في عدد من المخازن الكبرى في بريطانيا ، يرى المستهلك رفوفاً مخصصة لأنواع من الفواكه والخضار التي تبدو بألوان وأشكال غريبة ، تفاح أزرق وأسود وخس متعدد الألوان وفلفل مثل ألوان قوس قزح .

هذه الخضار والفواكه هي الجيل الجديد من المنتجات الهندسية الجينية التي مازالت في بداية الطريق والتي تبشر بثورة جديدة في عالم السياسة والإقتصاد . فقد أصبح الإنتاج رهناً بالمختبرات ولا يعتمد فقط على الحقول والمساحات الخضراء و " المواسم " تواجه تعديلاً جذرياً في مناهجها ومنطلقاتها بعيداً عن عوامل الطبيعة والطقس والآفات التقليدية . 

يخضع عدد من المواد الغذائية اليوم لتعديلات جينية كالصويا والذرة ، وربما تليها غداً مواد أخرى كالشمندر واللفت مثلاً .. وقد أطلق البعض صيحات الإنذار مع وصول هذه المواد إلى أطباقنا . منددين بخطرها على الصحة العامة . ولكن يبقى السؤال ما هي حقيقة الأمر في الواقع ؟

أثار وصل الصويا الأميركية المعدلة جينياً إلى موانىء أوروبا الشمالية للمرة الأولى جدالاً حاداً لدى الأوساط المعنية . فسارعت منظمة " غرين بيس " أو " الخضر " وهم من أنصار حماية البيئة إلى منع هذه البواخر من تفريغ حمولاتها .

وطالبت جمعيات المستهلكين بملصقات توضيحية حول الأطعمة المعدلة جينياً . 

وبدروها حاولت لجنة بروكسل وبرلمان ستراسبورغ الأوروبي إتخاذ تدابير خاصة من شأنها تحديد أطر تسويق المنتوجات الزراعية المعدلة جينياً . فالأمر لم يقتصر على الصويا والذرة ، حيث كان الشمندر واللفت ينتظران إذناً لدخول الأسواق الأوروبية .

يذهب الخبراء إلى أبعد من ذلك حيث يتوقعون أن تشكل هذه النباتات أو المزروعات ربع المحاصيل الزراعية في العالم خلال عشر سنوات ، لتصبح بالتالي منجماً ذهبياً يدر مليارات الدولارات . 

نباتات مقاومة للحشرات ومبيدات الأعشاب الضارة

كل شيء ، بدأ في العام 1983 ، عندما قدم فريق من العلماء البلجيكيين ، أول نبتة معدلة وراثياً من خلال الجينات ، وكانت عبارة عن نبتة دخان تحمل جينة قادرة على إستيعاب كميات أقل من النيترات . أما المبدأ فكان بسيطاً إذ قام الفريق بإدخال جينة غريبة في إحدى خلايا النبتة ، الأمر الذي أدى إلى تطبيق هذه التقنية على مستويين : 

الأول : تغيير في الميزة الزراعية للنبتة بحيث أصبحت أكثر مقاومة لمبيدات الحشرات والأعشاب الضارة من جهة ، وللتغييرات المناخية من جهة خرى . 

والثاني : التغيير في المادة الغذائية المباشرة حيث يؤدي إدخال جينة غريبة إلى تغيير المادة بحد ذاتها ، إن لجهة تحسين مزاياها الغذائية أو لجهة حفظها لأطول مدة ممكنة . وهكذا أمكن تسويق أول بندورة ( طماطم ) معدلة جينياً في الأسواق الأميركية عام 1994 وقد عدلت بطريقة تجنب إرتخائها بعد النضج . 

ولكن في غضون ذلك كان هناك مواداً أخرى تخضع للتطوير بشكل سري في المختبرات : كالزيوت المشبعة بالحمضيات الدهنية والبطاطا الغنية بالنشاد والخس الخالي من النيترات والشمام المثالي النضوج . إلا أن " بوريه " البندورة ( أو صلصة البندورة المركزة ) المعدة من البندورة المعدلة جينياً ، تبقى المستحضر الوحيد حتى الآن الذي يباع في بريطانيا فقط دون غيرها من الدول الأوروبية ، مع الإشارة الواضحة إلى بلد المنشأ والعناصر المكونة . www.tartoos.com

العواقب الصحية 

مع وصول الصويا لم يعد الوضع شفافاً تماماً في الأسواق الأوروبية .

فقد تم مزج الصويا المعدلة جينياً والتي تسوقها الشركة الأميركية " مونسانتو " بالصويا التقليدية . ونجد مشتقات هذه المادة في 60 في المئة من الأطعمة التي يستهلكها الأوروبيون . فطحين الصويا يستعمل في صناعة الخبز والحلويات والبسكويت والقشدة . 

والليتيس أحد مشتقات الصويا أيضاً يستعمل في الشوكولا والبوظة والمارغارين والحبوب وطعام الأطفال .

في الواقع أثار جدلاً كبيراً في الأوساط الأوروبية .فمن ناحية تؤكد الشركات الكبرى المنتجة للنباتات المعدلة جينياً وإلى جانبها عدد كبير من العلماء على عدم خطورة هذه النباتات على البيئة والصحة العامة . 

ويوضح أحد المهندسين في المركز الوطني للأبحاث العلمية كريستسان كوليه فيقول : " لقد أجرينا أبحاثاً معمقة حول الموضوع منذ عشر سنوات " ويضيف جان بيار برونيه من المؤسسة الوطنية للأبحاث الزراعية أن النباتات أو المزروعات المعدلة جينياً لها كثير من النواحي الإيجابية كالزيادة في الإنتاج الزراعي وتحسين في النوعية والقيمة الغذائية وهبوط في أسعار السلع الغذائية . ومن ناحية أخرى ، ارتفعت أصوات الإحتجاج عالياً حيث أطلق 50 عالماً أوروبياً نداء لمراقبة الهندسة الجينية . ويعتبر هؤلاء أن إدخال جينة إلى محيط جديد يمكن أن يؤدي إلى الكثير من الإضطرابات غير المتوقعة إن كان على المستوى الصحي أو البيئي . 

فالأطعمة المعدلة جينياً يمكن أن تتسبب بأمراض الحساسية . وقد تبين بالفعل أن الصويا المعدلة بجينة من الجوز البرازيلي قد أدت إلى نوع من الحساسية .

أما بالنسبة لأرنو أو تيكير المسؤول في منظمة " غرين بيس " فهو يعتبر أنه يجب منع إستيراد الصويا ( المعدل ) في أوروبا طالما ليس هناك بروتوكولاً عالمياً معمولاً به يحدد زراعة وإستيراد وتسويق النباتات (  المعدلة جينياً ) . www.tartoos.com

وبدوره يتساءل رئيس المنظمة من أجل الحماية الطبية " البروفسور موريس كلوارك فيقول " هل هناك ضرورة في الحصول على أطعمة معدلة جينياً ؟ " ويتابع " لا أعتقد . فإذا طرأت مشكلة غير متوقعة ، كوباء نوبات الربو مثلاً ، فنحن لن نتمكن أبداً من إقتناء مصادرها " . 

الإستعلام ضرورة

ترتفع اليوم الأصوات في جميع أنحاء أوروبا تطالب شركة " مونسانتو " بعد مزج الصويا المعدلة بالتقليدية . 

ففي ألمانيا حيث ينتشر أنصار البيئة ومنظمات المستهلكين بشكل واسع ، حظر إستعمال الصويا المعدلة . أما في فرنسا فقد اتخذت الأمور منحى مثيراً للجدل ، إذ لم تكتف لجنة " الهندسة البيوجزيئية " ( البيوموليكولير ) بإستبعاد أي خطر يطال الصحةالعامة بل واعتبرت أيضاً أنه ليس من الضروري إعلام المستهلك . إلا أن مدير العلوم في " إتحاد نقابة إطار الحياة " طالب من الناحية القانونية بوجوب وضع ملصقات تعرف بالنباتات المعدلة جينياً . وهو مطلب تبناه إتحاد المؤسسات التجارية والتوزيع . ودعا " الاتحاد " الذي يضم سلسلة مؤسسات التوزيع الرئيسية زبائنه لبذل كل إمكانياتهم من أجل إعلام المستهلك . وفي هذا الصدد يقول مدير الإتحاد جيروم بيدييه " إن شفافية منتجاتنا هي أحد أهدافنا الرئيسية " .

المصدر: منقول
  • Currently 215/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
71 تصويتات / 1187 مشاهدة
نشرت فى 18 سبتمبر 2009 بواسطة ashrafhakal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

3,468,472