المبحثُ السادسُ – في المجاز المركب بالاستعارةِ التمثيلية
*-تعريفُهُ :هو تركيبٌ استُعْمِلَ في غير ما وُضِعَ له لِعلاَقَةِ المشابَهةِ مَعَ قَرينَةٍ مَانِعةٍ مِنْ إِرادةِ مَعْناهُ الأَصْليّ. بحيثُ يكون كلٌّ منَ المشبَّه والمشبَّه به هيأةً منتزعةً منْ متعددٍ ،وذلك بأنْ تشبَّهَ إحدى صورتينِ منتزعتينِ من أمرينِ، أو أمورٍ (بأخرَى) ثم تدخل المشبَّهَ في الصورةِ المشبَّهِ بها مبالغةً في التشبيهِ – ويسمَّى بالاستعارةِ التمثيليةِ، وهي كثيرةُ الورودِ في الأمثال السائرةِ، نحو: الصيفُ ضيعتِ اللبنَ – يضربُ لمن فرَّط في تحصيلِ أمرٍ في زمنٍ يمكنهُ الحصولُ عليه فيه، ثم طلبَه في زمنٍ لا يُمكنهُ الحصولُ عليه فيه، ونحو: ( إني أراكَ تقدِّمُ رجلاً وتؤخِّرُ أخرَى) يضرَبُ لمن يترددُ في أمرٍ، فتارةً يقدِمُ، وتارةً يحجمُ، ونحو: ( أحَشَفاً وسوءَ كِيلَةٍ ؟) يضرَبُ لمن يظلَمُ من وجهينِ – وأصلُه أنّ رجلاً اشترى تمراً منْ آخر، فإذا هو رديءٌ، وناقصُ الكيلِ، فقال المشتري ذلك – ومثل ما تقدم جميعُ الأمثال السائرةِ (نثراً ونظماً) فمنَ النثرِ قولهُم: لمن يحتالُ على حصول أمر خفيٍّ، وهو متسترٌ تحت أمرٍ ظاهرٍ :« لأمرٍ مَّا جُدع قصيرٌ أنفه »، وقولهم: « تجوعُ الحُرّةُ ولا تأكُلُ بثَدْيَيها »، وقولهم لمنْ يريدُ أن يعملَ عملاً وحدَه وهو عاجزٌ عنه :« اليد لا تصفق وحدها» تشبيهاً له باليد الواحدة. وقولهم لمجاهدٍ عادَ إلى وطنهِ بعد سفر: « عادَ السَّيْفُ إلى قِرَابهِ، وَحلَّ اللَّيْثُ منيعَ غابه » وقولهم لمن يأتي بالقول الفصل :( قَطَعَتْ جَهيزَةُ قَوْلَ كلِّ خَطيبِ). وهو تركيب يُتَمَثلُ به في كل موطن يؤتَى فيه بالقولِ الفصل.
ومن الشعرِ قولُ الشاعر:
إذا جاءَ موسى وألقى العصا فقد بطلَ السِّحرُ والساحرُ
وقال المتنبي :
ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ يَجدْ مُرّاً بهِ المَاءَ الزُّلالا
هذا البيتُ يدل وضْعه الحقيقيُّ على أَن المريضَ الذي يصابُ بمرارة في فمهِ إذا شربَ الماءَ العذبَ وجده مُرًّا، ولكنه لم يستعمله في هذا المعنى بل استعمله فيمن يَعيبون شِعْرَه لعيْب في ذوقهم الشعري. وضعْف في إدراكهم الأدبي، فهذا التركيب مجاز قرينته حالِيَّة، وعلاقته المشابهة، والمشبه هنا حال المُولَعين بذمه والمشبه به حال المريض الذي يجد الماءَ الزلال مرًّا.
================


