سورة يوسف من الضروري أن يصحبها الشاب بالذات بالتلاوة والتدبر والتأمل الطويل لأنها خير معين له على تقوى الله وعدم الانزلاق الى هاوية الرذائل التي تدمر حياته وتغضب ربه
ومن اشارات سورة يوسف:
ـ (وقال الذي اشتراه من مصرلامرأته أكرمي مثواه )أي عاش يوسف في بيت عزيز مصر ومع زوجته فألفته وأحبته وكان ذلك سببا فيما حدث من مراودتها له وبالتالي من الضروري تجنب أسباب تعلق المرأة بالرجل وقد يكون الشاب عفيفا لكنه لايضمن الطرف الآخرالذي قد يفتن به ويجره الى فتنة
ـ ( وراودته) هي التي بدأت بدعوته الى نفسها
ـ (التي هو في بيتها) طول العشرة يؤدي الى الألفة والحب والعشق
ـ هذه المراودة كانت قوية بل كانت أشبه باصدارالأمر الجازم فهي سيدته وهو في بيتها وهو ما يبعث على اجابة الطلب ولو خجلا أو مجاملة
(وغلَّقت الأبواب) اي كانت جريئة متمكنة من فعلها تعرف ماذا تفعل
ـ وفرت له أسباب الأمان من الفضيحة أو انكشاف الأمر وظنت هي أن هذا الأمان سيدعوه الى موافقتها
(وقالت هيت لك ) تعال أقبل تهيأت لك مزيد من الاغراء بتهيئة كل الأوضاع
ـ من كل ما سبق يظهر أن دواعي استجابة يوسف كانت قوية فهناك أمور كثيرة تدعوه وتلح عليه بالاستجابة لطلب سيدته
ـ (قال معاذ الله) هذا أول ماخطر على باله وهو مراقبة الله وحضور ذكر الله في أشد الأوقات التي يمكن أن يُنسى فيها وهو الخلوة وتوفر أسباب هياج الشهوة
ـ سرعة الرد وقوته بالرفض والامتناع وعدم التباطؤ وعدم اعطاء فرصة لتدخل الشيطان وحضور الشهوة وتسويل النفس
وهو دليل على أن رفض هذه المخالفة كان محسوما مسبقا عند يوسف عليه السلام وليس في حاجة الى تفكير جديد وهذه قوة ايمان وتقوى وورع وحياء من الله يحتاجه الشاب ويحتاج ان يربي نفسه عليه
ويساعده على هذه التربية حفظ خواطره وأمانيه و أن لايستغرق ويتمادى مع الخواطر والخيالات التي تحوم حول الشهوة التي يلجأ اليها كثير من الشباب ليحقق متعة وقتية غير حقيقية مكتسبة من الخيال وليس من الواقع وضرر هذه الأفكار والخيالات والخواطر ضرر عظيم على القلب يصوره الامام ابن القيم وهو يتحدث عن مفسدات القلوب فيقول :
المفسد الثاني: ركوب بحر التمني
وهو بحر لا ساحل له. وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم، كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس. فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة، والخيالات الباطلة، تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الذهنية. وكل بحسب حاله: من متمن للقدوة والسلطان، أوللضرب في الأرض والتطواف في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنسوان والمردان، فيمثل المتمني صورة مطلوبة في نفسه وقد فاز بوصولها والتذ بالظفر بها، فبينا هو على هذا الحال، إذ استيقظ فإذا يده والحصير!!
وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره. فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خداع وغرو) أ.هـ.
ـ عدم التردد بل الحسم والقطع القاطع للأمل المغلق لباب تكرار المحاولة
ـ قوة الرد والامتناع وذكر الدواعي والأسباب التي تجعله يرفض رفضا قاطعا ليكون قويا قاطعا حاسما نتيجة قوة أسبابه التي لاتحتمل التراجع فييأس الطالب من تكرار المحاولة وهذا مهم جدا قد يتعب فيه الانسان في البداية لكنه يرتاح بعد ذلك
ـ كثرة دواعي الرفض وأسبابه وحيثياته :
1ـ معاذ الله
2ـ (إنه ربي) أي سيدي يقصد زوجها فلا أخونه استقبح أن يخون سيده
2ـ (احسن مثواي ) استبشع أن يخون من أحسن اليه
(إنه لايفلح الظالمون) اعتبر اجابته لهذه الدعوة ظلما وخشي عاقبة هذا الظلم لنفسه ولها ولأهلها ولزوجها
ـ (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء )
العصمة والتوفيق من الله بتأييده وصرف السوء والفحشاء عنه (ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم)
ـ (إنه من عبادنا) تحقيق العبودية لله دائما ينفع صاحبه في الشدائد والفتن وينجيه منها لأنه عبد لله
ـ (المُخلَصين )الاخلاص في الامتناع اي أن يكون الامتناع من أجل الله خوفا منه أو رجاء أو حبا أو حياء أو تعظيما أو خشية
ـ إن ماكان لله دام واتصل فالحذر من الوقوع في الخطأ لأجل الله دافع قوي يستمر أما الحذر من ذلك لأسباب أخرى تخلو من مراقبة الله والخوف منه مثل الحفاظ على الشرف وفقط فهذا قد لايصمد أمام المغريات والفتن
ـ (واستبقا الباب) السرعة في الابتعاد عن الخطيئة واسبابها الى درجة الفرار منها والخروج من مكانها ومفارقة ما ييسرها وما يذكر بها ويدعو اليها (الورع)
ـ خروج الأمر عن سيطرة صاحب الشهوة وانتقاله من دائرة ضيقة الى دائرة أوسع
ـ (قالت ماجزاء من أراد بأهلك سوءا الا أن يسجن أو عذاب أليم ) عدم تراجع منها بل تماد وانكار واستمرار في طريق الخطأ لن يحل المشكلة
ـ (هي راودتني عن نفسي) الحرص على براءة الذمة ونقاء السيرة وعدم تلوث الشخصية بما يشينها والحفاظ على كرامة النفس وعدم السكوت على الاتهام
ـ من فوائد تجنب القبائح
قال ابن القيم تجنب القبائح لصون النفس . وتوفير الحسنات . وصيانة الإيمان .
هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنب القبائح .
ـ إحداها : صون النفس . وهو حفظها وحمايتها عما يشينها ، ويعيبها ويزري بها عند الله عز وجل وملائكته ، وعباده المؤمنين وسائر خلقه . فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها ، وزكاها وعلاها ، ووضعها في أعلى المحال . وزاحم بها أهل العزائم والكمالات . ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ألقاها في الرذائل . وأطلق شناقها ، وحل زمامها وأرخاه . ودساها ولم يصنها عن قبيح . فأقل ما في تجنب القبائح : صون النفس .
وأما توفير الحسنات فمن وجهين :
أحدهما : توفير زمانه على اكتساب الحسنات . فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدا لتحصيلها .
والثاني : توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها بموازنة السيئات وحبوطها ، كما تقدم في منزلة التوبة أن السيئات قد تحبط الحسنات ، وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها . فلا بد أن تضعفها قطعا ، فتجنبها يوفر ديوان الحسنات . وذلك بمنزلة من له مال حاصل . فإذا استدان عليه ، فإما أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه ، فهكذا الحسنات والسيئات سواء .
وأما صيانة الإيمان فإن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم . وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود . فإن العبد - كما جاء في الحديث - إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء . فإن تاب واستغفر صقل قلبه . وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتة أخرى ، حتى تعلو قلبه . وذلك الران الذي قال الله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) . فالقبائح تسود القلب ، وتطفئ نوره . والإيمان هو نور في القلب . والقبائح تذهب به أو تقلله قطعا . فالحسنات تزيد نور القلب . والسيئات تطفئ نور القلب . وقد أخبر الله عز وجل أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها . وأخبر أنه أركس المنافقين بما كسبوا . فقال : ( والله أركسهم بما كسبوا ) . وأخبر أن نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب . فقال : ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) . فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار من تقسية القلب ، واللعنة ، وتحريف الكلم ، ونسيان العلم .
فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمى للقوة ، سواء بسواء . ولذلك قال السلف : المعاصي بريد الكفر ، كما أن الحمى بريد الموت .
فإيمان صاحب القبائح كقوة المريض على حسب قوة المرض وضعفه .
ـ (وقال نسوة في المدينة) انتشار الخبر عى نطاق أوسع اتساع الأمر على عكس ما تم الترتيب له وتغليق الأبواب عليه
ـ ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) انتقال الضغط على يوسف من الترغيب الى الترهيب والتهديد الأكيد ممن يملك تنفيذه
ـ ( قال رب السجن أحب الي مما يدعونني اليه) الاستعداد للتضحية وتحمل التبعات مهما كانت لاتقاء سخط الله
ـ (وإلا تصرف عني كيدهن اصب إليهن واكن من الجاهلين)الاعتصام بالله واللجوء له والاقرار بين يديه بضعف الانسان وعدم قدرته على التقوى بنفسه
قال ابن القيم:
وأما الاعتصام به فهو التوكل عليه ، والامتناع به ، والاحتماء به ، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ، ويعصمه ويدفع عنه ، فإن ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد ، والله يدافع عن الذين آمنوا ، فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ، ويحميه منه ، فيدفع عنه الشبهات والشهوات ، وكيد عدوه الظاهر والباطن ، وشر نفسه ، ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها ، بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه ، فتفقد في حقه أسباب العطب ، فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها ، ويدفع عنه قدره بقدره ، وإرادته بإرادته ، ويعيذه به منه .
قال صاحب المنازل : الاعتصام بحبل الله هو المحافظة على طاعته ، مراقبا لأمره .
ويريد بمراقبة الأمر القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها ، لا لمجرد العادة ، أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر ، كما قال طلق بن حبيب في التقوى : هي العمل بطاعة الله على نور من الله ، ترجو ثواب الله ، وترك معصية الله على نور من الله ، تخاف عقاب الله .
وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كقوله : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا " و " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له " فالصيام والقيام : هو الطاعة والإيمان : مراقبة الأمر . وإخلاص الباعث : هو أن يكون الإيمان الآمر لا شيء سواه . والاحتساب : رجاء ثواب الله .
فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل ، والله أعلم .
ـ لقد جمع يوسف عليه السلام بين أمرين معا الاستعداد الذاتي الى أعل درجة بالاضافة الى اللجوء الى الله والشكوى له
ـ (فاستجاب له ربه ) هذه الآية تدعونا الى الايمان بمعية الله تعالى وقربه واستجابته
ـ (فصرف عنه كيدهن) أراحه ربه بصرف الفتنة عنه من منبعها
جاء الصرف بعد أن بذل يوسف عليه السلام كل وسعه لعدم ارتكاب ما يغضب ربه
ـ (انه هو السميع العليم) الايمان بصفات الله تعالى أعظم ماينجي العبد من الفتن
ـ (ثم بدا لهم من بعد مارأوا الآيات ليسجننه حتى حين) انتصار الظلم ولكن مؤقتا
ـ (ودخل معه السجن فتيان) سبب النجاة كان مقدرا ودخل يوسف السجن ودخل معه سبب نجاته
ـ (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان) تتحرك أسباب الفرج من حيث لايحتسب الانسان ولايشعر ومن أمور قد تبدو لاصلة لها بالكرب
ـ (قال تزرعون سبع سنين دأبا......)الآيات تعني تجرد يوسف واخلاصه فهو لم يطلب مقابلا لتفسير الرؤيا ولو بطلب اظهار براءته أو خروجه من السجن
ـ (قال ارجع الى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) طلب اظهار براءته في الوقت المناسب ولم يشغله الخروج عن طلب اثبات البراءة
ـ (قلن حاش لله ...) تقوى الانسان في الحقيقة لابد أن تظهر وتنتصر
ـ (الآن حصحص الحق) لظهور الحق أوان مناسب قدرا وواقعا
ـ مفارقة المحبوب تؤدي الى الافاقة والرشد والتوبة
ـ (أنا راودته عن نفسه)الاعتراف بالذنب أقصر طريق لحل المكشلة بينما كل الطرق الأخرى فشلت في انهاء آثار محاولة ارتكاب الخطأ وكلما بدا أن الأمور تحت السيطرة تفجرت من جديد في نطاق أوسع
ـ انهاء آثار الخطأ وتفاعلاته في الواقع يبدأ من انهائه في القلب بالتوبة
ـ الاعتراف بدون مواربة ولا كناية بل صريحا واضحا لالبس فيه
ـ (وأن الله لايهدي كيد الخائنين)الايمان بأن نهاية الخيانة لايمكن أن تكون خيرا أو سعادة
ـ (إن ربي غفور رحيم ) دعوة للتوبة والاستغفار
إن موقف يوسف عليه السلام وفراره من الخطيئة بحسم وعزم وقوة درس عظيم في مراقبة الله تعالى
قال ابن القيم
: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراقبة
قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [ البقره: 235 ] وقال تعالى {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً} [ الأحزاب: 52 ] وقال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [ الحديد: 4 ] وقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [ العلق: 14 ] وقال تعالى: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [ الطور: 48 ] وقال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [ غافر: 19 ] إلى غير ذلك من الآيات وفي حديث جبريل عليه السلام: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال له: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك
المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين: هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين
وقيل: من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه
وقال ذو النون: علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله وتعظيم ما عظم الله وتصغير ما صغر الله
وقيل: المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة
وقيل: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق: المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم
وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر: سبب لحفظها في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره: حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته
و المراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة والله أعلم
اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن
 

 

 

 

التحميلات المرفقة

ساحة النقاش

على الدينارى

denary
موقع خاص بالدعوة الى الله على منهج أهل السنة والجماعة يشمل الدعوة والرسائل الإيمانية والأسرة المسلمة وحياة القلوب »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

139,713