جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
ترجمة موجزة للمقال الخاص بعمر عائشة لدن زواجها من النبى عليه السلام
=============
إبراهيم عوض
كان النبى محمد إنسانا مثاليا، وتصرفاته جد راقية ينبغى للمسلمين النسج على منوالها. ومع ذلك فإن المسلمين بما فيهم أنا فى مركز طليطلة الإسلامى لا يمكن أن يتصوروا خطبة رجل فى الثانية والخمسين من عمره لطفلة فى السابعة.
ولقد كنت أعتقد دون دليل صلب أن الروايات الخاصة بزواج النبى من عائشة هى روايات غير صحيحة. ومع هذا فإن سعيى الدائب وراء الحقيقة برهن لى أن حدسى صائب. لقد كان النبى الذى أومن به رجلا نبيلا، ولم يقترن بفتاة بريئة فى التاسعة. كما أن الأحاديث التى تتعلق بهذا الموضوع هى أحاديث إشكالية.
ومن البراهين على صدق ما أقول أن معظم الروايات الموجودة فى كتب الأحاديث لم يروها سوى هشام بن عروة عن أبيه. وكان ينبغى من الناحية المنطقية أن يروى هذا الخبر على الأقل اثنان أو ثلاثة مثلا. لكن الغريب ألا يتعرض لهذا الموضوع أحد من أهل المدينة، التى عاش فيها عروة الإحدى والسبعين سنة الأولى من حياته، رغم أن أحد تلاميذه فى تلك المدينة هو المحدث الجليل مالك بن أنس، وأن يكون مصدر هشام لهذا الخبر هم ناسا من العراق حيث انتقل للعيش فى أواخر حياته .
وطبقا لرأى يعقوب بن شيبة فى"تهذيب التهذيب" لابن حجر ( 2/ 50 ط. دار إحياء التراث الإسلامى)، وهو أشهر كتب الجرح والتعديل، فإن هشاما ثقة، ورواياته صادقة عدا تلك التى رواها بعد انتقاله للعراق. وفيه أيضا أن مالكا كان يعترض على ما يرويه هشام عن أهل العراق.
وفى "ميزان الاعتدال" للذهبى (ط. المكتبة الأثرية بشيخوبورو- باكستان 4/ 301)، وهو كتاب آخر فى الجرح والتعديل، أن الضعف قد اعترى ذاكرة هشام بقوة فى شيخوخته. والمعروف أن عائشة بدأت حياتها فى بيت النبى عام623- 24م.
وحسب رواية الطبرى عن هشام بن عروة وابن حنبل وابن سعد خطبت عائشة للنبى فى السابعة من عمرها، وتزوجته فى التاسعة. ومع هذا ففى كتاب آخر يقول الطبرى إن جميع أولاد أبى بكر من زوجتيه قد ولدوا فى الجاهلية (تاريخ الأمم والملوك 4/ 50 ط. دار الفكر ببيروت -لبنان/ 1979م). ومعنى ذلك أنها كانت على الأقل فى الرابعة عشرة من عمرها عندما صارت زوجة للنبى. أى أن الطبرى يناقض نفسه كما نرى. ومن ثم ليس الطبرى بالذى يعتمد عليه فى هذه القضية.
ومن البراهين التى اعتمدت عمر عائشة بالنسبة لعمر فاطمة: فحسبما جاء فى "الإصابة" لابن حجر (4/ 377 ط. مكتبة الرياض الحديثة بالرياض/ 1878م) ولدت فاطمة أثناء إعادة بناء الكعبة حين كان الرسول فى الخامسة والثلاثين، وكانت أكبر من عائشة بخمس سنين. فإذا كان كلام ابن حجر صحيحا فمعنى ذلك أن فاطمة ولدت للرسول وعنده أربعون عاما. وعلى هذا فلو كانت عائشة قد تزوجت الرسول فى الثانية والخمسين من عمره تكون آنئذ فى الثانية عشرة. وواضح أن ثم تناقضا بين الطبرى وابن حجر وابن هشام وابن حنيل، ومن هنا كان القول بزواج عائشة فى التاسعة خطأ فى خطإ.
وعندنا أيضا البرهان المتعلق بعمر عائشة بالنسبة لأختها أسماء. فطبقا لما جاء فى "سير أعلام النبلاء" للذهبى (2/ 289 ط. مؤسسة الرسالة ببيروت/ 1992م) و"البداية والنهاية" لابن كثير (8/ 371 ط. دار الفكر العربى بالجيزة/ 1933م) كانت أسماء تكبر عائشة بعشر سنين.
وفى "البداية والنهاية" لابن كثير أن أسماء مات وعندها من العمر مائة عام. وكانت وفاتها فى الثالثة والسبعين للهجرة. وعلى هذا يكون سنها سبعة وعشرين أو ثمانية وعشرين عاما عند الهجرة، ومن ثم يكون عمر عائشة آنذاك هو سبعة عشر أوثمانية عشر عاما، وتكون قد تزوجت النبى وعندها تسعة عشر أو عشرون عاما.
وفى باب "كراهية الاستعانة فى الغزو بالكافر" من كتاب "الجهاد والسير" فى صحيح مسلم نجد عائشة بين المشتركين فى بدر، وفى باب "غزو النساء" من كتاب "الجهاد والسير" فى "صحيح البخارى" أنها اشتركت فى غزوة أحد. وفى تلك الغزوة رفض الرسول اشتراك ابن عمر لأنه كان صغيرا فى الرابعة عشرة من عمره، لكنه سمح له بالاشتراك فى غزوة الخندق حين بلغ الخامسة عشرة. وما دام الرسول لم يجز اشتراك الأطفال الصغار دون الخامسة عشرة، وما دامت عائشة قد اشتركت فى بدر وأحد فمعنى هذا أن سنها وقتذاك كان فى أقل تقدير خمسة عشر عاما.
وطبقا للرواية الشائعة فقد ولدت عائشة قبل الهجرة بثمانى سنوات. لكن هناك رواية أخرى وردت على لسانها تقول إنها كانت بنت ثمان حين نزلت سورة "القمر". ومعروف أنه قد نزلت تلك السورة قبل الهجرة بثمانى سنوات. فلو كانت قد تزوجت النبى وهى بنت تسع كان معنى هذا أنها عند نزول سورة "القمر" كانت مولودة حديثة. فكيف؟
ولدينا كذلك نص القرآن ذاته. فهل القرآن يجيز أو لا يجيز زواج الأطفال غير الناضجين؟ يقول القرآن: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما، وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا * وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم" (النساء/ 4- 5). فإذا كان الإسلام لا يجيز أن نعهد للأطفال غير الناضجين بأموالهم ليتصرفوا فيها فكيف يظن بعضٌ أنه يجيز لهم الزواج فى تلك السن المفتقرة إلى النضوج؟
وفى الإسلام لا بد أن يؤخذ رأى الفتاة والمرأة عند تزويجها، وإلا لم يصح الزواج، فكيف يتصور إنسان أن طفلة فى السابعة يمكن أن يكون لها رأى يعتمد عليه فى أمر زواجها من رجل فى الثانية والخمسين؟ وليس من المعقول أن يقدم أبو بكر على تزويجها من الرسول أو يقبل الرسول الزواج بها وهى لا تزال بنتا صغيرة فى السابعةلا رأى لها.
ولم يكن من عادة العرب أن يزوجوا بناتهم فى سن السابعة أو التاسعة ولا تَزَوَّج الرسول عليه السلام عائشة فى تلك السن الصغيرة. ومن الواضح أن رواية هشام بن عروة عن زواج عائشة فى سن التاسعة لا يمكن تصديقها ما دام كثير من الروايات الأخرى يناقضها. وفضلا عن ذلك فمن الواضح أنه لا سبب هناك لقبول رواية هشام بن عروة ما دام هناك علماء آخرون منهم مالك بن أنس لا يعدون روايته أثناء مقامه بالعراق جديرة بالاطمئنان. وتُبَيِّن لنا الاقتباسات المأخوذة من الطبرى والبخارى ومسلم تناقض بعضهم مع بعض حول عمر عائشة لدى زواجها. وفوق ذلك فإن أولئك العلماء يناقضون أنفسهم فيما يروونه بهذا الصدد.
وهكذا فإن الرواية بأن عمر عائشة لدن زواجها كان تسع سنين هى رواية لا تحوز الثقة جراء التعارضات الواضحة الموجودة فى كتب العلماء المسلمين القدامى.
ومن ثم لا يوجد سبب البتة للاعتقاد بأن الخبر الخاص بعمر عائشة الصغير خبر صحيح ما دامت هناك أسباب وجيهة لرفضه، فضلا عن أن الإسلام لا يبيح زواج البنات والأولاد غير البالغين أو تحميلهم أية مسؤولية.