون الحياة إلا وتدخله المغالاة من جانب المتحمسين فلا يكون هذا سببا عند العقلاء فى رفض الموضوع بِرُمّته.
وقد اهتم بعض الدارسين بالجانب الإحصائى فى القرآن الكريم فأدهشهم ما يسوده من توازنات عددية بين الموضوعات المتقابلة أو الموضوعات المتقاربة: فمثلا تكرَّرَ ذِكْر كل من الدنيا والآخرة 115 مرة، وذِكْر كل من الموت والحياة ومشتقاتهما 145 مرة، وذكر كل من الملائكة والشياطين 88 مرة، وذكر كل من الشدة والصبر مائة مرة واثنتين، وذكر كل من المصيبة والشكر 75 مرة، وذكر كل من إبليس والاستعاذة بالله 7 مرات، وذكر كل من الصالحات والسيئات بمشتقاتها 167 مرة. كما تكرر ذكر الجزاء 117 مرة، على حين تكرر ذكر المغفرة ضعف ذلك، وبالمثل تكرر ذكر الفجار 3 مرات، والأبرار ستا، وتكرر ذكر العسر 12 مرة، بينما تكرر اليسر 36 مرة، أى ثلاثة أضعافه. كذلك لوحظ أن كلمة "قُلْ" أَمْرًا من الله سبحانه قد تكررت 332 مرة، وهو ذاته مجموع ألفاظ "قالوا"... وهكذا. ولا ريب فى أن هذا لون آخر من ألوان الإعجاز القرآنى، وأشهر من تناوله فى دراساته المرحوم عبد الرزاق نوفل.
ومما يتميز به القرآن الكرم عن سائر الكتب: البشرى منها والإلهى، أنه هو وحده الكتاب الذى يهتم أتباعه بحفظه فى الصدور بالملايين: فى كل الأقطار وفى كل العصور، وفى أوقات القوة وفى أوقات الضعف والانهيار، ومن كل الأجناس المسلمة والفئات العمرية، يستوى فى ذلك من يعرف العربية ويفهمها ومن لا يعرف ولا يفهم. كما يتميز بأنه قد نشأ حوله وفى خدمته عدد من العلوم المسماة بالعلوم القرآنية مثل إعراب القرآن، والمكى والمدنى، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ورسم المصحف، والقراءات، والتفسير، والإعجاز، والتلاوة وأحكامها...إلخ. وبلغ من اهتمام المسلمين به أنهم حرصوا حتى على إحصاء آياته وكلماته وحروفه، وهو ما لم يقع لأى كتاب آخر دينيا كان أو دنيويا! وهذا من أسرار بركاته وإعجازه!
وهناك جانب آخر قد يصحّ ذكره هنا، ألا وهو أن الذى ينظر فى أسلوب القرآن الكريم وأسلوب الحديث النبوى الشريف نظرا نقديا متأنيا سوف يلحظ أنهما من نسيجين مختلفين تماما بحيث لا يمكن أن يقال إن محمدا هو مؤلف القرآن، فالمعروف أن هناك بصمةً أسلوبيةً لكل واحد من الكتاب أو المتحدثين تميزه عن نظرائه مهما كان المنزع الذى ينزعون عنه متشابها. وقد يمكن أن نسمى هذا إعجازا أسلوبيا، بمعنى أنه يستحيل أن يكون محمد هو صاحب هذا القرآن. وعندما أقول أنا بالذات هذا الكلام فإنى لا أقوله تهويشا، بل أقوله من واقع دراسة قمت بها منذ ستة عشر عاما، وإن تأخر نشرها حتى عام 2000م، وعنوانها: "القرآن والحديث- مقارنة أسلوبية"، وتقع فيما يقرب من 600 صفحة. ولن يمنعنى كونى صاحبها من القول بأنها أول دراسة من نوعها فى تاريخ الفكر الإسلامى لا غرورا ولا تنفُّجا ولا رغبة فى الظهور بل تقريرا لواقع لا يُنْكَر ورغبة فى تنبيه الأذهان إلى خطورة هذه الدراسة التى لن يمنعنى كونى صاحبها أيضا من القول بأنها مع ذلك ليست إلا بداية لدراسات مثلها تتناول ما لم أتناوله ويعرف أصحابها كيف يستعملون الحاسوب أفضل منى ويحرصون على اتباع المنهجية العلمية بطريقة أكثر صرامة. وبالمناسبة فإنى، عندما كتبتها فى سنة 1989م، لم يكن عندى جهاز، ولم أكن أستطيع أن أخط حرفا واحدا على تلك الآلة، بل كنت أستعمل عينى ويدى على نحو بدائى، لكنه والحمد لله كان رغم بدائيته مؤثرا ووصل بى إلى نتائج عجيبة، وكله بفضل الله. وفى هذه الدراسة لم أضيع وقتى فى الكلام العام، بل غُصْتُ مباشرة فى المقارنات بين كتاب الله وأحاديث رسوله من ناحية اللفظ والصيغة والتركيب والصورة البيانية وزاوية الرؤية والبناء القَصَصى والقَسَمى ...إلخ. وهى مقارنات أقرب إلى الإحصاءات منها إلى أى شىء آخر، وكنت أشفعها بذكر النتائج الدقيقة والعجيبة التى توصلتُ إليها من خلال هذه المقارنات.
كما أن هناك وجها إعجازيا آخر للقرآن الكريم، فمَنْ من الذين تنبأوا فى عصره أو بعد عصره يا ترى كان لوحيهم الذى جاؤوا به هذا التأثير الرهيب الذى كان للقرآن أو هذه النتائج الباهرة التى أثمرها القرآن، سواء على مستوى الفتوحات وتأسيس الإمبراطوريات، أو على مستوى الروح والعقيدة، أو على مستوى النفس والأخلاق، أو على مستوى التقدم الحضارى، أو على مستوى الأعداد الهائلة التى دخلت وما زالت تدخل فى دين الله أفواجا حتى فى أوقات انهيار المسلمين عسكريا واقتصاديا وعلميا كما هو حاصل الآن ورغم أن المسلمين لا يعرفون التبشير الممنهج الذى يتبعه النصارى مثلا؟ وعندنا مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسى قديما، وعندنا الباب وغلام أحمد ورشاد خليفة حديثا، فأين أتباعهم؟ وأين تأثيرهم؟ إن ديانات هؤلاء الأخيرين مثلا لأشبه ما تكون بأكشاك سجائر مما تبيع اللب والسودانى والدخان والبونبون فى الظاهر، والحشيش والأفيون والبانجو والهيروين فى باطن الأمر وحقيقته، وكان الله يحب المحسنين، ويلعن المسيئين الخائنين! ولن أتحدث عن المساعدات والمؤامرات التى كانت ولا تزال وراء أمثال هذه النبوات ومدّعيها والإمكانات الضخمة التى تسخرها القوى العالمية لهم من أجل ضرب الإسلام. ثم ها هى ذى الصليبية العالمية تحاول على مدى القرون أن تقضى على الإسلام، لكن الله غالب على أمره. لقد كان الإسلام ينهض بعد كل محنة أكثر قوة ونقاء وحيوية، ولن يُخْلِف هذا الدين العظيم وعده لنا هذه المرة أيضا رغم القنابل النووية التى تنهال على أتباعه، بل حتى لو افترضنا أن أتباعه الحاليين قد أبيدوا إبادة، إذ إنى موقن أنه سيعود، وسوف يكون انبعاثه من بلاد هؤلاء الذين يحاربونه نفسها، ولسوف يثبت المستقبل صدق هذه الكلمات. والأيام بيننا، ودعونا من الأوغاد الأنغال ممن أَلْقَوْا بيد الاستسلام لأعداء دينهم وأمتهم متصورين أن أمريكا قد ملكت العالم إلى الأبد، جاهلين فى غمرة انخلاع قلوبهم المنخوبة والمنخورة أن أمريكا ليست إلا المسيخ الدجال أو صورة من صوره قد تُعْشِى أعين المرمودين، لكنها لا تستطيع أن تؤثر ولا شَرْوَى نَقِير فى قلوب المؤمنين المعتزين بربهم ورسوله. ويكفى أن أمريكا فى الفترة الأخيرة، وبعد أن أفلستْ فى حربها التى تشنّها على دين الله، لم تجد من تجنده لمحاربة الإسلام إلا السحاقيات والزانيات اللاتى يحملن سفاحا والمتهوسات المهلوسات اللاتى يجب عرضهن على طبيب عقلى ونفسى معا رغم أنهن قد يكنّ ممن يمارسن الطب النفسى، وذلك على طريقة الأطباء النفسيين الذين يظهرون فى أفلامنا ويثيرون رثاءنا واستهزاءنا جميعا، إذ يتبين لنا أنهم أحوج إلى العلاج والرعاية من المرضى الذين يترددون عليهم.
ثم إن الكاتب قد شاء له كرمه البالغ أن يقر بأن أسلوب القرآن فى بعض آياته وسوره (لاحظ: فى بعض آياته وسوره فقط) هو أسلوب بليغ ومعبر حقا. وقد كان ينبغى أن نشكر له هذه الشهادة لولا أنه رجل أعجمى لا يفهم شيئا فى بلاغة القرآن، ومن ثم فلا يعتد به ولا بما يقول. كما أنه لم يقل ذلك حُبًّا فى القرآن ولا رغبةً فى أن يقول كلمة حق وصدق، بل ليمهد به إلى الزراية على كتاب الله، حتى إذا اعترض عليه أحد قيل له إن الرجل قد قال فى القرآن ما يرضى ضميره ولم يقصد الإساءة إليه بل تبيان وجه الحق فيه، وإلا لذمَّ أسلوبه على طول الخط. ودليلنا على هذا هو مسارعته فى الحال إلى القول بأن القرآن لا يخلو من كثير من الأخطاء الواضحة التى تخرج على أبسط قواعد النحو والصرف وأساليب التعبير الأدبى فى لغة العرب، كما أن فيه كثيرا من الألفاظ التى لا وجود لها فى أية لغة، فضلاً عن احتوائه على عدد كبير من المفردات التى لا يمكن أن يفهمها أحد، وهو ما أقرّ به الصحابة أنفسهم.
قد يقول بعضهم: وماذا فى أن يكون فى القرآن هذا الذى يدّعيه الكاتب؟ لكننا نعرف أنه إنما قال هذا للخروج منه بأن القرآن ليس وحيا سماويا بل كلاما اخترعه محمد وزعم أنه وَحْىٌ أُوحِىَ إليه من عند الله. ولسوف أفاجئه هو ومن يرافئونه على مثل هذه الدعوى فأسلك فى الرد على هذا القىء سبيلا لا يتوقعها هذا الجاهل ولا خطرت له ببال، إذ سأفترض أن محمدا هو حقا صاحب هذا القرآن، ثم أعاجله بمفاجأة لا تقلّ عن الأولى إذهالا إن لم تزد، وهى أن القرآن رغم هذا يظل فوق المؤاخذة من هذه الناحية. لماذا؟ "هذه هى المسألة" كما يقول شكسبير! فالمعروف أن أية لغة هى فى الأساس من صنع أهلها الأوائل الذين تكون ممارستهم لها حينئذ بالسليقة، أى دون أن يكونوا واعين تماما بالقواعد التى تحكمها، بل يتشرَّبها كل جيل من الجيل السابق عليه تشرُّبا. ثم تأتى مرحلة أخرى بعد ذلك تُجْمَع فيها اللغة وتُسْتَخْلَص قواعدها من كلام أهلها، فما قالوه يكون هو الصواب، وما لم يقولوه أو لا يجرى على الخطوط التى نسجوا عليها لا يكون مقبولا.
ولْنطبِّق الآن هذا الكلام على العربية فنقول: لقد كان الجاهليون يمارسونها بالسليقة، وكان كلامهم هو مقياس الصواب والخطإ. وبطبيعة الحال فإن شعراءهم وخطباءهم كانوا يمثّلون أرقى المستويات اللغوية لكونهم أفضل قومهم ثقافة وذوقا أدبيا ورهافة حس، وكان محمد على أسوإ الفروض واحدا من هؤلاء، مَثَلُه مَثَلُ امرئ القيس وطَرَفة وزُهَيْر والأعشى وقُسّ بن ساعدة وأُمَيّة بن أبى الصَّلْت وحَسّان بن ثابت وغيرهم من الشعراء والخطباء الذين أُخِذَتْ عنهم اللغة، ومن كلامهم قُعِّدَتْ قواعدها. فهل سمع أحد أن شخصًا قد خَطَّأ أيًّا من هؤلاء الشعراء أو الخطباء رافضًا أن يأخذ عنهم لغة العرب؟ إن هذا لم يحدث، ولن يحدث. فقرآن محمد إذن هو، على أسوإ الفروض، مثل شعر امرئ القيس مثلا أو خُطَب قُسّ بن ساعدة، أى أنه هو المعيار الذى يُحْتَكَم إليه ويُؤْخَذ منه ويُهْتَدَى به.أما إذا تطاول أحد وتطلع إلى تخطئته فتلك هى الطامّة الكبرى، وهذا ما فعله ذلك الأعجمى!
وفضلا عن ذلك ينبغى ألا يفوتنا أنه لو كان فى القرآن الكريم أى خطإ لغوى مهما تَفِه لملأ مشركو العرب الدنيا صياحا واستهزاء بمحمد. لقد افْتَرَوْا عليه الأكاذيب ولم يألوا جهدا فى اتهامه زورا وبهتانا بأنه مجنون وأنه ساحر وأنه كذاب وأنه إنما يعلمه بشر، ولكنْ رغم ذلك كله لم يجرؤ أى منهم قط أن يهمس مجرد همس بأن فى القرآن أخطاء لغوية، مع كثرة ما تحداهم أن يأتوا بقرآنٍ مثله أو بعشر سُوَرٍ منه أو حتى بسورةٍ واحدةٍ تشبه سُوَرَه، ومع كثرة ما نَشِبَ بينهم وبينه من حروبٍ كلاميةٍ ومعاركَ بالسيف والرمح والحصان. فما معنى هذا؟ إن أعداء الرسول من المبشِّرين لا يخجلون، بل يلقون بأنفسهم فى المعاطب والمهالك دون تبصر فى العواقب! ذلك أنهم إنما يحركهم الحقد والدناءة، وناسٌ هذه دوافعهم كيف ننتظر منهم أن يُعْمِلوا عقولهم أو يتقوا ربهم؟
وهناك شىء مهم جدا لا بد من توضيحه قبل أن نبدأ الرد على دعاوى الكاتب، ألا وهو أن ما يشير إليه دائما من قواعد يزعم أن القرآن قد خالفها فى هذا الاستعمال أو ذاك قائلاً إن كل طالب فى المرحلة الثانوية يعرفها ولا يمكنه أن يخطئ فيها، هذه القواعد لا تغطى كل الاستعمالات العربية الصحيحة، بل تمثل فقط بعضا من هذه الاستعمالات. ذلك أن اللغة واسعة جدا جدا، أما القواعد التى يدرسها الطلاب فى المدارس فهى جزء صغير منها. ولو رجع الباحث إلى كتب النحو القديمة لوجد محيطًا زخَّارًا متلاطم الأمواج واستعمالاتٍ متعارضةً تَعَارُضَ القبائل العربية القديمة، بل لو رجع الباحث إلى النصوص الشعرية الجاهلية بنفسه لوجد أن ما تقوله كتب النحو هذه لا يغطى بدوره كل الاستعمالات اللغوية الجائزة، وهو ما أتحقق منه كل يوم. فكم من استعمال يؤكد علماء النحو واللغة أنه استعمال خاطئ أجد له شواهد غير قليلة من الشعر العربى القديم، وذلك بفضل الحاسوب والأقراص المدمجة التى تضم الشعر العربى كله تقريبا، ويمكن الباحث أن يحصل منها على مبتغاه فى دقائقَ قليلةٍ لا أسابيعَ أو شهورٍ أو أعوامٍ كما كان يفعل اللغوى القديم، إذ كل ما يحتاجه هو النقر بالفارة على كلمة "ابحث" فيكون بين يديه كنز سليمان اللغوى متمثلا فى الشواهد الشعرية أو النثرية الراجعة إلى كل عصور الأدب العربى تقريبا.
لنأخذ مثلا "المُثَنَّى"، الذى لا يعرف الطلاب عنه إلا أنه يُعْرَب بالألف رَفْعًا، وبالياء نَصْبًا وخَفْضًا، لكن هذا ليس إلا وجها واحدا فى استعماله، إذ كانت هناك قبائل عربية تُعْرِبه بالألف فى كل الأحوال، وهو ما أشرتُ إليه إشارة ضاحكة فى مقال لى سابق حين سُقْتُ المثل الشعبى الذى يردده الشحاذون تحنينا للقلوب فيقولون: "من قدّم شيئا بيداه، التقاه" بدلا من أن يقولوا: "بيديه". ثم نأخذ مثالا آخر، وهو "إن وأخواتها"، التى لا يعرف الطلاب عنها أكثر من أنها تنصب اسمها وترفع خبرها. ولهذا أخذتنى المفاجأة والدهشة عندما وجدت فى بعض النصوص القديمة اسمها وخبرها كليهما منصوبا، وظننت أنه خطأ، إلى أن وجدت أن من العرب القدامى من كان ينصب اسمها وخبرها جميعا. وبالمثل يمكننا أن نشير إلى إعراب "الأفعال الخمسة"، التى درسنا أنها تُرْفَع بثبوت النون وتُنْصَب وتُجْزَم بحذفها، ثم صَدَف أن وجدت بشار بن برد يحذف نونها دون ناصب أو جازم، وظننت أنه قد أخطأ تحت ضغط الضرورة الشعرية، ثم اتضح لى أن معلوماتى هى القاصرة، إذ لم يدرّسوا لنا فى قسم اللغة العربية أن من العرب من كانوا يحذفون نونها فى كل الأحوال. كذلك كانت هناك قبائل لا تمنع أى اسم من التنوين على خلاف ما ندرس فى أبواب النحو من أن ثَمَّةَ ضُروبًا من أسماء الأعلام والصفات وغيرها تُمْنَع من الصَّرْف بشروط أو بغير شروط. وكنت أول ما رأيت من الكتّاب الصحفيين من يقول: "سنينٌ، سنينًا، سنينٍ" (وهو مصطفى أمين) أستغرب ذلك أشد الاستغراب ولا أتصوره، وأعزوه إلى الجهل بالقواعد النحوية، إلى أن عرفت أن هذه طريقة أخرى من طرق إعراب هذه الكلمة، إلى جانب "سنونَ، سنينَ" و"سَنَواتًٌٍ/ سَنَهاتًٌٍ". كما أذكر أنى قد ضحكت حين سمعت للمرة الأولى أن من العرب من كانوا يقولون فى حال الرفع: "عاد القوم الَّذُون سافروا" مثلا، إلى جانب "الذين" فى حالة النصب والخفض، لكنى الآن لم أعد أضحك بعد أن تبين لى أن ما كنا نعرفه لم يكن يزيد على القشور. وبينى وبينكم، وما زال الذى نعرفه حتى الآن لا يزيد على القشور، لكن أرجوكم أن تتركونا نأكل عيشًا وتكتموا هذا الكلام علىّ حتى لا يطمع فىّ طلاّبى، رغم أنى دائما ما أقول لهم هذا، لكن بطريقة ماكرة توهمهم أننى حين أقوله فمن باب التواضع ليس إلا، ومن هنا فإنهم لا يصدّقون أننى لا أعرف شيئا أكثر من القشور ويظلون على عماهم متصورين أن تحت القبة شيخا... وقد كان هذا سببا فى أننى لم أعد أسارع إلى تخطئة أى استعمال إلا بعد أن أذهب فأراجع على الأقل "الموسوعة الشعرية" التى فى حوزتى والتى تضم كل الشعر العربى قديمه وحديثه تقريبا ونحو ثلاثمائة كتاب من أمهات كتب التراث الأدبية والنقدية. فهذا المبشِّر الأعجمى على أحسن الفروض، وهو فرض مستبعد تماما، لا يزيد إذن عن ذلك الطالب الذى لم يعرف من اللغة العربية إلا الجلوس على ساحلها ومدّ رجليه فى الماء ثم يزعم بعد هذا أنه قد غاص فى أعماقها ووصل إلى قرارها وأتى منها بكنوز من الدُّرَر واللآلئ، وهو لم يكد يعرف منها شيئا. وعلى هذا ينبغى على الأقل أن نميز بين الشاعر القديم والأديب المعاصر عندما نحكم على لغتهما، إذ بينما يمكننا مطالبة أديبنا المعاصر بالتزام القواعد النحوية والصرفية التى درسناها فى المدارس واستقر عليها الوضع، فإنه من الظلم القول بأن الشاعر القديم، الذى لم تكن القواعد على عهده قد وُضِعَتْ فى قوالبها التى نعرفها وثبتت على وضعها النهائى، قد أخطأ بسبب عدم التزامه بهذه القواعد. ذلك أنه إن كان قد أهمل قواعدنا الحالية فإنه مع ذلك لم يخرج عن اللغة، إذ اللغة، كما قلت، بحرٌ زخّارٌ فيه العجب العُجَاب!
وبالنسبة لما قاله صاحبنا عن الحروف المقطَّعة نجيب بأن الرأى القائل بعجزنا عن التوصل إلى معنى هذه الحروف هو رأى بعض العلماء فحسب، بينما هناك فريق آخر يرى أن المقصود بها تنبيه المعاندين إلى أن القرآن مؤلف من هذه الحروف وأمثالها، ومع ذلك لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ولا بسورة منه. ونحن إذا ما قرأنا الآية التى تلى هذه الأحرف فى كل سورة تقريبا فسوف نجد أن هذا تفسير جِدّ وجيه. ومن ذلك قوله تعالى فى أول "البقرة": "ألم* ذلك الكتاب لا ريب فيه"، وفى أول "الحِجْر": "ألر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين"، وفى أول "الشورى": "حم* عسق* كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم"...وهكذا، إذ المعنى فى الشاهد الأخير على سبيل المثال أنه من هذه الحروف وأشباهها (وهذا معنى قوله تعالى: "كذلك) يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم". وقس على ذلك السُّوَرَ الباقيةَ، وإن لم يأت التعبير فيها دائما على هذا النحو المباشر، بل تنوَّع من سورة لأخرى. أما السورتان أو الثلاث التى لا يوجد فى أولها مثل هذه الإشارة ففى الكلام فيها حذف كالحذف الذى يقابلنا فى كثير من آيات القرآن الكريم جريًا على سنة العرب وغير العرب فى لغاتهم.
وللمسلمين آراء أخرى فى تفسير هذه الحروف: منها أنها أسماء للسور التى تبتدئ بها. ومن هذا أننا، عندما كنا صغارا نحفظ القرآن فى الكتّاب،كنا نقول مثلا: لقد وصل فلان فى حفظه للقرآن إلى "الحواميم". وبعض العلماء يقولون إنها اختصار لأسماء الله، وبعضهم يقول: بل هى اختصار لصفاته تعالى، فإذا أخذنا "ألم" مثلا فإن "الألف" تشير إلى "آلاء الله"، و"اللام" إلى "لطفه"، و"الميم" إلى "مجده وملكه"... وهكذا. ومع أن الاتجاه الحديث فى التفسير بوجه عام لا يأخذ بهذا الرأى فإنه، رغم كل شىء، أَوْجَهُ كثيرا جدا من التفسير البهلوانى الذى يدّعى كاتب سفر "دانيال" فى العهد القديم أن دانيال قد فسّر به رؤيا المَلِك البابلى حين رأى فى منامه كتابة مرسومة ليس لها معنى هذا نصّها: "مَنَا مَنَا تَقِلْ وفَرْسِين"، إذ قال له: "مَنَا: أى أحصى الله مُلْكك وأنهاه. تَقِل: أى وُزِنْتَ فى الميزان فوُجِدْتَ ناقصا. فَرْس: أى قُسِّمَت مملكتك ودُفِعْتَ إلى ماداى وفارس". ترى أيمكن أن يدخل فى رُوع أحد أن يهوديًّا منفيًّا فى مملكة ذلك العاهل يمكن أن يجبهه بهذا الكلام الفظيع؟ وأدهى منه وأطمّ أن يدَّعى مؤلف السفر أن المَلِك، من إعجابه بهذا التفسير، قد ألبسه الأرجوان وطوَّق عنقه بالذهب! إن هذا لهو المستحيل بعينه، إذ لو صحت هذه الرواية، ولا أحسبها صحيحة أبدا، لما كان رد فعل الملك شيئا آخر غير تطيير رقبة ذلك اليهودى بالسيف فى التو واللحظة! لكن مؤلف السِّفْر يعرف أن قُرّاءه داقّون عصافير ومختومون على قفاهم، ولهذا يتوسع مؤلفو الكتاب المقدس فى هذه "المطاوى" غير المقدسة! على أن المسرحية لمّا تكتمل فصولا، إذ تمضى القصة فتقول إن المَلِك البابلى قد قُتِل فى تلك الليلة ذاتها وانتقل مُلْكه فعلا إلى الملك داريوس المادى (دانيال/ الإصحاح الخامس كله).
بَيْدَ أنه فى العقود الأخيرة قد اكتُشِف، عن طريق الحاسوب، مغزى إضافى لورود هذه الحروف فى أوائل السور، إذ وُجِد أن الحرف الذى يتصدر آيات السورة هو أكثر الحروف دورانا فيها، أما إذا كان هناك حرفان أو أكثر فإن تردد أولها يكون أكثر من تردد الثانى، وهذا أكثر من تردد الثالث...وهكذا. ولا تزال الأيام حبلى بالكثير من مثل هذه الاكتشافات الخاصة بالحروف والأرقام.
ثم إن الذى يقرأ كلام هذا الأعجمى المتطاول يظن أن كتابهم المقدس قد خلا من الألفاظ التى حيرت مفسريه رغم أن أسلوبهم فى التفسير يفتقر إلى الانضباط والمنهجية ويتسع لكل شىء ولأى شىء. ولن أذكر للببغاء إلا مثالا واحدا هو كلمة "سلاه"، التى وردت فى "المزامير" 63 مرة، وثلاثا فى "حبقّوق"، والتى اختلف مفسروهم فى شرحها اختلافا شديدا وما زالوا رغم أنهم، كما قلت، لا يتقيدون بمنهج فى تفسيرهم! ثم فلنفترض بعد ذلك كله أن هذه الحروف المقطعة ليس لها معنى، فأى ضير يا ترى سوف يترتب على وجودها فى