يهتم المؤرخون عامة بتاريخ البلدان والشعوب والأمم، وبالحروب والفتوحات والاستعمار، لكن المؤرخة الفرنسية، آن فانسان بوفو، كرّست اهتمامها للتأريخ للعلاقات وللمشاعر الإنسانية.

وبعد كتابها الذي لاقى نجاحاً جماهيرياً كبيراً «تاريخ الدموع»، تقدم في عملها الأخير بكتابة «تاريخ الصداقة» وهذا هو العنوان الذي اختارته لكتابها.

الصداقة لها تاريخ أيضاً، هذا ما تؤكده المؤلفة مشيرة إلى أن ما يُدعى بالصداقة في أماكن أخرى أو في ما كانت تعنيه خلال الأزمنة القديمة، لا يتناظر أبداً مع الفكرة التي نطلقها عليها في الوقت الحاضر ببلدان العرب عامة.

وهذا ما يتم شرحه تحت عناوين رئيسة مثل: «الصداقة كما يراها الآخرون» و«طائفة الأصدقاء أو يوتوبيا الصداقة» و«مناخات الصداقة: الكلمات والمشاعر» و«المراهقة وصداقات سن الشباب: شبوب مشاعر البدايات» و«الصداقة وخلط الأنواع».

وإذا كانت المؤلفة تؤكد كونية - يونيفرسال- مشاعر الصداقة، فإنها تركز على القول إنه لها «تاريخها» أيضاً. ذلك أن قوانينها ومضامينها وطرق ممارستها ومدلولاتها تختلف من مكان إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر.

وللصداقة أيضاً أساطيرها وأبطالها الذين ضحّوا بحياتهم أحياناً من أجل درء الخطر عن صديق، كما تدل الكثير من حكايات الشعوب.

وتعود المؤلفة بقارئها إلى «إلياذة» هوميروس، وإلى تلك الصداقة «الأسطورية» التي ربطت بين باتروكل وأخيل. وفي فترة أكثر قرباً تذكر تلك «الأخوّة الروحية» التي جمعت بين «موريس دو غيران» و«باربي دورفيلي» في نهايات القرن التاسع عشر.

وكانت صداقة عميقة قد ربطت بين مشاهير في عالم الأدب والسياسة مثل «مونتين» و«لا بويسي»، و«ميرابو» و«شامفورت». إن الأسماء ليست ذات أهمية كبيرة، لكن المهم، كما تقول المؤلفة، هو المشاعر التي تقوم عليها تلك الصداقات.

ولا تتردد المؤلفة في القول إن الصداقة التي كانت في بداياتها «محصورة بالرجال»، غدت فيما بعد بمثابة «رابطة أبدية» للمجتمع و«صمّام أمان» في علاقات البشر.

ثم إذا كانت قصص الحب تصل في أغلب الأحيان إلى نهاية بعد أن تكون قد «استهلكت» العواطف التي نسجتها، فإنه يتم تصوّر الصداقة على أنها مسألة «الحياة كلها وحتى الموت». وترى المؤلفة أن الصداقة تعود بقوة إلى «مسرح» العلاقات الإنسانية باعتبارها تلعب دور «تعزيز الروابط» في فترة تعاني فيها الأسرة الغربية عامة من الهشاشة والتفكك.

وتشير المؤلفة إلى أن العديد من النصوص القديمة تمجّد الصداقات بين الرجال، «الصداقة البطولية» كنموذج. لكن هذا لا يعني برأيها أن النساء لم يكن يعرفن علاقات الصداقة، ولكن لم يكن يتم الحديث عنها في المجتمع «الرجالي» السائد. وكان اليونانيون القدماء يعتبرون الصداقة «ميزة لدى البشر» الذين كانوا بحاجة ماسة إلى «الاكتفاء الذاتي». ذلك النموذج الموديل- اليوناني الذي دعا إليه أرسطو تبنّاه الغرب كله بعده.

لقد بدت الصداقة بمثابة «إسمنت المدينة»، وتعبّر عن مشاعر أكثر تنوعاً من الحب.

الحب «عبودية» أما الصداقة فهي «حرية ومساواة». وفي العصور الوسطى نُظر إلى الصداقة على أنها تعبير عن رابطة تتجاوز رابطة الدم والقرابة العائلية. وقد لعبت الصداقة آنذاك دوراً في تقوية النظام الإقطاعي وعبّرت بالوقت نفسه عن توجه اجتماعي مضاد للنزاعات وللحروب. وجرى في تلك الفترة «استبعاد النساء» عن روابط الصداقة على خلفية اتهامهن ب«الثرثرة».

وتفسر المؤلفة ذلك بالقول إن «الحس الاجتماعي» المرتفع لدى النساء كان يخيف الرجال عبر تعريض سلطتهم للخطر. ولم يتم السماح بدخول «دوائر الصداقة الرجالية» إلا لنخبة قليلة جداً من النساء. وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر تجرأت حفنة قليلة من النساء على تنظيم «صالونات أدبية» دُعي الرجال إليها. وبعد ذلك كانت الأديبة جورج صاند قد حرصت على تطوير علاقات الصداقة مع الرجال.

وبالتوازي مع ذلك تطوّر المضمون الاجتماعي للصداقة. ففي العالم اليوناني خلال القرون الوسطى لم تكن الصداقة «مجّانية» في الغرب، وإنما كانت تعبيراً صريحاً عن «علاقة اجتماعية». واعتباراً من القرن الثامن عشر «تراجعت الصداقة» عن مقدمة المسرح الاجتماعي، حيث أخذت الأسرة الدور الأول في النسيج الاجتماعي.

وترى المؤلفة أن عودة الاهتمام بالصداقة ليس بعيداً عن ظاهرة تفكك الروابط الأسرية، وحيث أصبحت أي الصداقة نوعاً من «فسحة للتنفس» ومن «الملجأ» أمام تدنّي مشاعر الحب.

والصداقة كما يتم تقديمها، هي أقل مأساوية من مشاعر الحب، إنها «مريحة» أكثر. وتقوم على الثقة والاحترام المتبادل. وهي سبيل لتحقيق نوع من المساواة.

ثم ليس هناك ما يمكن أن يقوّي من الروابط الاجتماعية أكثر من مشاعر الصداقة ورغبة المشاركة. وترى المؤلفة أن الكثير من المفكرين الحديثين، خاصة جان جاك روسو، تبنّوا فكرة الصداقة التي قال بها أرسطو.

وفي معرض الحديث عن أهمية الصداقة لدى الشباب تشير المؤلفة إلى أنه كان هناك نوع من الخلط طويلًا بين الطفولة والمراهقة وسن الشباب. وقد لعبت المؤسسات التربوية، بكل مشاربها، دوراً مهماً في تعليم الشباب كيف ينشئون شبكات من الصداقات سهّلت عليهم الدخول إلى العالم وكانت بمثابة مرتكزات لهم طيلة حياتهم في أحيان كثيرة.
وفي محصلة القول يتم تقديم الصداقة على أنها «السلعة الأعلى ثمناً في العالم».

الكتاب: تاريخ الصداقة

تأليف: آن فانسان بوفو

الناشر: بايارباريس 2010

الصفحات: 264 صفحة

القطع: المتوسط

المصدر: جريدة البيان
  • Currently 241/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
81 تصويتات / 1087 مشاهدة
نشرت فى 3 مايو 2010 بواسطة books

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

61,089