قصة خلق الإنسان بين العلم والقرآن


(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)  (البقرة: 32)

في القرآن العظيم من الآيات المعجزات ما لم تحط به العقول، وما لم تدركه الأفهام والأبصار، لما احتوته من عجائب لا تنقضي وعلوم لا تنتهي.

غير أن وسائل العلم الحديثة على ما أوتيت من تقنية عالية ومتطورة بالغة التعقيد، استطاعت أن تظهر لنا بعضاً من الحقائق التي انطوت عليها معجزة القرآن، وبقيت عاجزة مقصرة عن إدراك بعضها الآخر، وصدق الله تعالى حيث يقول:

(قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (الكهف 109).

ومن الظواهر التي تناولها القرآن الكريم بالبحث وتوجيه البشر على مختلف أزمنتهم، لمعرفة بعض من أسرارها الغامضة، ظاهرة خلق الإنسان، وقد تحدثت عنها الكتابات القديمة بما احتوته من مفاهيم خاطئة وخرافات كثيرة، أحاطت بتفسير هذه الظاهرة التي نحن بصدد تناولها.

إنه في الحقيقة ليس من السهل تناول مثل هذه الظاهرة بدقة وتفصيل، لولا عـلم التشريح الحديث ووسائله المتطورة، التي بواسطتها كشف لنا بعض من الأسرار الغامضة التي أحاطت بتفسير هذه الظاهرة.

 أما القرآن الكريم، فقد تناولها في آيات عديدة تناثرت كاللآلئ في عدد من سطور سوره دون ترتيب، لتكون لدينا بمجموعها فكرة شاملة عن خلق الإنسان، بدقة لم يكن للعلم إلا أن يخضع لها، منسجماً مع الحقائق التي أتت بها هذه الآيات، وبما توفرت لديه من وسائل كشف واختبار،يقول سبحاه وتعالى: (ومن أصدق من الله حديثا) (النساء: 87 ) ويقول أيضاً: (وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)  (فصلت: 41-42).

  مرحلة ما قبل ظهور الإنسان:

 يبدأ القرآن بالحديث عما قبل ظهور الإنسان في هذا الكون مذكراً إياه بإعجاز خلقه ووجوده، وفي ذلك يقول تعالى:

(هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) (الإنسان: 1).

غير أن إرادة الله شاءت أن توجده بعد أن لم يكن، وفي ذلك يقول تعالى: (أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً) (مريم: 67 ).

خلق الإنسان من طين:

 من التراب والماء أوجد الله الإنسان وخلقه، فمادة صنعه هذه موجودة، ولم يكن الإنسان موجوداً معها، يقول تعالى : (إنا خلقناكم من تراب) (الحج:5)، ويقول أيضاً: (والله خلق كل دابة من ماء)  (النور: 45).

 هذا ما قاله الله تعالى، ولكن ما قول البشر ممن ظهرت على أيديهم حقائق العلم وغابت عن أذهانهم آيات الحق في القرآن؟.

 لقد أثبتت الدراسات الحديثة، والاختبارات التي أجريت لمعرفة مادة خلق الإنسان والعناصر الداخلة في تركيبها، أن مادته هي من جميع مكونات الأرض بما حوته من فلزات معدنية وغيرها من الغضار والسيليسيوم والكالسيوم والفوسفور والمنغنيز وملح الصوديوم والنحاس والحديد والفضة و.. وغيرها كثير..

وصدق الله العظيم حيث يقول: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) (يونس: 32). فمن رحم الأرض بدأ الله خلق الإنسان وفي ذلك يقول تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين) (السجدة: 7)، و يقول تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتا) (نوح: 17) ، ولقد شاءت حكمة الله في خلق آدم أن تجعل خلقه على أطوار، بدليل قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) (المؤمنون: 12 ).

بعض سلالات أطوار خلق الإنسان على الأرض:

يقول تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من طين لازب) (الصافات:11).

ويقول تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون) (الحجر: 26) .

1- حمأ : طين أسود متغير لطول مخالطته للماء (من تفسير و بيان للقرآن مع أسباب النزول للسيوطي).

2 - مسنون : مصبوب أو مصور صورة إنسان أجوف، متغير الرائحة (من تفسير وبيان مع أسباب النزول للسيوطي).

ويقول تعالى عن الصلصال: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار)  (الرحمن: 14).

وبعد خلقه من الطين صوره وأسجد له ملائكته ، وفي هذا المعنى يقول تعالى : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) (الأعراف: 11).

ويقول تعالى : (فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) (الحجر: 29).

وخلق الله الزوجين الذكر والأنثى من نفس واحدة وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء وفي ذلك يقول تعالى:

(الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) (النساء: 1).

بدء خلق الإنسان من ماء مهين:

وبعد تمام خلق آدم وزوجه من طين،  وبرحمة من الله تعالى لبني البشر، جعل نسل آدم من سلالة من ماء مهين، وبدأ خلقه من نطفة في رحم الأم، بعد أن خلق آدم من رحم الأرض، وفي ذلك يقول تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه * وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) (السجدة: 7و8).

فمن مبيض المرأة تزرع البويضة في تربة الرحم، وتسقى من ماء مهين من الرجل، وفي هذا المعنى يقول تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) (المؤمنون: 13).

وفي وصول نطاف الرجل إلى البويضة يكون الاستقرار لهذا الخلق، وإيذان من الله تعالى ببدء خلقه.  بعد أن تمكنت جذوره في الرحم، فأي إعجاز أكبر من هذا الإعجاز في ترتيب الحق للخلق؟.

(هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) (لقمان: 11).

فما أعظم آيات الله في إخبارها عن الحق ودقة بيانها ووصفها له،  ففي قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) (المؤمنون: 13)، مشيئة أرادها الله للنطفة، فمن الذي أقر هذه النطفة في رحم الأم؟ وبمشيئة من؟ وإلى متى؟..

يجيب الله تعالى عن ذلك بقوله: (ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى) (الحج:5).

وهذه المشيئة تجلت بقوانين الله في تثبيت النطفة بالرحم وإقرارها فيه، فوجود هرمون البروجسترون والذي يفرزه الجسم الأبيض في الأنثى،  يعمل على زرع البويضة المخصبة في تربة الرحم والحفاظ عليها ، بأن يقلل من حركات جدار الرحم والتي من الممكن أن تطرد البويضة بعيدا عن الرحم، وتلفظها إلى غير رجعة. ويقوم هذا الهرمون كذلك بإيقاف الدورة الحيضية الشهرية عند المرأة ، بتنبيه المخ الذي يقوم بدوره بالتحكم في المبيضين.

ومن هذه النطفة يبدأ خلق الإنسان في رحم الأم؛  يقول تعالى: (ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى) (القيامة: 37و38).

ويقول تعالى عن هذه النطفة: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) (الإنسان:12).

ويرى المفسرون بالإجماع أن كلمة أمشاج تعني (مخاليط أو أخلاط) وأن النطفة ذات عناصر شتى، وتقول العلوم الحديثة عن هذه العناصر الشتى، أن السائل المخصب يتكون من إفرازات مختلفة تأتي من الغدد التالية:

1 ـ الخصيتان: وتحتوي إفرازات الغدة التناسلية للذكر على الحيوانات المنوية، وهي خلايا مستطيلة مزودة بهدب طويل تسبح في سائل مصلي.

2 ـ الحويصلات المنوية: وتقوم على تخزين الحيوانات المنوية، ولها إفرازات لا تحتوي على عناصر مخصبة.

3 ـ البروستات: وتفرز سائلاً يعطي للسائل المنوي قوامه الغليظ ورائحته الخاصة.

4 ـ الغدد الملحقة بالمسالك البولية: وهي الغدد المعروفة باسم كوبر أوميري، وتفرز سائلاً جارياً، وغدد »ليتري« وتفرز المخاط، وهذه جميعها تشكل المخاليط (الأمشاج) والتي تحدث القرآن عنها(1).

أطوار ( سلالة ) الماء المهين:

وبعد أن عرفنا شيئاً عن أمشاج النطفة،  فلنتأمل في قوله تعالى: (من نطفة خلقه فقدره) (عبس: 19).

ففي هذه الآية نجد أن التقدير يأتي بعد الخلق مباشرة ، وفي ذلك إعجاز قرآني كبير، إذ تبدأ الانقسامات الخلوية بالتشكل بعد اتحاد نطاف الرجل مع البويضة وتكوين ما يسمى بالبويضة المخصبة، »وينقسم كل منها اختزالياً،  ليكون كل منها نصف عدد الصبغيات في الخلية الجسدية، أي إن الخلية تحوي على 46 زوجاً من الصبغيات،  بينما تحوي كل من الخليتين التناسليتين المتحدتين 23 زوجاً من هذه الصبغيات أو الكروموسومات، ولذلك يكون تقدير الله سبحانه وتعالى لهذه اللاقحة إما ذكرا أو أنثى بتركيب صبغي محدد»(2).

وفي ذلك يقول تعالى: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) (القيامة: 38).

وهذا إعجاز قرآني كبير جداً، إذ إن الرجل هو المسؤول عن عنصر الذكورة أو الأنوثة في اللاقحة، قال تعالى: (فجعل منه) ولم يقل (فجعل منها) وسبحان الله تعالى وهو القائل في كتابه العزيز: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) (آل عمران:6).

وقد تحدث القرآن عن مراحل الخلق عند الإنسان في رحم الأم،  في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) (السجدة:7و8).

أي إن خلق الإنسان يجري في سلسلة من تحولات الماء المهين ، الذي اختلط مع البويضة المزروعة في تربة الرحم، ولعلّ تسميتة بالماء المهين -  والله أعلم -  تعود إما لضعف هذا الماء أي قلة كميته أو لخروجه من مخارج البول، ولعلّه أيضاً لاختزال عدد الصبغيات في خلاياه إلى النصف عن خلايا الجسد العادية.

وبشيء من التفصيل تتحدث هذه الآيات عن سلسلة الماء المهين و تحولاته ، وفي ذلك يقول تعالى:

(يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى) (الحج: 5).

ويقول أيضاً:

(ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً) (المؤمنون:14).

وتطور الجنين في رحم الأم - كما يصفه القرآن - يتطابق تماماً مع ما يعرف اليوم عن بعض مراحل تطور الجنين، ولا يحتوي هذا الوصف على أي مقولة يمكن للعلم الحديث أن يأتي بنقيضها، وفي المضغة ما يشير إلى ما يشبه اللحم الممضوغ ويستحق هذا التمييز الالتفات، إذ إن الجنين في مرحلة أولى من مراحل تطوره كتلة صغيرة من اللحم، تبدو فعلاً للعين المجردة كلحم ممضوغ .

وفي معنى (مخلّقة وغير مخلّقة) فمن المعروف أيضاً أنه في أثناء مرحلة تطورالجنين تبدو بعض الأجزاء غير متناسبة مع ما سيكون عليه الفرد في المستقبل، على حين تظل أجزاء أخرى متناسبة حتى نهاية مرحلة تطور الجنين(3).

وفي قوله تعالى: (فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً) (المؤمنون:14). وصف بالغ الدقة لتطور مرحلة اللحم الممضوغ إلى الهيكل العظمي، وبعد أن تتشكل العظام تتغطى بالعضلات التي توافق كلمة لحم، كما ذكر القرآن الحواس و ظهورها عند الإنسان وكيفية ترتيبها، وفي ذلك قوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) (النحل:78).

وفي هذه الآية قدم القرآن الكريم السمع ثم أتبعه بالأبصار ثم الأفئدة، فما هو الإعجاز الطبي القرآني في ذلك الترتيب؟ إن لذلك حكمة طبية بالغة، فالجنين عند ولادته لم تكن قد تطورت لديه حاسة الإبصار، وقد يظل الطفل أسبوعين أو ثلاثة لا يرى خلالها، وإنما يقلب عينيه دون أن يرمش أو يرعش حين يُقرب شيء من عينيه، مع أن حاسة السمع عنده موجودة، أما الفؤاد، وهو العقل بالطبع، فهو آخر ما يتنبه في الطفل«(4).

وهكذا فإن في خلق الله للإنسان أسراراً كثيرة وفيه خفايا أكثر لا يتسع الحديث هنا لذكرها، وبقي العلم عاجزاً عن إدراكها أو الإحاطة ببعضها.

ولا يسعنا إلا أن نختم البحث بقوله تعالى: (سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) (الصافات:180 -182).

المصدر: منقول
  • Currently 199/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
68 تصويتات / 2692 مشاهدة
نشرت فى 11 سبتمبر 2009 بواسطة ashrafhakal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

3,482,391