الكاتب  :  محمد الدريد: الرياض    

 لكل شعب ثقافته التي يتميز بها عن غيره، وتنعكس هذه الثقافة على لغة هذا الشعب، فاللغة في أي مجتمع هي مرآة ثقافته، وهي الوسيلة التي تستخدمها الشعوب للتعبير عن العناصر المختلفة للثقافة: عاداتها ومفاهيمها وتقاليدها وقوانينها. ويوجد تكامل بين اللغة والثقافة، وكلاهما يُكتسب من خلال الانخراط في المجتمع، فالتكامل بين اللغة والثقافة على درجة كبيرة من الأهمية.بداية لابد لنا قبل الولوج إلى جوهر هذا الموضوع من تحديد معنى هذين المصطلحين. نبدأ بتعريف اللغة فنقول: اللغة هي مجموعة من الإشارات والرموز.. تعتبر اللغة من أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة، وبدونها يتعذر على البشر القيام بأي نشاط بشري فكري أو معرفي، وترتبط اللغة بالتفكير ارتباطاً وثيقاً لأن أفكار الإنسان دائماً لا تستطيع أن تظهر لوحدها ولابد لها من لغة ما لتتجسد على أرض الواقع. أما الثقافة فهي صقل النفس والمنطق والفطانة، وفي القاموس المحيط: ثقف ثقفاً وثقافة، صار حاذقاً خفيفاً فطناً، وثقَّفه تثقيفاً سوَّاه، وهي تعني تثقيف الرمح، أي تسويته وتقويمه. واستعملت كلمة ثقافة في العصر الحديث اصطلاحاً للدلالة على الرقيّ الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات. ومن هنا يمكن تعريف الثقافة بمعناها الاصطلاحي بما يلي:الثقافة: هي مجموع المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات لدى شعب ما. يعتبر الناس في وقتنا الحاضر مثقفاً إذا كان مطلعاً على العلوم والفنون والآداب، فالثقافة إذاً هي إدراك الفرد والمجتمع للعلوم والمعرفة في شتى مجالات الحياة، فكلما زاد نشاط الفرد ومطالعته واكتسابه الخبرة في الحياة زاد معدل الوعي الثقافي لديه، وأصبح عنصراً بناءً في المجتمع. وتتميّز الثقافة بعدة خصائص منها:الثقافة ظاهرة إنسانية، لا يمكن لغير البشر أن يمارس هذا النوع من النشاط.الثقافة جوهر الحياة الاجتماعية، وبالتالي لا يمكن لأي عمل اجتماعي أو فنّي أو جمالي أو فكري أن يخرج عن دائرة الثقافة. الثقافة عمل إبداعي. الثقافة عملية تراكمية مستمرة، فهي بقدر ما تضيف من الجديد، تحافظ على التراث السابق، وتجدّد قيمه الروحية والفكرية والمعنوية. وبذلك يمكن تقسيم الثقافة إلى:  مكونات الثقافة الحياتية للشعوب (التقاليد والقيم الجمالية والأخلاقية والأعراف والمعتقدات – الطعام – المناسبات القومية والأعياد – الموسيقى – الملابس القومية – الطقوس الشعبية – الفنون التشكيلية – الفنون الشعبية).مهارات الاتصال الثقافي: (الإقناع – حل النزاعات – الحوار – التسامح – التواصل – التقديم والعرض – التفاوض).العلاقة بين اللغة والثقافةتبرز أهمية التكامل بين اللغة والثقافة بوضوح في مجال تعليم اللغات عامة، واللغات الأجنبية خاصة. ومن المؤكد أن تدريس اللغة بدون تدريس الثقافة لا يفيد الدارسين بصورة فعالة، كما أن تدريس اللغة من دون تدريس محتواها الثقافي يعد بمثابة تدريس رموز ليس لها معنى.. إنها في هذه الحالة عبارة عن قوالب شكلية. بالإضافة لذلك فإنه عندما يتعلم دارسو لغة أجنبية ما ثقافة شعب هذه اللغة وما تحمله من مفاهيم وأنماط ثقافية مثل: التقاليد والعادات؛ فإنهم يكتسبون هذه الثقافة ويتعرفون عليها ويتفاعلون معها، ومن هنا يمكن القول إن اللغة هي المرآة الحقيقية لثقافة أي شعب من الشعوب الإنسانية. من جهة أخرى فإن التكامل بين اللغة والثقافة يؤدى إلى تنمية المهارات اللغوية والمهارات الثقافية لدى الدارسين، كما يجعلهم متجاوبين بصورة أفضل مع الناطقين الأصليين للغة. بناء على ذلك يكون الدارسون في هذه الحالة قادرين على فهم أفكار وسلوكيات الشعوب التي يتعلمون لغتها، كما وأنهم قادرون على فهم المعاني التي يستخدمونها. ظهر من خلال التطبيق العملي أن استخدام الثقافة في دروس اللغة الأجنبية وإطلاع الطلاب على نواحيها المختلفة يؤدي إلى تشويق الطلاب وتعلقهم وحبهم للغة. لقد اتضح لي من خلال تدريسي لهذا المقرر في الجامعة أن الطلاب الدارسين للغة الروسية قد أنشدوا لهذا المقرر لما فيه من أشياء ومواد حياتية جذابة. لكنهم والحق يقال فإنهم من ناحية أخرى وجدوا صعوبة في استيعاب المقرر بسبب غزارة المحتوى. تعتبر العلاقة المتبادلة بين اللغة والثقافة إحدى المسائل المطروحة في علم اللسانيات، ومن الواضح أن الثقافة بكل أشكالها تجد تجسيداً لها في اللغة. إن ما يميز الثقافة هو طابعها الوطني المحلي، وتعتبر اللغة الأداة الرئيسة للتعرف على العالم المحيط والتواصل مع الآخرين والتفاعل مع الثقافات الأخرى، وبالتالي هذا يجعلنا نستنتج أن الثقافة غير قابلة للعيش من دون اللغة لأنها تعيش وتترعرع في وعاء هذه اللغة. ويقوم الناس بواسطة اللغة باستخدام التعابير والإشارات والعادات والتقاليد ونقل المعلومات وتحديد أصول السلوك واعتناق المعتقدات والأفكار والتعبير عن المشاعر والأحاسيس، ومن المعروف أن الإنسان لا يمكن له أن يعيش في المجتمع من دون هذه العناصر. إن اللغة هي مرآة الثقافة، واللغة كذلك هي الوعاء الذي يحوي بداخله كل أنواع النشاطات الثقافية.. من خلال ما تقدم يمكن القول إن اللغة لا يمكنها أن تعيش من دون الثقافة لأن الثقافة هي مادتها وأداتها، وفي الوقت نفسه لا يمكن للثقافة أن تتطور وتتجسد على أرض الواقع من دون اللغة؛ لأنها هي الوسيلة التي تستعملها الثقافة ليتعرف الناس عليها. من خلال كل ذلك يمكن القول إن اللغة والثقافة صنوان لا يفترقان، بناء عليه فإنه يتوجب على المؤسسات التعليمية أن تهتم بالثقافة وتدرسها جنباً إلى جنب مع اللغة لا أن تكتفي بتدريس اللغة الأجنبية منفصلة عن ثقافتها.. لا يجب على خريجينا أن يتقنوا لغة ما دون معرفة ثقافة تلك اللغة، وأورد هنا بعض الاختلافات في ثقافات الشعوب والتي من الممتع لدارس اللغة ومن المساعد له على دراستها أن يعرفها.. مثلاً في الثقافة الإسلامية لا يتوجب على الرجل مصافحة المرأة، حتى لو مدت يدها فإنه يضع يده على صدره دلالة على الاعتذار عن المصافحة، بينما في الثقافة الروسية مثلاً فإنه من المعيب أن يمد الرجل يده أولاً ليصافح المرأة، حيث إن الثقافة الروسية تترك مبادرة المصافحة للمرأة التي إن مدت يدها فمن المعيب على الرجل ألا يقابلها بنفس الحركة، كذلك مثلاً فإن الثقافة الروسية توجب على من يستقبل مسافراً أن يحمل معه باقة من الورد ليقدمها له، بينما الثقافة العربية لا تتطرق إلى هذا الأمر أبداً. وطالما تكلمنا عن الورود فإن الثقافة الروسية توجب تقديم ورود فردية في الأفراح وزوجية في الأتراح، بينما الثقافة العربية لا تتطرق إلى هذا الأمر أبداً. وأورد مثلاً أخيراً على اختلاف الثقافات والذي يعتبر ممتعاً ومهماً معرفته لدارس اللغات، عندما يذهب اثنان إلى المطعم ليأكلا فإن الثقافة الروسية تقول هنا إن كل واحد منهما يدفع عن نفسه، بينما الثقافة العربية تعتبر هذا الأمر معيباً؛ لذلك نرى أن العرب في مثل هذه المواقف يتدافعون ويتسابقون ليفوز الواحد منهم في دفع الفاتورة. في النهاية أقول وأدعو إلى عدم تجاهل الثقافة في تدريس اللغات لأنها تساعد على فهم اللغة من ناحية ولأنها تشد الدارسين وتجعلهم متشوقين للاستزادة من الموضوع

 

المصدر: المجلة العربية ...عددالمجلة : 451
ahmedsalahkhtab

أحمد صلاح خطاب

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 3837 مشاهدة
نشرت فى 5 يونيو 2014 بواسطة ahmedsalahkhtab

أحمد صلاح خطاب

ahmedsalahkhtab
أحمد صلاح خطاب بنها - قليوبية أكاديمية الفنون المعهد العالى للفنون الشعبية تخصص العادات والمعتقدات والمعارف الشعبية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

467,167