عرفتُهُم: "شارون كابيلينغ-ألاكيجا" بين «جنيف» و«المنال»
بقلم: د. غسان شحرور
Sharon Capeling-Alakija, O.C. (1944–2003)
وصلتني مؤخرًا رسالة تقدير من مجلة "المنال" الإلكترونية التابعة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، بمناسبة اليوم العالمي للتطوع 2025، تقديرًا لعامٍ من الكتابة التطوعية والمقالات الهادفة. وقد أعادت إليَّ هذه اللفتة الكريمة، ومعها المناسبة، صورةَ السيدة "شارون كابيلينغ-ألاكيجا"، رئيسة منظمة الأمم المتحدة للمتطوعين (UNV) ، التي جسّدت في حضورها معنى العطاء الإنساني في أبهى صوره.
التقيتُها خلال المؤتمر الدولي للتطوع (جنيف، نوفمبر 2001)، حيث قدّمتُ فيه «الإعلان العربي حول التطوع» إلى جانب معرض توثيقي. التقيتُ "شارون" أكثر من مرة بصفتها رئيسة المؤتمر، فلفتني تواضعها وتفاعلها الإيجابي مع الوفود العالمية. كانت تتحرك بين القاعات بابتسامة دافئة، تُصغي باهتمام، وتبادر إلى الحوار، وكأنها تحمل في قلبها خريطة العالم بكل تنوّعه وألمه وأمله.
وفي لقاء قصير، تبادلنا الرؤى حول سبل النهوض بالعمل التطوعي عربيًا وإقليميًا. ورغم انشغالها الكبير، استجابت للتوسع في هذا اللقاء فورًا عندما علمت أنني أقوم بالعمل التطوعي منذ أيام المدرسة. حدثتني عن محطات من تجربتها، وعن الدروس التي استخلصتها من عملها في قارات عدة. أدهشني حجم ما أنجزته وتتابعه، فسألتها:
ــ كيف تجدين الوقت لكل هذا؟
ابتسمت وأجابت:
«كذلك، ما زلتُ أمارس العمل التطوعي بنفسي. فأنا أتحدث هاتفيًا كل أسبوع مع مجموعة من النساء المصابات بالسرطان، أشاركهنّ تجربتي، وأجيب عن أسئلتهنّ… فأنا أيضًا مصابة بالسرطان.»
كان جوابها صادقًا ومُلهمًا، يجسّد معنى العطاء رغم الألم. وبعد أسبوعين، وصلني تقرير المؤتمر النهائي من منظمتها مرفقًا برسالة خاصة بخط يدها، تضمّنت كلمات بسيطة لكنها عميقة:
«الحوار الصادق هو بذرة التغيير.»
نشرتُ لاحقًا في مجلات عربية، منها "المنال،" ملخصًا لتوصياتها حول العمل التطوعي في العالم العربي، مستندًا إلى ذلك اللقاء الإنساني الذي جمعنا.
وفي الخامس من ديسمبر 2003، اجتمع العالم في مقرّ الأمم المتحدة ليودّع وينعي إحدى أبرز رموز العمل التطوعي الإنساني. وصفها الأمين العام كوفي عنان بأنها «مواطنة طبيعية للعالم»، وأضاف:
«منذ انطلاقتها كمتطوعة شابة، وحتى قيادتها لبرنامج المتطوعين، لم تتوقف يومًا عن نسج خيوط التضامن من أجل عالم واحد للجميع.»
كانت "شارون"، الكندية الجنسية، قد تولّت إدارة برامج التنمية وقضايا المرأة في الأمم المتحدة، قبل أن تُعيَّن منسّقة تنفيذية لبرنامج المتطوعين منذ عام 1997 وحتى وفاتها في نوفمبر 2003 بمدينة بون الألمانية، عن عمر ناهز 59 عامًا. وقد برزت قيادتها بشكل خاص خلال عام 2001 حين قادت فعاليات "السنة الدولية للمتطوعين"، التي رسّخت ثقافة التطوع عالميًا وفتحت آفاقًا جديدة أمام المجتمعات لبناء مستقبل أكثر عدالة وإنسانية.
لم تكن "شارون" مجرد مسؤولة أممية، بل كانت تجسيدًا حيًا لفكرة أن الإنسان، مهما علا منصبه، يظل قريبًا من الألم الإنساني، ويمدّ يده للآخرين حتى وهو يصارع مرضًا عضالًا. لقد أكدت أن التطوع ليس مجرد فعل، بل موقف وجودي، وأن الكلمة الطيبة حين تُقال في لحظة صدق تبقى في القلب إلى الأبد.
إن أمثالها لا يرحلون حقًا… بل يواصلون إلهامنا يومًا بعد يوم.
«عرفتُهُم» زاوية ثقافية دورية يكتبها د. غسان شحرور



ساحة النقاش