يصور لنا الإمام ابن القيم موقف سلف الأمة من عالم الغيب فيقول: "انقضى عصر الصحابة والتابعين من السلف والأئمة على التسليم المطلق بما جاء فى الكتاب والسنة عن عالم الغيب عمومًا وخاصة ما يتصل منه بالذات الإلهية وصفاتها، ولم يتنازعوا فى مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال: "بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب العزيز والسنة النبوية كلمتهم واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسموها تأويلاً ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلاً ولم يبدوا لشيء منها إبطالاً، ولا ضربوا لها أمثالاً، ولم يدفعوا فى صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها، وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالإجلال والتعظيم"(<!--).
ولم نشهد لديهم هذا الجدل العقيم فى أمور العقائد، الذى وجدناه فيما بعد لـدى متكلمى الإسـلام من معتزلة وأشاعرة، ومن ثم لم تكن مسألة فى الغيبيات أو البحث فى الصفات الإلهية موضع خلاف أو نزاع لدى كبار الأئمة من أمثال مالك وأبى حنيفة والشافعى وأحمد والأوزاعى والثورى وغيرهم.
ولم نقرأ عن النبى r أو عن أحد من صحابته أنه توقف أمام آية من آيات الكتاب العزيز، أو وصف من أوصاف البارى تعالى، الواردة فى الكتاب والسنة؛ ليستخرج من هذه الآية أو تلك مذهبًا معينًا فى فهم العقيدة كما فعل المتكلمون من بعده، بعد أن تفرقوا وتحزبوا، ولم يثر عليه السلام جدلاً أو نقاشًا حول آية من الآيات التى تتحدث عن أفعال العباد، كما أثاره حولها القدرية والجبرية، ولم ير عليه السلام نوعًا من التضاد أو التناقض بين آيات النوعين حاول أن يرفعه، كما صنعت بعض الفرق الإسلامية فيما بعد.
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
(<!--) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية 1/49 ط الثانية سنة 1955م – تحقيق/ محمد محيى الدين عبد الحميد.


