حديث القرآن عن عالم الشهادة
مما تجدر الإشارة إليه كثرة الإشارات الواردة فى القرآن الكريم إلى عالم الشهادة إذا قورنت بحديث القرآن عن عالم الغيب، فحين تقرأ إشارات القرآن إلى عالم الغيب تجدها مجملة محفوفة بالمحاذير، بينما تجد حديثه عن عالم الشهادة مفصلاً شاملاً لدقائق هذا الكون، ذاكرًا لأنواعه ومفرداته العلوى منها والسفلى، ولعل فى هذا دليلاً علميًا وبرهانًا عقليًا على أن هذا القرآن الكريم يستحيل أن يكون من تأليف البشر أو من صنع محمد r، وذلك لعمق هذه الإشارات القرآنية ودقتها وكثرتها التى نبه بها المسلمين إلى ضرورة النظر فى عالم الشهادة وتأمل ما فيه من بديع الصنع ودقة الصنعة.
فمن أين لرجل أمى لا يقرأ ولا يكتب مثل محمد r أن يعلم أو يتعلم هذه الإشارات الكونية؟
من أين لرجل مثل محمد r أن يعلم شيئًا عن مواقع النجوم؟
من أين له العلم بوضع الأجنة فى أرحام الأمهات؟
من أين له العلم بالسموات السبع والأرضين السبع؟
من أين له العلم بحركة النجوم ومجرى الشمس والقمر؟
من أين له العلم بأن الشمس تجرى لمستقر لها؟ فلقد نشأ صلى الله عليه وسلم فى بيئة صحراوية بدوية، ليس لها حظ من هذه العلوم، وليس بها من العلماء من شغلته هذه الإشارات.
بيئة ليس بها مدارس علمية ولا جامعات، ولم يكن بها عالم فيزياء ولا كيميائى ولا عالم بالفلك. فكيف ومن أين لرجل نشأ فى هذه البادية أن يتكلم بهذه الإشارات التى لم يكتشف بعضها إلى الآن؟
لقد كانت هذه الإشارات بما فيها من دقة وإحكام برهانًا على أن القرآن الكريم وحى الله إلى نبيه وليس من صنع البشر. وأنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كبير، وسوف نتابع حديث القرآن عن عالم الشهادة بشيء من التفصيل؛ ليقف القارئ الكريم على مدى اهتمام القرآن بعالم الشهادة وإعلائه من شأنه، ويتعرف على مواقع هذه الآيات الكونية ودورها فى تأسيس اليقين لدى العلماء، ونوقن أن القرآن الكريم أمرنا بأن نجعلها تحت عيوننا موضع بحث علمى وتدبر عقلى؛ لأن دورها فى تأسيس العقيدة لا يقل أبدًا عن دور آيات الله المقروءة فى كتابه الكريم، وسوف نعرض حديث القرآن عن عالم الشهادة حسب مستوياتها الوجودية، ولنبدأ بحديث القرآن عن بدايات الخلق


