أدلة عذاب القبر ونعيمه

دراسة مدققة في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة

مقدمة البحث وأهميته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الإيمان بالغيب ركنٌ أساسٌ من أركان الإيمان، ومن أعظم مسائل الغيب التي يجب على المسلم الإيمان بها والتصديق الجازم بوقوعها: عذاب القبر ونعيمه. وهو أول منازل الآخرة، والحياة البرزخية التي تفصل بين الموت والبعث. وقد أجمع أهل السنة والجماعة قاطبةً على إثبات عذاب القبر ونعيمه، استنادًا إلى الأدلة الصريحة والقاطعة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة.

يهدف هذا البحث المتواضع، بأسلوب علمي مدقق وحجج قوية، إلى استعراض أبرز الأدلة الشرعية التي تثبت حقيقة عذاب القبر ونعيمه، وتجلية هذا المعتقد الهام، ليزداد المؤمن إيمانًا ويقينًا، وليكون ذلك حافزًا للاستعداد لتلك الدار بالعمل الصالح والتقوى.

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم

مع أن السنة النبوية هي المصدر الأكثر تفصيلاً وتصريحًا في مسألة عذاب القبر، إلا أن القرآن الكريم أشار إليه في مواضع عدة إشارات واضحة يفهمها أهل العلم والتدبر، ومن هذه الأدلة:

1. دليل آل فرعون:
قوله تعالى في سورة غافر عن آل فرعون بعد هلاكهم وقبل قيام الساعة:

النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(غافر: 46)

وجه الاستدلال: الآية صريحة في أنهم يُعرضون على النار صباحًا ومساءً (غُدُوًّا وَعَشِيًّا) قبل يوم القيامة، بدليل قوله تعالى بعدها: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}. فهذا العرض على النار الذي يحدث مرتين في اليوم هو عذاب القبر (في عالم البرزخ)، أما العذاب الأشد فهو يوم القيامة. قال قتادة وغيره من السلف: "هذه الآية من أوضح الأدلة على عذاب القبر".

2. دليل الظالمين عند الموت:
قوله تعالى في سورة الأنعام واصفًا حال الظالمين عند الاحتضار:

وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ(الأنعام: 93)

وجه الاستدلال: قول الملائكة لهم: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} يدل على أن العذاب يقع عليهم في نفس يوم موتهم وقبض أرواحهم، وهو ما يكون في القبر قبل يوم القيامة. فكلمة "اليوم" هنا تشير إلى الوقت الحاضر بالنسبة لحدث الموت، وليس يوم القيامة الذي يأتي لاحقًا.

3. دليل قوم نوح:
قوله تعالى عن قوم نوح بعد إغراقهم:

مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا(نوح: 25)

وجه الاستدلال: حرف الفاء في قوله {فَأُدْخِلُوا} يفيد الترتيب والتعقيب المباشر. أي أنهم بمجرد غرقهم أُدخلوا نارًا. وهذه النار التي أدخلوها بعد الغرق مباشرة وقبل يوم القيامة هي نار البرزخ وعذاب القبر.

4. دليل حياة الشهداء ونعيمهم:
قوله تعالى عن الشهداء:

وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ(البقرة: 154)
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(آل عمران: 169)

وجه الاستدلال: إثبات الحياة والرزق للشهداء عند ربهم بعد موتهم مباشرة هو دليل قاطع على وجود حياة برزخية فيها نعيم لمن يستحقه. وإذا ثبت النعيم في البرزخ، ثبت مقابله وهو العذاب لمن يستحقه، فالبرزخ دار جزاء أولية قبل الجزاء الأكبر يوم القيامة.

ثانياً: الأدلة من السنة النبوية الصحيحة

الأدلة من السنة النبوية على عذاب القبر ونعيمه متواترة تواترًا معنويًا، وصريحة وقاطعة لا تحتمل التأويل، وهي كثيرة جدًا، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • حديث الاستعاذة من عذاب القبر:
    كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من عذاب القبر في صلاته وغيرها، ويعلّم أصحابه ذلك. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو:
    اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.(متفق عليه)

    وجه الاستدلال: استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم المتكررة وتعليمه ذلك لأمته دليل قطعي على وجود عذاب القبر وحقيقته، إذ لا يُستعاذ إلا من شرٍّ مُتحقّق الوقوع.

  • حديث القبرين المعذبين:
    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
    يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ.(متفق عليه)

    وجه الاستدلال: هذا الحديث صريح جدًا في إثبات عذاب القبر، بل ويذكر سببين من أسبابه، وهو دليل حسي حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوتهما.

  • حديث فتنة القبر وسؤال الملكين (حديث البراء بن عازب الطويل):
    وهو حديث طويل مشهور رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه جمع من أهل العلم، يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم رحلة الروح بعد الموت، ونزول الملائكة، وسؤال الملكين (منكر ونكير) للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، ثم ما يكون بعد ذلك من نعيم للمؤمن أو عذاب للكافر أو المنافق.
    [مقتطف منه في وصف حال المؤمن]: ... فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ... [وفي وصف حال الكافر/الفاجر]: ... وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ... (رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصححه الألباني وغيره)

    وجه الاستدلال: هذا الحديث يعتبر أصلاً في باب فتنة القبر وعذابه ونعيمه، ويقدم تفصيلاً واضحًا لما يجري للميت بعد دفنه.

  • حديث سماع النبي صلى الله عليه وسلم لأصوات المعذبين:
    عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقال رجل: أنا. قال: «فمتى مات هؤلاء؟» قال: ماتوا في الإشراك. فقال:
    إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ.(رواه مسلم)

    وجه الاستدلال: فيه إثبات صريح لسماع النبي صلى الله عليه وسلم لعذاب القبر، وأن هذه الأمة تُفتن في قبورها، وأن عدم سماعنا له هو رحمة من الله بنا حتى لا نمتنع عن دفن موتانا خوفًا وهلعًا.

خلاصة البحث وتأكيد الحقيقة

من خلال استعراض هذه الأدلة القاطعة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة المتواترة، يتضح جليًا وبما لا يدع مجالاً للشك أن عذاب القبر ونعيمه حق ثابت، وهو من صميم عقيدة أهل السنة والجماعة التي يجب الإيمان بها.

إن هذه الأدلة المتضافرة، من إشارات قرآنية واضحة، وتصريحات نبوية متواترة، وإجماع سلف الأمة، لتقطع الطريق على كل مشكك أو متأول، وتثبت أن الحياة البرزخية في القبر هي مرحلة حقيقية تسبق يوم القيامة، وفيها يلقى الإنسان أولى ثمرات عمله، إما نعيمًا وروحًا وريحانًا، وإما عذابًا وهوانًا وخسرانًا.

فعلى المسلم العاقل أن يأخذ هذا الأمر مأخذ الجد، وأن يستعد له بالعمل الصالح، والتقرب إلى الله تعالى، والابتعاد عن أسباب العذاب كالغيبة والنميمة وعدم الاستتار من البول والشرك بالله والكفر والنفاق، وأن يكثر من الدعاء والاستعاذة بالله من عذاب القبر وفتنته.

نسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجيرنا من عذاب القبر وعذاب النار، وأن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة. والحمد لله رب العالمين.