الموقع التربوي للدكتور وجيه المرسي أبولبن

فكر تربوي متجدد

كان التحدث باللغة العربية قبل الفتح الإسلامي لا يتجاوز سكان الجزيرة العربية، إضافةً إلى أجزاء يسيرة من العراق والشام, ولكن ما إن امتد الفتح الإسلامي واتسع مدًى حتى حلّت اللغة العربية محل اللغات السائدة آنئذ؛ فلقد حلت محل الفارسية في العراق وبلاد فارس, والرومية بالشام، والقبطية بمصر, واللاتينية بالشمال الإفريقي.
يقول المستشرق رنان في كتابه (تاريخ اللغات السامية) ":إن انتشار اللغة العربية ليعتبر من أغرب ما وقع في تاريخ البشر, كما يعتبر من أصعب الأمور التي استعصى حلها؛ فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ ذي بدء, فبدت فجأة على غاية الكمال سلسة أية سلاسة، غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أدنى تعديل مهم, فليس لها طفولة ولا شيخوخة... ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة, ولا أدري هل وقع مثل ذلك للغة من لغات الأرض قبل أن تدخل في أدوار مختلفة... فإن العربية - ولا جدال - قد عمت أجزاء كبرى من العالم".
وذكر المستشرقان أنجلمان ودوزي في كتابهما (معجم المفردات الإسبانية والبرتغالية المشتقة من اللغة العربية) بأن الكلمات العربية الموجودة باللغة الإسبانية تعادل ربع كلمات اللغة الإسبانية, وأن باللغة البرتغالية ما يربو على ثلاثة آلاف كلمة عربية!
كما أبان المستشرق لامانس في كتابه (ملاحظات على الألفاظ الفرنسية المشتقة من العربية) ما يربو على سبعمائة كلمة عربية دخلت اللغة الفرنسية. وقدم الأستاذ تيلور بحثًا عنوانه (الكلمات العربية في اللغة الإنجليزية (Arabic Words In Inglish، ذاكرًا فيه ما يزيد على ألف كلمة عربية في الطب والكيمياء والفلك والبيولوجيا والجراحة دخلت اللغة الإنجليزية.
أما عن تأثير اللغة العربية في اللغة الإيطالية، فيقول رينالدي: "لقد ترك المسلمون عددًا عظيمًا من كلماتهم في اللغة الصقلية والإيطالية، وانتقل كثير من الكلمات الصقلية التي من أصل عربي إلى اللغة الإيطالية ثم تداخلت في اللغة العربية الفصحى, ولم تكن الكلمات فقط هي التي دخلت إيطاليا.
وإنما تسربت أيضًا بعض جداول من الدم العربي في الجالية العربية التي نقلها معه إلى مدينة لوشيرا, الملك فريدريك الثاني... ولا يزال الجزء الأعظم منالكلمات العربية الباقية في لغتنا الإيطالية التي تفوق الحصر دخلت اللغة بطريق المدنية لا بطريق الاستعمار... إن وجود هذه الكلمات في اللغة الإيطالية, يشهد بما كان للمدنية العربية من نفوذ عظيم في العالم المسيحي".
هذا ويكفي اللغة العربية شرفًا ومجدًا أنها اللغة التي نزل بها القرآن الكريم على خاتم المرسلين محمد، فكان - وما زال - المعجزة الكبرى والآية العظمى.تشهد الدوائر العلمية والأكاديمية في معظم أرجاء العالم إقبالًا منقطع النظير على تعلم اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وتتمثل مظاهر هذا الإقبال بافتتاح أقسام للغة العربية وإنفاذ البعثات الدراسية إلى العالم العربي، وعقد اتفاقات التبادل الثقافي. ومهما تُكُنْ أهداف هؤلاءِ المتعلمين فإنَّ إقبالهم على تعلم العربية والثقافة الإسلامية يزيد من قيمة العربية وأهميتها، فيصير تعليم العربية ونشرها في العالم قضية لا تَقِلُّ أهمية عن تعريب الحاسوب وتعريب التعليم والنشر الإلكتروني بالعربية؛ وإنما يَنْبُعُ ذلك كُلُّه مِنْ أنَّ العربية هي أساس متين للثقافة العربية والإسلامية ،وتراثها الثقافي والديني والعلمي وهي المعجم الذي نفيء إليه لتفسير مفردات تاريخنا الثقافي والحضاري. وفي هذه الظروف تواجه العربية تحديًا كبيرًا ؛ إذ إن تعليمها هو المدخل الرئيس الذي تُقَدَّمُ به الحضارة العربية الإسلامية وثقافتها ، وهي الوسيلة لإطلاع الآخر على حقيقة هذه الحضارة ، ودحض الأفكار الزائفة التي يُرَوِّجُها أعداء العرب والمسلمين.
إن تقدم تعليم اللغة العربية مرتبط بتقدم المجتمع الإسلامي العربي، الذي يناط به تقديم رؤى مستقبلية جادة ومنظمة لتعليم اللغة العربية لا سيما تعليمها لغير الناطقين بها من أبناء الشعوب المسلمة، وتقديم الدعم لمؤسساتها التعليمية، وذلك لأن الاهتمام بتعليم اللغة العربية هو السبيل لفهم الثقافة الإسلامية فضلا عن فهم مصدريها الأساسين القران الكريم والسنة النبوية.
وفي ظل المتغيرات المعاصرة والتحديات الكبيرة التي تواجه الأمة الإسلامية، تزداد أهمية تعليم اللغة العربية لأبناء الشعوب الإسلامية الناطقة بلغات أخرى، نظرا لما يواجهونه من تحديات في شعوبهم بوصفهم أقليات فيها،فإجادتهم للغة العربية تمكنهم من فهم دينهم وثقافته وتزودهم بطاقات هائلة للذود عن حياضه ومواجهة هذه التحديات.
والعلاقة بين اللغة والثقافة أوضح من أن تذكر، فاللغة العربية – كغيرها من اللغات البشرية- وعاء الثقافة أي وعاء الثقافة العربية، فاللغة العربية هي الوسيلة الأولى – والوحيدة في كثير من المجالات – للتعبير عن الثقافة العربية . فلغة العرب وثقافتهم تسيران يدا بيد. ومن العسير على الدارسين غير الناطقين باللغة العربية - بما فيهم الدارسون الإندونيسيون – أن يفهموا اللغة العربية فهما دقيقا ويستخدموها استخداما جيدا دون أن يفهموا ما يرتبط بها من مفاهيم ثقافتها العربية.
لذا فلا غرابة إذا كان الاتجاه السائد في تعليم اللغة العربية اليوم تمكين الدارسين من الكفاية الثقافية (cultural competence) إلى جانب الكفاية اللغوية والكفاية الاتصالية؛ حيث يتم تزويد الدارس بجوانب متنوعة من ثقافة اللغة، وهي هنا الثقافة العربية الإسلامية، يضاف إلى ذلك أنماط من الثقافة العالمية العامة التي لا تخالف أصول الإسلام. وبعبارة أخرى أن المدخل الذي تعتمد عليه أعمال التدريس هو المدخل اللغوي الاجتماعي (the sociolinguistic approach) ، لا مجرد المدخل اللغوي (the linguistic approach) الذي يهتم بدراسة اللغة في حد ذاتها وتركيبها الداخلي والخارجي بغض النظر عن وظائفها وكيفية اكتسابها، ولذلك فإن جوانب هذا المدخل تتركز في النصوص والأحاديث المسجلة، وهو يصنف مكونات اللغة، ويبحث عن العلاقات الموجودة بينها طبقا للمستويات التقليدية وهي: الصوتية، والمعجمية، والنحوية، ولا مجرد المدخل اللغوي النفسي (the psycholinguistic approach) الذي يرى اللغة ظاهرة نفسية تهتم بسلوك الفرد الظاهر والكامن، وعلى ذلك فاللغة من هذه الناحية فرع من فروع علم النفس، وعموما فإن هذا المدخل يهتم بصفة أساسية بدراسة اكتساب اللغة وعلاقتها بالإدراك الإنساني، والإعمال النفسي وراء فهم الكلام وإنتاجه.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 321 مشاهدة
نشرت فى 20 إبريل 2012 بواسطة wageehelmorssi

ساحة النقاش

الأستاذ الدكتور / وجيه المرسي أبولبن، أستاذ بجامعة الأزهر جمهورية مصر العربية. وجامعة طيبة بالمدينة المنورة

wageehelmorssi
المؤهل العلمي: •دكتوراه الفلسفة في التربية جامعة عين شمس عام 2001م. •الوظيفة الحالية: أستاذ مناهج و طرق تدريس العلوم الشرعية والعربية بجامعتي الأزهر وطيبة بالمدينة المنورة. جمعيات علمية: 1-عضوية الجمعية المصرية للقراءة والمعرفة. 2-عضو الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس بالقاهرة. 3-عضو لجنة التطوير التكنولوجي بجامعة الأزهر. 4-عضور رابطة التربويين العرب. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,643,156