امرأة لعوب… حين يتحوّل فقدان الهوية إلى مشروع إيذاء
في جوهر هذه السردية، لا تقف المرأة اللعوب بوصفها مجرد شخصية مثيرة للجدل، بل ككائن فقد بوصلته الداخلية، فاستعاض عن الهوية بالانتباه، وعن المعنى بالإغواء كراقصة الحباري، وعن الاستقرار بالتنقل الدائم بين المشاعر والعلاقات. إنها لا تعيش الحب، بل تستهلكه، ولا تبحث عن شريك، بل عن مرآة متجددة تعكس لها إحساسًا مؤقتًا بالقيمة. ومع كل انتقال من علاقة إلى أخرى، تحرق جزءًا من مصداقيتها مع ذاتها قبل أن تحرق الآخرين.
هذا النمط، كما يتقاطع مع موضوع العلاقات السامة الذي طُرح سابقًا، يقوم على التلاعب لا المشاركة، وعلى السيطرة لا القرب. فالمرأة اللعوب لا تُغري بدافع الحب، بل بدافع التعويض النفسي عن فراغ داخلي عميق وكأنها حبارير الموت. تُربك الحدود، تخلط الإشارات، وتُدمن الشعور بالقوة الذي يولده التعلّق بها. لكنها، paradoxically، أكثر من يؤذي نفسه؛ إذ تتحول حياتها إلى حلقة مغلقة من الإثارة المؤقتة يعقبها فراغ أشد قسوة.
وحين تنتقل هذه الشخصية من المجال العاطفي إلى فضاءات أكثر حساسية — كالعلاقات المهنية أو العلاجية — تتضاعف الخطورة. فالتلاعب هنا لا يستند فقط إلى الجاذبية، بل إلى سلطة معرفية أو نفسية. يصبح الإغواء أداة، والاحتواء قناعًا، وتتحول الثقة إلى مادة خام للاستغلال. الضحية في هذه الحالة لا ينجذب فقط، بل يُستدرج وهو في لحظة ضعف وحبور، فيقع في علاقة غير متكافئة تُبنى على الاعتمادية لا الشفاء.
المفارقة القاسية أن المرأة اللعوب، رغم ما تبدو عليه من سيطرة، تعيش صراعًا داخليًا أشد عنفًا. فهي أسيرة صورة صنعتها لنفسها في حبارير غادرة، ومطاردة دائمة للخوف من التلاشي إن توقفت عن الإغواء. ولهذا تخلط بين الجمال والقيمة، وبين الرغبة والقوة، وتتوهم أنها أقوى من الحب ومن الزمن، بينما هي في الحقيقة أكثر هشاشة مما تبدو.
السؤال إذن ليس: هل هي مضطربة نفسيًا أم مدفوعة بالجمال؟
بل: متى يتحول فقدان الهوية إلى سلوك إيذائي؟
ومتى يصبح الإغواء، في غياب الوعي والحدود، حبرًا سامًا يدمّر صاحبه قبل ضحاياه؟



