النقد أحياناً لا يقدم الكثير للشاعر المحترف، علي اعتبار أنّ قيمة الشاعر تكمن في نصه، وليس فيما يكتبه النقاد عنه، وأن العلاقة بين الشاعر والمتلقي أقوي بكثير من العلاقة بين الشاعر والناقد، ماذا تقول؟
النقاد أنواع، هناك ناقد يريد أن يتملق وناقد يريد أن يهدم وناقد موضوعي وناقد ذاتي ـ النقاد يختلفون ـ هناك ناقد موضوعي وناقد يريد أن يتثقف هناك ناقد اعتباطي ـ إذن ليس هناك شيء في المطلق اسمه النقد هناك مدارس وتيارات وعوامل. الناقد الموضوعي والعميق يساعدني من دون شك في اكتشاف أمور قدمتها تلقائياً وهو يوضحها لي وللآخرين ..

هناك أستاذه أمريكية داري ديونك كتبت دراسة مذهلة عن تجديد الجناس عند سميح القاسم لفتت نظري إلى هذا الموضوع.. إذن هنا كان النقد إيجابياً بمعني أنه أضاف للنص أيضاً، القارئ ربما لم ينتبه إلى ما أشارت إليه هذه الناقدة، وهناك نقاد يؤلهون الشعر وهناك نقاد يحاولون تدميره. إذن تتوقف المسألة على منطلق الناقد وعلي مضمون النقد وثقافة هذا النقد، لكن في رأيي النقد يتبع النص هو ليس طبيعياً أن يتبع النص النقد، النقد يصدر عن النص لولا النص لما وجد النقد واستعمل دائماً تلك الطرفة عن المتنبي، ألف شاعر وناقد هجوا المتنبي وهاجموه ـ ربما بصدق وربما بجدارة وربما عن حق في كثير من المسائل، لكن قوة المتنبي أبقته واختفي هؤلاء الذين انتقدوه رغم أن البعض منهم انتقده علي حق لكنهم لم يكونوا متجنين في نقدهم.

هناك اعتقاد غير دقيق بأن الواقعية تعني إلغاء المخيلة وهذا غير صحيح علي الإطلاق، الإبداع بشكل عام هو نتاج علاقة بين الواقع وبين المخيلة وبين الواقع والحلم، وهذا لا يسمى صراعاً ولا صداماً لكنه حواراً وجدلية بين الواقع وبين الحلم، هو المصدر الأكبر للإبداع والواقعية لا تعني التخلي عن المخيلة بالعكس، أبداً بقدر عمق الواقعية يكون أيضاً عمق المخيلة.

التميز بين النص السهل وبين السهل الممتنع.. السهل الممتنع هو أصعب الفنون كشعر نزار قباني مثلا - الشعر الذي يبدو سهلاً تقرأه وتشعر أنك قادر علي كتابة مئة قصيدة من هذا النوع لكن إذا جلسنا لنكتب فلا نستطيع، هذا هو السهل الممتنع، وهو أصعب الفنون هو سهل في مظهره لكنه في جوهره في أعماقه شديد الصعوبة لأنه يحقق ما يشبه المعجزة، معجزة الوضوح والمشبع في الغموض، الغموض الفني والوجداني ووضوح النص هو شديد التركيب لدرجة أنه يبدو بسيطاً ـ أعتقد اللعبة الشعرية الأكثر خطورة وهو الامتحان الذي يكرم فيه الشاعر أو يهان، هناك نصوص سهلة وسطحية تقرأها لكنها لا تترك فيك أثراً ـ 

لكن لا بد من وجود سر يحول القصيدة إلى رمز وإلى صيحة وجدان أمة، وبمكن لقصيدة ما أن تكون أكثر القصائد انتشاراً بين الناس، المثقفين الكبار وبين الأميين، السهل الممتنع برأيي هو اختبار شديد كبـــير وصعب وهو نتاج ضرورة فالشاعر الملتزم لايقرر انيه سيكتـــب الآن قصيدة من السهل الممتنع أو سيكتب قصيدة موغلة في التجرد أو الرمزية هو لا يقرر، هو يأتي بشكل تلقائي. لكن لا يعقل أن نكتب عن الدم الفلسطيني أو الإنتفاضات العربية أو عن الشهادة قصيدة غامضة، الدم واضح والدمار واضح الاحتلال واضح والعنف واضح وتدمير الأشجار وهدم البيوت وقتل الأطفال والنساء واضح فبأي حق يطالب كائن من كان بأن يكتب الشاعر قصيدة غامضة، هذا تناقض غير مبرر.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 175 مشاهدة
نشرت فى 19 ديسمبر 2011 بواسطة MOMNASSER

ساحة النقاش

د .محمد ناصر.

MOMNASSER
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

420,726