منذ  انفضاض اجتماع وزراء المياه لدول حوض نهر النيل  الذي  عقد في منتجع شرم الشيخ المصري  بدون توصل  لإجماع  حول الاتفاقية الإطارية للتعاون الفني لدول حوض النيل  وما تلاها من تداعيات ومواقف متباينة  كان آخرها توقيع خمس من دول المنبع على اتفاقية  تتوافق بنودها مع رؤيتهم  وامتناع  بورندى و الكنغو الديمقراطية و ارتريا  عن التوقيع  ورفض مصر و السودان التوقيع عليها وما تبع ذلك من تراشقات في التصريحات الصحفية في أكثر عواصم دول حوض النيل تشددا وهى إثيوبيا وكينا وأوغندا وتصريحات متعقلة في الجانب المصري السوداني. ومحاولة من حكومتي البلدين استيعاب الموقف والعمل على حلحلته بالطرق الدبلوماسية و التعاون الإقليمي.

في هذه الأثناء وجدنا  بعض الدول من خارج الحوض تبحث عن مصالح لها في هذه الأزمة فوجدنا التقارير الصحفية في أمريكيا و انجلترا و هولندا  تعزف نغمة نشاز  تثير البلبلة في معزوفة التنمية في الحوض بل ذهبت بعض الدول على المستوى الرسمي إلى ابعد من ذلك فقد وقعت ايطاليا  اتفاقية مع إثيوبيا لبناء 10 سدود وكان هذا أيضا سلوك الصين. ودخلت كلا من إيران وتركيا على الخط وان لم تتضح بعد ماهية دورها في المنطقة.

أما إسرائيل وما أدراك ما إسرائيل فظلت  كعادتها منذ عشرات السنين  تثير المشاكل في المنطقة ولكن في هذه الأزمة تحديدا زادت من الجرعة لأنها تريد الإسراع من وتيرة الخلافات والوصول بها إلى أقصى أمد, فقد نشرت  الصحف الإسرائيلية ورقة بحثية أعدها تسيفي مزائيل سفير إسرائيل الأسبق في مصر والخبير الاستراتيجي بالمركز الأورشليمي للدراسات السياسية والإستراتيجية  ساق فيها من الخيالات و التصورات الغريبة حول هذا الأمر لدرجة انه وصل في النهاية إلى أن الجيشين المصري والسوداني سوف يقوما بالاستيلاء على منابع النيل لأخذ المياه بالقوة  تحت ما أسماه نبوءة غالى  مدللا على زعمه  بتصريحات  قديمة للدكتور بطرس غالى حينما كان  وزيرا للدولة للشئون الخارجية   قال   فيها   إن الحروب يمكن أن تنشب بسبب المياه. وهذا  الكلام يردد في كل أنحاء العالم وخاصة  عند الحديث عن أزمات  المياه التي تواجهها الكثير من الدول حاليا.  ولكن مزائيل استخدم  هذا التصريح خارج سياقه  ليدلل به على وجهة نظره التي تبتعد عن الواقع كثيرا.  بل  وفى نهاية  ما أسماها ورقة بحثية يطالب بتدخل للأمم المتحدة في الأمر لحماية دول المنبع الضعيفة من جبروت مصر والسودان. هكذا .. ونسى أن إسرائيل   قد استولت على  مياه فلسطين ولبنان و الأردن بدون وجه حق مستخدمة القوة الغاشمة في ذلك.

ومعروف  أن لإسرائيل مطامع  قديمة في مياه النيل فشعارهم من الفرات إلى النيل وهو لا يخلوا من تلميحات الاستيلاء على مياه العرب ، ولم تخف هذه الأطماع في يوم من الأيام. فقد طلبت  من مصر تحويل مياه نهر  النيل من مصبه في البحر الأبيض المتوسط إلى صحراء النقب.  رغم علمها بأن ذلك مخالف لقواعد القانون الدولي ، وعندما  رفضت مصر ذلك وهذا أمر طبيعي ، لجأت إلى إثارة الضغائن والأحقاد لدى دول حوض نهر النيل  ضد مصر ، وأوعزت لها بالمطالبة بإعادة النظر في الاتفاقيات الخاصة بإدارة مياه نهر النيل.

والحكاية قديمة متجددة ففي عام 1955 أعلن  ديفيد بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك  أن  اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه وأنه في ضوء  نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل. ثم بعد ذلك  وفى السبعينات طرحت شركة  تاحال   الإسرائيلية مشروع  بشق قناة  عن طريق سحارة أسفل قناة السويس تمد إسرائيل بحصة من مياه النيل ً ولكن مصر رفضت ذلك وتكرر الرفض في مفاوضات مدريد التي عقدت بين العرب و الإسرائيليين في لجنة المياه .

 ويسوق الدليل على دور إسرائيل في   خلق مشكلة  على مياه النيل ضابط الموساد موشى فرجي في كتابه "إسرائيل والحركة الشعبية لتحرير السودان : نقطة البداية ومرحلة الإنطلاق "  حيث أورد  تفاصيل ما فعلته إسرائيل لكي تحقق مرادها في إضعاف مصر وأنها وسعت علاقاتها مع دول حوض النيل للضغط على مصر التي ترفض إعطاءها حصة من مياه النيل .

 كما كشف النقاب عن  تعاون إسرائيلي إثيوبي لتنفيذ 40 مشروعاً مائياً على النيل الأزرق وهذه المشروعات ستقوم بتخزين  عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من مياه  النيل الأزرق التي ترد إلى  مصر والسودان.  وأشار فرجي  في كتابه إلي أن إسرائيل هي التي أقنعت الجنوبيين في السودان بوقف مشروع قناة  جونقلي  التي تقع في جنوب السودان  والتي كانت ستضخ في النيل 15 مليار متر مكعب من المياه المهدرة في حوض بحر الغزال تتقاسمها  الدولتان.

 وبعد ذلك مياه كثيرة جرت تحت الجسور وتغلغلت إسرائيل أكثر فأكثر في دول حوض نهر النيل لنصل إلى ما وصلنا إليه الآن من انقسام واضح في رؤى دول حوض نهر النيل فنجد موقف إسرائيل هو صب الزيت على النار ثم الشماتة في مصر والسودان فنطالع في صحفها الآن شماتة واضحة  فصحيفة  هآرتس  الإسرائيلية في تقرير لها تحت عنوان  الجيران دعت  فيه الحكومة الإسرائيلية إلى التعاطي مع أزمة مياه النيل باعتبارها مصدر قلق خاص بالنسبة لها، محذرة من أن البلد الذي يكون سكانه عطشى لا يمكن ضمان هدوء مواطنيه، واعتبرت أنه من المستحيل إبعاد الظنون حول مسئولية تل أبيب في الوقوف وراء الأزمة. وهنا يظهر لنا  جليا  الشماتة الإسرائيلية  في مصر  ووصف شعبها بأنهم عطشى. ثم لا تنفى  الصحيفة عن حكومة  إسرائيل ضلوعها في مشاكل دول الحوض.

أما صحيفة  هيوم  الإسرائيلية فلم  تخف  شماتتها في مصر . ففي تقرير بعنوان أميرة النيل .. مصر وإسرائيل ومياه النهر ، ذكرت الصحيفة إن أزمة  تفجرت مع مصر والسودان  على خلفية قيام دول المنابع بالتوقيع على اتفاقية لإعادة تقاسم مياه النهر .  وأضافت الصحيفة التي تحسب على اليمين الإسرائيلي إنه منذ توقيع  اتفاقية السلام بين مصر و إسرائيل  تحاول مصر وبكل السبل إضعاف قوة تل أبيب  بطريقتين أولهما: دعم الإرهاب  المنطلق من قطاع غزة ( على حد قولها) ، وغض الطرف عن عمليات تهريب السلاح من سيناء لغزة عبر الأنفاق. أما  ثانيهما فتتمثل في الهجوم المصري المستمر على إسرائيل في كل محفل دولي بسبب عدم توقيعها على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية. وإمعانا في الشماتة والتشفي كشفت الصحيفة عن أن أزمة مياه النيل أتاحت لتل أبيب وسيلة لتقليل وتحجيم العمليات المصرية والعربية ضد مصالح تل أبيب، وقالت إن ذلك بدأ حينما وقعت كلا من إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا على اتفاقية لإعادة تقسيم مياه النهر وفقا لاحتياجاتها دون اعتبار للاحتكار ( لاحظ كلمة احتكار) المصري- السوداني الذي حظيت به القاهرة والخرطوم منذ الاحتلال البريطاني لهما عام 1929.

هكذا بدا لنا الموقف الإسرائيلي  ونحن لا نتجنى على احد بل من خلال رصد  وتحليل ما جاء في صحفهم , فما هو الموقف المصري من هذه الحقيقة؟  أن الموقف المصري من هذا الأمر اتسم بالتوازن الشديد و الغيرة الحقيقية على مصالح مصر واتخذ من الخطوات ما أرى انه سوف يضع مع إسرائيل الأمور في نصابها حيث هدد مسئول مصري وللمرة الأولى بمنع تصدير الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل إذا ثبت أن لها دورا في الأزمة الحالية. هذا هو رد الفعل الأول وإنني على ثقة من أن مصر لديها من أوراق الضغط الكفيلة بوقف إسرائيل عند حدها.

المصدر: بيئتى د. أحمد زكى ابو كنيز
  • Currently 169/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
53 تصويتات / 606 مشاهدة
نشرت فى 8 يونيو 2010 بواسطة Ahmedazarc

ساحة النقاش

د أحمد زكى

Ahmedazarc
يحتوى الموقع على مجموعة من المقالات الخاصة بالزراعة و المياه و البيئة و التنمية المستدامة. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

274,406